"أنثروبولوجي_بالعربي"... رؤية عربية جديدة للأنثروبولوجيا بمحتوى جذّاب

الخميس 23 يوليو 202006:08 م

"حياتي هي الأنثروبولوجي... يا ريتني كنت عارفة المجال ده من قبل"، بهذه الكلمات وصفت فرح حلابة، شغفها بهذا العالم الغامض الذي كانت تجهله تماماً.

لطالما كانت حلابة مهتمة بالعلوم الاجتماعية على أنواعها، فدرست العلوم السياسية في إسطنبول، كما تخصصت في الدراسات السينمائية وصناعة الأفلام. وبعد أن دارت بها الأيام، دفعها فضولها للتعرف عن كثب على عالم الأنثروبولوجيا، فوقعت في "غرام" هذا المجال، وقررت التقديم على منحة لإتمام دراسة الماجيستير في الـ social anthropology (الأنثروبولوجي الاجتماعي) والـvisual ethnography (الإثنوغرافية المرئية) في جامعة كنت في بريطانيا.

في أكتوبر/ تشرين الأول تحقق حلم فرح في الحصول على المنحة والدخول إلى حرم الجامعة العريقة، ومن هناك بدأت رحلتها الفعلية مع علم الأنثروبولوجيا الذي غيّر كل حياتها.

وبالرغم من الصعوبات التي واجهتها في بداية مشوارها، إلا أن عزيمة هذه الشابة المصرية كانت أقوى من أي شيء، فأبت أن تستسلم في منتصف الطريق، ووضعت نصب عينيها هدفاً واحداً: كسر الصور النمطية المتعلقة بالأنثروبولوجيا كمادة كلاسيكية صعبة ومحصورة بالأخصائيين، وتعريف الجمهور العربي على هذا المجال بطريقة سلسلة وبسيطة، عبر إطلاق صفحة "أنثروبولوجي بالعربي"، التي تتضمن فيديوهات قصيرة، يتمكن خلالها أي شخص من فهم المواضيع المطروحة بلغته الأم، بعيداً عن النهج الأكاديمي الذي يكون عادة متوفراً باللغات الأجنبية.


لاقت هذه المقاطع المصورة رواجاً كبيراً، وحصلت على آلاف المشاهدات على يوتيوب، نظراً لمحتواها البصري المثير والجذاب، وطريقة حلابة في عرض المواضيع بطريقة تدمج ما بين العلم وروح الفكاهة.

إليكم الحوار الذي أجراه موقع رصيف22 مع فرح حلابة، للتعرف أكثر على عمل هذه الشابة وخفايا عالم الأنثروبولوجيا.

-ما هو علم الأنثروبولوجيا وما هي أهميته في صلب حياتنا اليومية؟

بشكل عام، يمكن تعريف الأنثروبولوجيا بأنه علم الإنسان، واللافت أن تعليم هذا الاختصاص يختلف من جامعة إلى أخرى، فالبعض يدمج الأنثروبولوجيا بعلم الآثار، بعلم اللغويات أو ببعض المواد البيولوجية والطبية، ولكن بالنسبة لي فإن اهتمامي بالأنثروبولوجيا مرتبط بشكل أساسي بشقين: الشق الثقافي والشق الاجتماعي.

في العادة، عندما نقول إن علم الأنثروبولوجيا مبني على دراسة ثقافة الشعوب يخال للبعض أن الأنثروبولوجيين يهتمون فقط بعادات الشعوب في الرقص والطعام والفلكلور، بالطبع هذا كله جزء من الثقافة العامة، ولكن ما يهمنا حقاً كأنثروبولوجيين هو النظر إلى الثقافة كـ Meaning-making وworld view، أي كيف يفسر الناس أو يفهمون أحداث الحياة والعلاقات والتفاعلات بين البشر.

الهدف من صفحة "أنثروبولوجيا بالعربي" هو كسر الصور النمطية المتعلقة بالأنثروبولوجيا كمادة كلاسيكية صعبة ومحصورة بالأخصائيين، وتعريف الجمهور العربي على هذا المجال بطريقة سلسلة وبسيطة

بمعنى آخر، يمكن القول إن الجانب الثقافي من الأنثروبولوجيا لا يعني فقط الانكباب على دراسة القبائل التي تضع الريش وتكون متواجدة في مكان بعيد وناءٍ، بل درس وتحليل مختلف الشعوب ونظرتها إلى جوانب الحياة، واللافت أن أي موضوع يصلح ليكون مادة أنثروبولوجية. فمثلاً قد نقوم بدراسات أنثروبولوجية عن ثقافة الأشخاص الذين يعملون في موقع رصيف22 والخط المشترك بينهم ونظرتهم للحياة.

والهدف من علم الأنثروبولوجيا ليس الإتيان بحلّ مباشر أو تأكيد صحة النظريات، بل تسليط الضوء على المواضيع الحياتية ومحاولة فهم ما يدور حولنا من علاقات وديناميكيات. من هنا أُشبّه الأنثروبولوجيا بالنظارة التي حين نرتديها نصبح قادرين على رؤية الأمور بشكل أوضح وبمنظور أنثروبولوجي.

كيف ينظر العالم العربي إلى علم الأنثروبولوجيا؟

يعتبر علم الأنثروبولوجيا علماً يكتنفه الغموض، بالأخص في العالم العربي، وذلك يعود لقيام البعض بربطه تاريخياً مع مفهوم الاستعمار، "دايماً كان الرجل (الأبيض) بيدرس الآخر الذي يُعتبر من قبل البعض (الأدنى منه)"، من هنا نفرت "دول العالم الثالث" من الأنثروبولوجيا، ولكن سرعان ما اكتسب هذا العلم بعداً مختلفاً، وأصبح يهتم بدراسة الحضر وسكان المدن وليس فقط القبائل والـ savage (البربرية) والإنسان الـ primitive (البدائي)، وكلها مصطلحات بالية تغيّرت مع مرور الوقت.

ما الذي دفعك إلى إطلاق صفحة "أنثروبولوجي بالعربي"؟

بدأت هذه المبادرة في نوفمبر 2019، وهي جزء من مساهمتي فيما يُعرف بـpublic anthropology (الأنثروبولوجيا العامة).

كطالبة ماجيستير في علم الأنثروبولوجيا، تمنيت لو كان بإمكاني التعرف على هذا المجال والتخصص به من قبل، ولكن كما أشرت في السابق، فإن هذا المجال مغمور في وطننا العربي بسبب ربطه بالاستعمار، من هنا أردت كَسْر هذه الصور النمطية، ومساعدة نفسي وغيري على فهم حقيقة الأنثروبولوجيا بطريقة سهلة ومبسطة. ومن ناحية أخرى، أنا بطبعي شخص visual، أهتم بالمواد البصرية، وأعتبر بأن النصوص الأكاديمية لوحدها صعبة وتحتاج إلى مواد سمعية وبصرية لتصبح مفهومة، ولاحظت بأن علم الأنثروبولوجيا بعيد تماماً عن عالم اليوتيوب، وفي حال وُجد، تكون المواد المنشورة كلها عبارة عن محاضرات طويلة يلقيها في العادة شخص مسنّ بطريقة كلاسيكية، من هنا قررت أن أطلق صفحة "أنثروبولوجي بالعربي" لتعريف العالم العربي على هذا العالم، من خلال فيديوهات قصيرة تتناول مواضيع شيّقة، وتفيد حتى الأشخاص الذين لا يبدون أي اهتمام بعلم الأنثروبولوجيا.

لماذا التركيز على اللغة العربية تحديداً في المحتوى الذي تقدمينه؟

في الفضاء الإلكتروني هناك غياب نوعاً ما للمواد الأنثروبولوجية البسيطة باللغة العربية، إذ يوجد كتب أجنبية مترجمة إلى العربية أو أنثروبولوجيون عرب يتناولون مواضيع تهم الأخصائيين والأكاديميين فقط، وبالتالي شعرت بالرغبة في ملء هذه الفجوة، وتقديم المعلومات المتعلقة بالأنثروبولوجيا بطريقة سهلة يفهمها الجمهور العربي كله. ففي نهاية المطاف، يجب ألا يكون العلم مقتصراً على دكاترة الجامعة، بل يجب إشراك الجمهور الأوسع بكل ما من شأنه أن يفيد الإنسان.

كيف تفاعل الجمهور مع صفحة "أنثروبولوجي بالعربي"؟

بصراحة كانت ردة فعل الناس عظيمة بشكل فاق جميع توقعاتي، فبغضون بضعة أيام حققت الفيديوهات آلاف المشاهدات على يوتيوب، وتخطى بعضها عتبة الـ 10 آلاف تقريباً، وقد بدأ الكثير من الأشخاص يبدون اهتمامهم أكثر فأكثر بعلم الأنثروبولوجيا الذي كانوا يجهلونه تماماً.

ومن أكثر التعليقات التي أحببتها: "إنتي مش طالعة تنظري على الناس أو تحاولي تعلميهن كأنك من فوق، إنتي بتتعلمي معاهن وبتشاركيهن إلّي إنتي بتتعلميه"، وهذا الأمر حقيقي، إذ إنني عندما أستمع إلى المحاضرات أفكر فوراً في الحلقة القادمة، وفي كيفية نقل المعلومات وربطها بمسلسل معروف أو بأغنية شهيرة تهم الجمهور العربي.

كيف تقيّمين الحلقات التي نُشرت لحدّ الآن من "أنثروبولوجي بالعربي"؟

"أنا بعمل كل حاجة: بختار موضوع الحلقة، بكتب الـ script (النص)، بصوّر، بعمل المونتاج وبنشر الفيديو"، ولا أنكر أنني تعلمت كثيراً من أخطائي، وأخذت بعين الاعتبار ملاحظات الناس وتعليقاتهم.

وبالرغم من إمكانياتي البسيطة، بدأت العمل على تحسين المونتاج وجودة المحتوى، وهذا ما يمكن ملاحظته على مدار الحلقات.

للأسف يعود تاريخ نشر آخر حلقة من "أنثروبولوجي بالعربي" إلى حوالي شهر تقريباً، وذلك بسبب انهماكي في رسالة الماجستير التي يتعيّن عليّ الانتهاء منها وتسليمها خلال شهر، ولكن أنوي بعدها أن أنشر الحلقات المقبلة بشكل منتظم وبطريقة منظمة.

يعتبر علم الأنثروبولوجيا علماً يكتنفه الغموض، بالأخص في العالم العربي، وذلك يعود لقيام البعض بربطه تاريخياً مع مفهوم الاستعمار

تعملين حالياً على رسالتك الجامعية المتعلقة بمسألة الطبقية والانتماء الأسري في الثقافة المصرية، فهل تحدثينا أكثر عن هذا الموضوع؟

اخترت موضوع الطبقية في مصر لأنه loud (صارخ)، فأنا في الأساس مهتمة بدراسة الفروق الثقافية التي تميّز البلدان في الشرق الأوسط، فعندما أزور لبنان مثلاً ألاحظ أن أكثر حاجة "بتصرخ في وجهك" هي الطائفية، في ليبيا الـ regionalism (الجِهَوِيَّة)، في السعودية القبيلة، في سوريا العائلة، أما أزمة الطبقية فهي متغلغلة بعمق في المجتمع المصري. الشعب المصري غير مدلل بل "يعافر" عبر الزمن، الطبقة المتوسطة هي الأعلى صوتاً والأكثر ظهوراً، لكنها لا تمثل الأغلبية التي تنتمي إلى الطبقة الأفقر.

والواقع، إن هناك الكثير من الأشخاص الذين تناولوا موضوع الطبقية، على غرار جلال أمين، الذي تطرق إلى الطبقية من وجهة نظر اقتصادية واجتماعية بشكل لطيف وسهل، وأشار إلى مدى تشوّه هذه الطبقة، وباعتقادي فإن هذا التشوه الموجود في المجتمع ناجم عن تصرفات وأخلاقية ومعايير الطبقة المتوسطة، بالطبع لا أعني بكلامي أنها طبقة "وحشة"، بل هي كسائر الطبقات فيها "الكويس" وفيها "الوحش".

أما طبقة الأفندية فهي بداية الـ modern middle class في مصر، والتي ظهرت منذ قرابة الـ 100 عام، وفي هذا الصدد هناك كتاب جميل جداً اسمهThe Age of the Efendiyya للمؤرخة لوسي ريزوفا، تتحدث من خلاله عن تاريخ مصر الحديث والنسيج الاجتماعي وخفايا الطبقة المتوسطة وبروز الأفندية والوجاهة، من خلال الصور والمذكرات القديمة.

وخلال إحدى ورشات العمل التي قمت بها، تحدثت عن الطبقية التي تشبه إلى حدّ ما طبق "الكشري"، الذي لا يتضمن "طبقات فوق بعض بل حاجات كتيرة في نفس الطبق الكبير". بمعنى آخر، فإن الأفندية و"الفهلوة" هي نتاج رأس المال الثقافي والاجتماعي والوجاهة وارتداء الطربوش والبدلة عوضاً عن الجلابية.

ماذا عن العمل الذي جمعك مع المصور الصحفي علي الزرعي، وكيف جرى التعاون بينكما؟

كطالبة ماجستير، لاحظت وجود بعض الأشخاص في وطننا العربي الذين يقومون بعمل جميل يصب في خانة الـ visual anthropology حتى من دون التخصص بهذا المجال، ومن بينهم علي الزرعي الذي كان مهتماً بحياة العرب الرحّل والبدو الذين يتنقلون بشكل خاص في شرق الدلتا، وهو موضوع يجهله الكثير من المصريين، من هنا قررنا التعاون وإطلاق موقع www.nomadicbedouinsinegypt.com الذي يتضمن مجموعة من الصور وتجارب السفر والترحال، كما وأننا نحاول الحصول على دعم مؤسسي أو مالي لتطوير هذا المشروع وجعله منصة يتمكن من خلالها الرحّل من التفاعل مع الجمهور.

من وجهة نظر أنثروبولوجية كيف تقيّمين تجربة كورونا وتأثيرها على الإنسان، بالأخص في العالم العربي؟

نحتاج إلى وقت طويل لكي نتمكن من رصد التغيير الثقافي الذي طرأ على العالم كله بسبب جائحة كورونا، فالأمر لا يحصل بين ليلة وضحاها، ولكن أعتقد أنه عندما نختبر تجربة قاسية ومريرة أو عندما يقترب الموت منّا، فهذا من شأنه تغيير أمور كثيرة في طريقة تفكيرنا، وفي نظرتنا إلى الأشياء من حولنا.

ما هي مشاريعك المستقبلية؟

أطمح للعمل في مجال تعليم الأنثروبولوجيا في الوطن العربي لغاية تقديم رسالة الدكتوراه، بحيث أتفرغ بعدها للمجال الأكاديمي ولترجمة المواد الأكاديمية إلى محتوى يكون مفهوماً ومتاحاً للجمهور، ومثيراً للاهتمام من الناحية البصرية، وبالنسبة إلى صفحة "أنثروبولوجي بالعربي"، فأتمنى أن تحافظ على استدامتها وأن تواصل انتشارها ونجاحاتها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard