"السادات في السينما"... هكذا كانت خطة ثورة يوليو: ابقَ في منزلك أيها القائد

الجمعة 24 يوليو 202005:01 م

"تحدّد مساء 22 يوليو 1952 ليكون آخر يوم في عمر نظام الملك فاروق، خاصة أن محمد نجيب، علم من شقيقه اللواء علي نجيب، أن هناك مؤتمراً لرئيس الأركان، حسين سري، سيُعقد في العاشرة مساء ذلك اليوم، وبالتالي يمكن القبض عليهم بمقر القيادة في كوبري القبة". هكذا حكى الكاتب خالد عوض، في كتابه "اللواء محمد نجيب... أول رئيس لمصر". لكن اللافت في الحكاية هو دور نجيب كقائد ثورة. فقد اقترح نجيب أن يسافر إلى بلدته "النمارية" بمدينة كفر الزيات، لتضليل أجهزة الأمن التي تراقبه، على أن يعود متسللاً مساء 22 يوليو، لكن اقتراحه لم يلق قبولاً من الضباط الأحرار، ورفضوا أيضاً اقتراحه بأن يكون في سيارته قريباً من مقر القيادة، خوفاً من القبض عليه في الشارع قبل نجاحهم في السيطرة على الموقف.

لم يكن قائد الثورة متقدماً الصفوف إذن كما يمكن أن يتخيل أي إنسان طبيعي، بل كان مكانه البيت، وكان دوره في الخطة فقط مجرد دمية لمراوغة أجهزة أمن الملك... ما أغربها خطة تعتمد على قائد دمية!

هل من المنطقي أن مسؤول التواصل والمواصلات بالحركة، وهو السادات، لا يعرف موعد الثورة بدقة؟!

نجيب نفسه قال في مذكراته "كنت رئيساً لمصر": "انتهى الأمر إلى التسليم بالخطة التي وضعها زكريا محيي الدين، المدرس بكلية أركان الحرب في ذلك الوقت، والتي تقضي بأن أبقى في المنزل"، أما عبد الناصر فروى أنه "في ليلة 23 يوليو، لو كُنا نحسب العملية بالورقة والقلم، كُنا لقينا النجاح نسبته ضعيفة".

لم يكن هناك حساب بالورقة والقلم إذن.

أضاف: "كُنا قوات قليلة، والخطة لم تكُن بلغت لكل الناس، زي دلوقتي كنت بمُر من الصبح على الظباط اللى هيشتركوا في الثورة، وكان من المفترض أنها تُنفذ في ليلة 22 يوليو ولكن لم تكُن الخطة اكتملت".

على أي أساس حددنا لحظة التنفيذ إذا كانت الخطة لم تكتمل يا عم عبد الناصر؟

بسبب عدم اكتمال ما أسماه عبد الناصر بـ"الخطة"، أجّل هو وعبد الحكيم عامر الثورة 24 ساعة، حتى يتم إبلاغ كافة القيادات المُشتركة.

وأثناء لقاء صحفي أقيم بدار "أخبار اليوم" بعد الثورة، جلسَ السادات يروي للصحفيين الأجانب ما حدث له ليلتها: "وضع عبد الناصر كل ترتيبات الحركة - ليس زكريا محيي الدين كما قال نجيب - وعرف كل منّا دوره، ولكن موعد قيام الحركة لم يكن قد تقرر، كل ما كنت أعرفه أنها ستحدث أوائل أغسطس"، وأضاف: "سافرت العريش لأطلب من الضباط الذين أعتمد عليهم أن يستعدوا، ثم عدت إلى القاهرة مساء 22 يوليو 1952، وصحبت زوجتي إلى السينما، حيث تعودت أن أذهب في أيام إجازتي إلى سينما صيفية نظراً لاشتداد الحرارة، ولم يكن عندي أدنى فكرة بأن الأوامر تغيرت، وأن الرأي قد استقر على تنفيذ خطتنا بعد منتصف ليل 22 يوليو".

وصف "الضباط الأحرار" أدوارهم في الثورة على النحو التالي:

جمال عبد الناصر هو "رأس الثورة المُدبر للخطة".. الصاغ صلاح سالم كان المُكلف بعمل انقلاب عسكري في الجيش الموجود بسيناء، ومنع قادته من توجيهه ضد الحركة بالقاهرة.. عبد الحكيم عامر هو الذي وضع "تكتيك" الاستيلاء على السلطة في القاهرة... قائد الجناح، جمال سالم كُلف بأن يحمي ظهر الحركة من الجو ووقف أي دعم محتمل من القوات التي قد تنضم للملك ضد "حركة التحرير"... البكباشي أنور السادات كلفوه بقطع المواصلات بين القيادة القائمة وألوية الجيش وأن يسيطر على مواصلات الحركة.

هل من المنطقي أن مسؤول التواصل والمواصلات بالحركة، وهو السادات، لا يعرف موعد الثورة بدقة؟!

كل شيء مرهون بالارتجال والتجريب غير المدروس وترك كل الأشياء للظروف تعبث بها كما تشاء، رغم أن مصير أمة كاملة في أيديهم. وكان أبرز التناقضات حول أحداث الثورة يتمثل في ليلة اندلاعها، ففيها أكثر من رواية

ثورة بدون شفرة

لم تمر الليلة خفيفة على السادات كما روى للصحفيين: "تصادف أن قطعت الكهرباء في السينما وتعطل العرض، فانصرفنا منه متأخرين نصف ساعة عن الموعد المعتاد، ولما ذهبت إلى المنزل وجدت ورقة تركها لي البكباشي جمال عبد الناصر، يخبرني فيها بأن الأوامر تغيرت، وتقرر القيام بالحركة بعد منتصف الليل، ولم تكن رسالة جمال رمزية ومبهمة، وإنما كانت مكتوبة بصراحة تامة".

كانت هذه الورقة الصريحة كفيلة لفرش طريق الإعدام رمياً بالرصاص وليس بالورد، لكل الضباط الأحرار بسبب سوء تخطيطهم.

في يوم 23 يوليو أذيع بيان الثورة الذي نصّ على: "من اللواء محمد نجيب إلى الشعب المصري، اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش"، وبالطبع تم طمس جملة البداية "من اللواء محمد نجيب إلى الشعب المصري"، لأنه لم يعد هناك محمد نجيب أصلاً بعد تخلص عبد الناصر منه في 14 نوفمبر 1954، ووضعه تحت الإقامة الجبرية مع أسرته في قصر زينب الوكيل بالمرج، ومنع أي زيارات عنه حتى توفي أوائل الثمانينيات.

وحكى عبدالناصر أيضاً وصلاح سالم وعامر وجمال سالم للصحفيين الأجانب عن الدور الذى قام به كل منهم في الثورة، وكواليس تلك الليلة التي غيّرت مصير البلد، لكن بقي التنظير للثورة مرهوناً بألسنة كَتَبة المذكرات ممن شاركوا في الحدث، ولم يحدث له تنقية علمية، ربما لأن الحدث لم يكن مخططاً بشكل علمي بما يكفي، حسبما أرجّح مما رواه المشاركون في تفاصيل الحدث، الذي أصبح ملكاً لكل من يريد أن يحكي مغامراته من الضباط الأحرار بطريقة الثرثرة الليلية، محتمية برعونة الفترة العمرية التي كان عليها الضباط، فكلهم، باستثناء محمد نجيب، كانت أعمارهم بين 33 و35 سنة.

الدكتور يونان لبيب رزق، يذكر أن أخبار الثورة تسربت منذ التاسعة مساء 22 يونيو، أي قبلها بشهر، عن طريق ضباط المدفعية، ووصلت للملك عن طريق قائد السرب الملكي، وبالتالي ألغيت ساعة الصفر، وكانت الساعة الواحدة صباح 23 يوليو، فسارع الضباط بالذهاب إلى وحداتهم لإعدادها.

تأريخ ثورة يوليو سيظل مهمة شاقة للمؤرخين والباحثين، من ناحية لغياب الوثائق، ومن ناحية أخرى لأن الحدث كان خارج إطار التخطيط أصلاً، لذا يروج سوق المذكرات الشخصية، وهذه فوضى أخرى خلقها غياب خطة للثورة، كما يبدو من التفاصيل الكثيرة وتضارب أقوال المشاركين

الخلاف حول تنظيم الضباط الأحرار امتد، بحسب كامل زهيري، نقيب الصحافيين المصريين الأسبق، إلى تحديد مَن هم الضباط الأحرار أصلاً، وما دور كل منهم. وضرب مثالاً بما كُتب حول رواية حسين الشافعي لقرار ترقية عبد الحكيم عامر، وما تلاه من تهديد عنيف لاستقرار الجيش، حيث شهد حالات تمرد كان أعنفها ما حدث في سلاح الفرسان. يومها ذهب عبد الناصر بنفسه والتقى الضباط المتمردين ودار بينه وبينهم نقاش طويل، وهذه رواية محمود عبداللطيف حجازي، أحد الضباط الأحرار، يقول: "في 4 فبراير 1954 جاءني الصديق الضابط أحمد الحصري وأخطرني بأن هناك شائعة تقول إن مجلس قيادة الثورة سيتخلى عن اختصاصاته ويتركوا الحكم بالكامل لنجيب، وبعد ذلك توجهنا لمقابلة حسين الشافعي، وكان في اجتماع لكننا حضرنا اجتماعاً لبعض الضباط كان يتحدث إليهم صلاح سالم، وأوشك أن ينهي حديثه وسمعناه يقول: والآن يا إخوان إما أن نبقى معه كما نحن ــ يقصد نجيب ــ وهذا مُحال... وإما أن نترك له الحكم ليحكم حكم الديكتاتور ونعود لمنازلنا... أو يذهب هو ويتركنا لننطلق في آفاق العمل والتقدم، وانتهى اللقاء بهرج ومرج، وجاءوا لنا بجمال سالم الذي كان معروفاً بعنفه، ظناً منهم أنه قادر على كبح الضباط. وبعد ذلك حضر إلينا خالد محيي الدين وأفاد بأن رأياً مماثلاً لرأينا يُناقش بمجلس الثورة ــ وهو عودة الدستور ــ وعند ذلك اقتنعنا وغادرنا المكان بعد أن وثقنا في خالد والشافعي، وفي صباح اليوم التالي فوجئنا بقرار تنحية نجيب..".

كل شيء مرهون بالارتجال والتجريب غير المدروس وترك كل الأشياء للظروف تعبث بها كما تشاء، رغم أن مصير أمة كاملة في أيديهم. وكان أبرز التناقضات حول أحداث الثورة يتمثل في ليلة اندلاعها، ففيها أكثر من رواية. هناك من يرى أن الحسم كان ليوسف صديق، وهناك من يرى أنه كان لسلاح الفرسان، وفريق ثالث يرى أنه كان على يد قوات أخرى للمشاة، واختلف البعض بشدة حول دور نجيب في الثورة، بعضهم رآه هامشياً وآخرون رأوه مؤثراً.

تأريخ ثورة يوليو سيظل مهمة شاقة للمؤرخين والباحثين، من ناحية لغياب الوثائق، ومن ناحية أخرى لأن الحدث كان خارج إطار التخطيط أصلاً، لذا يروج سوق المذكرات الشخصية، وهذه فوضى أخرى خلقها غياب خطة للثورة، كما يبدو من التفاصيل الكثيرة وتضارب أقوال المشاركين.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard