برنامج "سمعتوها منّي"... النسوية والسخرية والاستفزاز لتعرّية واقع النساء وتحطيم الأبويّة

الاثنين 20 يوليو 202003:28 م

- "تخيّلي أنه لعام 1930، أيام ستِّك يعني، لاكتشفوا أنه 'البَرْيَدة' (Period) إلها علاقة بالإنجاب، وجزموا وقتيها أنه هي لا مرض ولا إعاقة...".

- "بعرف أنه ما بتتصدق، بس تبيّن أنه النساء إلهم نفس الفترة الزمنية على الكرة الأرضية زيهم زي الرجال".

- "البنت الشاطرة بتطلع من الجامعة بشهادة وعريس… مش تيجي تحكيلي بدّك تاخدي ماجستير ولا بدك تاخدي دكتوراه. إوعك. بتلاقيش حدا ياخدِك إذا متعلمة زيادة. بصير عندك شهادات مصفطاهم على حيط دار أبوكي…". 

بأسلوبٍ ساخرٍ، تُحاول صانعة المحتوى ماريا عليّان تحطيم الأبويّة في برنامج "سمعتوها منّي". تحكي مأسأة ما تعيشهُ المرأة العربية في ظل المجتمعات الذكورية، مع التركيز على عدم الاتجاه نحو السرد "الدرامي" أو السرد الذي يتخلله نوع من الوعظ.

لا تدعو الحلقات إلى لطم الواقع. لا مبالغة فيها، ولا تأثيرات صوتية حزينة، ولا شاشة مقتصرة على اللونين الأسود والأبيض. بل تتضمن أصوات طبول وألواناً. كذلك تتضمن سخرية من ذاك الرجل الموجود عن قرب أو بعد في حياة الكثير من الفتيات، والذي يحاول بثّ نظرياته، منها أن القيود المفروضة عليهنّ تصبّ في "مصالحهنّ". كلها موجودة لـ"حمايتهنّ".

تحفل الحلقات بسخرية من السيدة الذكورية، التي قد تكون الخالة، العمّة، الجارة أو الأم، التي تُعزز بنمط تفكيرها شعور الرجال بتفوقهم اجتماعياً على النساء، وتعتبر أن الرجل لا يمكن أن يرتبط بمن تتفوق عليه اجتماعياً أو ثقافياً، وأن المرأة هي المُلومة إذا تعرّضت لتحرّش أو مضايقة... 

البرنامج موجّه إلى "جيل جديد، بصوتٍ جديد"، بحسب شعاره، ويحاول تفكيك الروايات التقليدية الشائعة عن الجندر/ النوع الاجتماعي في العالم العربي خلال عشر حلقات (عُرض نصفها إلى الآن)، مواضيعها : قيمة المرأة، صحة النساء، الحب والزواج، النساء بأسواق العمل، التحرّش، الدورة الشهرية، الأبوّة والأمومة، "الشرف"، الذكورية، العنف المنزلي. 

وهو من إخراج أماندا أبو عبدالله وكتابتها بالتعاون مع عليّان، وتُعرض حلقاته على منصة "خطيرة" (المشروع نُفّذ بدعم من مؤسسة Womanity).

"نسوية بطريقة شعبية"

"نحكي النسوية بطريقة شعبية. نطرح سردية بديلة...". هذا ما قالته لرصيف22 أماندا أبو عبدالله، مديرة المحتوى في "خطيرة" ومخرجة "سمعتوها منّي" وكاتبته المُشارِكة، مشيرة إلى أن الحديث عن قضايا المرأة تكون عادةً "بطريقة جدّية أو ضمن حملات".

وأوضحت: "لا نريد أن نُقدّم دراما برغم أن الوضع درامي. نريد أن يكون المحتوى في متناول الجميع. لم نود أن نجذب المجموعة المقتنعة بالأصل في ما نقوله بل نطمح إلى بلوغ شرائح أخرى".

"لا نريد أن نُقدّم دراما برغم أن الوضع درامي".

يتضمّن البرنامج "كوميدية مضادة، وليست الكوميدية السائدة التي تُحقّر النساء"، بحسب أماندا، التي تعتبر أن السخرية أسلوب فعّال، لا يدعو للتطبيع مع الوضع السائد بل انتقاده. تقول: "نحن نُعرّي الرأي الآخر. السخرية مساحة لازم نخوضها".

هل استفزاز الجمهور مقصود؟ جوابها: "بلى إذا كان الاستفزاز لخلق نقاش. الاستفزاز لخلق غضب لا". وتحدثت عن صعوبة كتابة العمل، موضحة أنه يتضمّن ثلاثة أجزاء: البحث، كتابة سردية بناء على البحث، استيلاد سخرية.

وقالت إن ماريا، مُقدمة البرنامج والمشارِكة في كتابته، "مُمثلة شاطرة وشجاعة، حملت البرنامج كله" كونه "مونولوغاً"، قدّمت فيه نحو 12 شخصية.

وأراد فريق البرنامج "تغيير الصورة النمطية للنساء المؤثرات" من خلال إعطاء ماريا شكلاً أو Style مُعيّناً، إذ تظهر مرتدية نظارة دائرية وكبيرة بعض الشيء وتبدو كأنها مهووسة بالمعلومات. تُعلّق أماندا هنا: "كنت بحب يكون عندي Role Model (قدوة) مثل ماريا... وفضّلنا نكون صانعات محتوى على أن نكون 'مؤثرات'".

واعتبرت أماندا أن شخصية ماريا في البرنامج تُعيد الإعجاب بالنسوية مجدداً (It's making feminism cool again).

وعن سؤال ورد في أحد التعليقات على الحلقات "ليش المرأة المتخلفة بتحطوها محجبة؟". أجابت: "هذه خالة ماريّا (أم محمود). لا علاقة للشخصية بالحجاب وإنما بالسيدات الكبيرات سنّاً. ولا موقف لنا ضد الحجاب. نحن مع حرّية الاختيار. نحن في مجتمع عربي، الغالبية فيه من كبيرات السن محجبات".

"لا نريد أن نُقدّم دراما برغم أن الوضع درامي. نريد أن يكون المحتوى في متناول الجميع. لم نود أن نجذب المجموعة المقتنعة بالأصل في ما نقوله بل نطمح إلى بلوغ شرائح أخرى"... رصيف22 يحاور فريق "سمعتوها منّي" 

"النسوية بتخلّي الإنسان in touch بكيانه كإنسان"

"وصلنا لمحلّ ما منقدر نعيش فيه الظُلم والقمع بس لأننا نساء. وشو ما عملت المرأة، بتضلّ قاصرة، ودائماً فيه حدا مسؤول عنها. بحسسوها إنها فاقدة المسؤولية تجاه نفسها. عايشة لتضلّ تحت جناح غيرها". 

هذا ما قالته ماريا لرصيف22، مستشهدةً بمقولة تكبر عليها الكثير من الفتيات حتى يصدقنها، وهي: "المرأة من بيت أبوها لبيت زوجها للقبر". رأت أن القضايا التي يُناقشها البرنامج "عبارة عن سوس في أعمدة المجتمع. تنخر في أعمدة المجتمع. نعرفها ولكننا لا تستطيع الحديث عنها بسبب مجتمعاتنا الذكورية. أحد أهداف البرنامج تفكيك المواضيع، نُسهّلها للناس لتدخل بيوتهم". 

"القضايا التي يُناقشها البرنامج عبارة عن سوس في أعمدة المجتمع".

وأوضحت أنها تشعر بمسؤولية كصانعة محتوى في العالم العربي لإيصال هذا النوع من المضمون إلى النساء، معتبرة أنه يجب أن "تُكسر حلقة الخوف". 

وتحدثت عن صعوبة العمل كونه ساخراً ويتطلّب حرصاً مضاعفاً على الكلمات المستخدمة. "هل فيها إهانة؟ هل بتُوصّل هالجملة الرسالة؟ هل تظللها؟ كتير كانت عملية الكتابة صعبة وحلوة". 

ورداً على اتهامها بـ"خلق نزاع بين الجنسين" بطريقة تقديمها، قالت إن الطريقة لن تُناسب الجميع حتماً، ولكنها في الوقت نفسه "لم تخلق نزاعاً لأن النزاع موجود وواضح بين الجنسين وفي حياتنا اليومية". 

أضافت: "أنا بحكي عن مواضيع لازم تكون بديهية. عن حقوق. إنسان مقابل إنسان! المرأة هي الحلقة الأضعف. ونريد أن نُفكك هذا المفهوم". 

وبشيء من الأسف، قالت إن هناك فتيات لا يعرفن حقوقهنّ، وهذا ما يحاول البرنامج تسليط الضوء عليه أيضاً. وهناك من تعرف حقوقها ولكنها لا تستطيع المطالبة بها. وهو ما يحاول البرنامج تفكيكه. 

ورداً على سؤال "هل هنالك نسوية مغلوطة؟"، أجابت ماريا: "الغلط هو في تعريف النسوية بأنها تعني كراهية الرجال. وهي ليست كذلك. النسوية صالحة بحق الرجال أيضاً. نطالب بحقوق إنسانية مبنية على المساواة بين الجنسين والتعامل معهما كفردين في المجتمع وليس كرجل وامرأة. نريد كسر الحالتين اللتين خلقناهما للذكر والأنثى. كسر الصفات التي خلقت للمرأة ولا تستطيع الخروج عنها وكسر الصفات التي خلقت للرجل ولا يمكنه الخروج عنها".

وامتداداً لهذه النقطة، قالت: "كبرت على جملة 'ماريا ما تقعدي هيك'. ليش؟ وجُملة 'ما تضحكي بصوت عالي'. ليش؟ و'ما تقولي هيك زي الشباب'... اختفى البسكليت (الدراجة الهوائية) فجأة لأنه ممارسة ذكورية. بس ليش؟". 

وخلصت إلى أن "النسوية بتخلي الإنسان in touch (على صلة) بكيانه كإنسان"، معتبرة أنها، كنسوية عربية، تريد كسر التنميط.

"ما يميّزه مقاربته مواضيع حساسة وإشكالية في مجتمعاتنا، و'فضحه' سخافة الكثير من الصور النمطية المرتبطة بالجندر، باستخدام أداة فعالة جداً هي السخرية"... رصيف22 يحاور فريق "سمعتوها منّي" 

"هذه ليست حماية!"

يتطرّق البرنامج إلى فكرة بعض الذكور الذين يعتقدون بأنهم "يحمون" المرأة بفرض قيودهم عليها. تعليقاً على هذا قالت ماريا: "الشخص الذي يريد أن يحمي شخصاً آخر، يفعل هذا بدافع الحب وليس بسبب الخوف".

وتابعت: "الحماية التي تُقدم للنساء من ذكور العائلة هي حماية مُقنّعة. أنت بتحميني مش عشان خايف عليّ، عشان خايف على سُمعتك. الحماية هاي مش حماية. هي تعدّي على كون شخص، تعدّي على حياة شخص وحرية إنسان. لازم نعطي دروس عن معنى الحماية".

وأضافت أنه إذا أراد أحد ذكور العائلة أن يقدم الحماية لإحدى فتياتها، يمكنه تحقيق ذلك بتسجيلها في دورات تُعلمها كيفية الدفاع عن النفس ويتأكد أنها "تستطيع الدفاع عن نفسها لفظياً أو جسدياً أو فكرياً وليس بالقيود التي توضع عليها". 

وتحدثت بسخرية عن العبارة التي لطالما سمعتها الكثير من الفتيات في مختلف مراحلهنّ العمرية: "شو بدهم يحكوا الجيران" أو "هلق بشوفوكي الجيران". علّقت: "لو قاعدين على الشباك خليهم. عقدة النقص من الجيران. شو هالرعب من الجيران؟ ليش منخافهم؟". 

ولفتت إلى أن "المرأة على مر العصور استطاعت تطوير نفسها"، إذ لم تبقَ في الخانة التي وضعها فيها المجتمع، بينما بقي الكثير من الرجال في هذه الخانة وهو ما اعتبرته "ظالماً بحق الرجال". 

وختمت: "المرأة تقدمت ورح تضل، وهذا تهديد للمجتمعات الذكورية لأنه رح يكون فيه هيمنة نسائية في بعض المجالات وهو ما حصل بالفعل".

"الحماية التي تُقدَّم للنساء من ذكور العائلة هي حماية مُقنّعة. أنت بتحميني مش عشان خايف عليّ، عشان خايف على سُمعتك. الحماية هاي مش حماية"... رصيف22 يحاور فريق "سمعتوها منّي" 

"فضح سخافة الكثير من الصور النمطية"

في سياق متصل، قالت لرصيف22 رئيسة تحرير منصة "خطيرة"، زهراء مرتضى، إن ما يميّز البرنامج "مقاربته مواضيع حساسة وإشكالية في مجتمعاتنا، و'فضحه' سخافة الكثير من الصور النمطية المرتبطة بالجندر، باستخدام أداة فعالة جداً هي السخرية".

وتابعت: "الكوميديا والسخرية لا تقفان عند إيصال المعلومة، ولكن تعتمدان على تصوير المشكلة بشكل مكثّف. والقدرة على تقديم أسوأ مشاكلنا وأكثرها حساسية في قالب سهل الهضم هي سبب نجاح البرنامج".

ورأت مرتضى أن الغالبية العظمى تخرج عند مشاهدة فيديوهات 'سمعتوها مني' بشعور ما، "أكان الاستفزاز لدى البعض، أو الاستغراب أو التساؤل لدى البعض الآخر، وصولاً إلى الشعور بـ'فشة خلق' تم التماسه في ردود فعل نساء كثيرات على الفيديوهات". ولفتت إلى أن النقاشات التي ولّدتها الفيديوهات بين المتابعين، "ليس إلا دليلاً إضافياً على كون الكوميديا والسخرية وسيلتين فعالتين للدفع نحو التغيير الاجتماعي".

إحدى رسائل البرنامج الواضحة هي دعوة النساء إلى رفض واقعهنّ. لكن ما الذي يأتي بعد الرفض؟ أجابت: "ليس هناك وصفة جاهزة لما يأتي بعد الرفض. ظروف حياة النساء في العالم العربي مختلفة بين بلد وآخر، وفي كل مكان تتقاطع مع واقع سياسي واقتصادي واجتماعي معيّن. الرفض اليوم والبناء عليه قد يُحدثان تغييراً جذرياً في حياة بعض النساء، كما قد يكلّفان نساء أخريات حياتهن. ولكن المعرفة خطوة أساسية، والوعي بما تملكه النساء من حقوق، وأبرزها الحق في امتلاك أصواتهن، ضروريان".

هل يُشير البرنامج بطريقة غير مباشرة إلى أن الأديان تتعارض مع حقوق المرأة؟ قالت: "كثيراً ما يصطدم خطاب الحقوق ببعض التفسيرات التقليدية للدين، ولكن هذا لا يعني أن هذا الخطاب يتصادم مع الدين بل مع تفسير معيّن للدين. البرنامج يسلط الضوء على واقع النساء اليوم، وتأثير غياب المساواة على حيواتهن في مختلف المجالات. هو يهدف إلى مواجهة ممارسات تمييزية نعانيها كنساء".

"عندما يتعلق الأمر بحقوقنا كنساء، لا مانع إطلاقاً من أن نكون خطيرات".

وماذا عن "خطيرة"؟ تعدّها مرتضى "مساحة لإنتاج محتوى يخوض في ما تعيشه النساء وكل الفئات المهمشة اليوم في العالم العربي، بدءاً من القضايا الكبيرة والمحورية، وصولاً إلى التفاصيل الصغيرة والصراعات غير المرئية، مروراً بكل ما يمكن أن يكون مفيداً لنا في يومياتنا، وبكل ما يمكن أن يشعرنا بالرضا". 

ومن التفاصيل الصغيرة والصراعات غير المرئية التي تعيشها النساء "علاقاتنا المعقدة بأمهاتنا وبالأهل بشكل عام، الحياة المزدوجة التي نضطر لخوضها بدرجات مختلفة وتشمل أحياناً أبسط الأشياء، معاناة زيارة الطبيب/ة النسائي/ة، كلها قصص لاحظنا تفاعلاً كبيراً من القارئات معها، ولمسنا حاجة إلى الخوض فيها"، وفقاً لمرتضى.

أمّا اسم "خطيرة"، فـ"يأتي بشكل أساسي من كون كل امرأة اليوم تخرج ولو بشكل بسيط عمّا يحدده لها المجتمع من أطر، تشكّل خطراً عليه، من منظار الشريحة المحافظة التي تشكّل الأغلبية على الأقل". من هنا يأتي تعريف المنصّة: "خطيرة هي كل امرأة تأخذ مكانها في هذا العالم من دون إذن. هي كل امرأة لم تعد الأحكام المسبقة ترضي ذكاءها. كل امرأة تجاوزت ما يُرسم لها من خطوط وأنماط ومسارات. كل امرأة تصنع الفرق على نطاق شخصي ضيّق أو في نطاق عام".

وختمت: "عندما يتعلق الأمر بحقوقنا كنساء، لا مانع إطلاقاً من أن نكون خطيرات". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard