"لا تقوم بشيء فريد واستثنائي"... مقاربة مختلفة لاتفاقية الصين وإيران المثيرة للجدل

الجمعة 17 يوليو 202006:26 م

منذ أيام، يتم تداول أخبار وثائق سرية لاتفاقية استراتيجية سيتم توقيعها قريباً بين إيران والصين أو ربما تم توقيعها وتدخل حيز التنفيذ في وقت لاحق. وقد أثارت الأخبار جدلاً واسعاً حول تداعيات اتفاقية مماثلة وأهدافها.

يُجادل كثيرون أن الاتفاقية الجديدة سوف تمنح الصين نفوذاً أكبر في منطقة الشرق الأوسط، ويخشى مراقبون أن تكون طهران قد باعت نفسها لبكين كي تبقى على قيد الحياة في ظل العقوبات التي فرضتها واشنطن.

إلا أن هناك وجهة نظر أخرى في المقابل تعتبر أن الاتفاقية بلا تداعيات كبيرة، ولا تمثل أي تحدٍ أو تهديد سواء للولايات المتحدة أو حلفائها، ويستدل هذا الرأي على عقد الصين اتفاقيات مشابهة مع السعودية والإمارات، وبالتالي فهي ليست بالأمر الجديد.

المخاوف من الاتفاقية

بموجب الاتفاقية التي جاءت بعنوان "شراكة استراتيجية شاملة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية الصين الشعبية" سوف تتمتع الصين بوصول تفضيلي إلى مختلف قطاعات الاقتصاد الإيراني.

تشير الوثائق التي تم تسريبها مؤخراً إلى أن الاتفاقية في حال دخولها حيّز التنفيذ من المقرر أن تذهب إلى أبعد من التعاون الاقتصادي بين البلدين، إذ تشتمل على تعاون غير مسبوق في النقل والخدمات اللوجستية في الموانئ والمطارات والجزر الجنوبية الإيرانية المطلة على خليج عمان والبنوك وقطاع الاتصالات.

في المقابل، ستحصل الصين على إمدادات منتظمة وبأسعار مخفضة للغاية من النفط الإيراني على مدى السنوات الـ25 المقبلة.

اللافت في الاتفاقية التي تتكون من 19 صفحة هو تركيزها على تعميق التعاون العسكري، ما قد يعطي الصين موطئ قدم في منطقة تشغل بال الولايات المتحدة استراتيجياً منذ عقود، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.

وقالت الصحيفة إن الاتفاقية تنص على إجراء تدريبات وتمارين عسكرية مشتركة، وتعاون بحثي في تطوير الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخبارية من أجل هزيمة الإرهاب وتهريب المخدرات والبشر والجرائم عبر الحدود.

ولفتت الصحيفة إلى أنه في حال تفعيل الاتفاقية، فإن هذه الشراكة ستخلق نقاط خطرة جديدة في العلاقة المتدهورة بين الصين والولايات المتحدة، وسوف تمثل ضربة قوية لسياسة الإدارة الحالية تجاه إيران.

وتابعت الصحيفة بالقول: "يأس طهران من الولايات المتحدة دفعها إلى أحضان الصين التي تمتلك التكنولوجيا والشهية للنفط الذي تحتاجه إيران".

تشير الصحيفة إلى نقطة مهمة قد تكون هي نواة هذا الاتفاق وهي أن إيران تريد تسويق نفطها إذ كانت واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم، لكن صادراتها، تراجعت منذ أن بدأت إدارة ترامب بفرض العقوبات في 2018.

كانت الصين تحصل على حوالي 75% من نفطها من الخارج وهي أكبر مستورد في العالم، بأكثر من 10 ملايين برميل يومياً العام الماضي. وعليه فإن هذه الاتفاقية تضمن لإيران سوقاً لنفطها في ظل العقوبات الأمريكية، وتمثل مصدر قلق للسعودية التي تطمح إلى الاستحواذ على السوق الصيني لتصدير نفطها.

بلغت واردات الصين من السعودية والتي تعد معظمها من النفط السعودي، عام 2019، ما يقرب الـ54.18 مليار دولار على أساس سنوي بزيادة 18 في المائة، وهذا ما يشير حجم الضرر الذي ستخلفه هذه الاتفاقية للرياض.

يُجادل كثيرون أن الاتفاقية الجديدة مع إيران سوف تمنح الصين نفوذاً أكبر في المنطقة، ويخشى مراقبون أن تكون طهران قد "باعت نفسها" لبكين... إلا أن هناك وجهة نظر أخرى تعتبر أن الاتفاقية بلا تداعيات كبيرة، مشيرة إلى وجود اتفاقيات مشابهة مع السعودية والإمارات

ولم يتم حتى الآن طرح الاتفاقية أمام البرلمان الإيراني الذي يهيمن عليه الآن متشددون غاضبون من الرئيس حسن روحاني بسبب تعامله مع أزمة فيروس كورونا وفشل الصفقة النووية.

وقد عبّر عدد من المحللين في إيران عن قلقهم من أن الحكومة "تبيع" البلاد سراً للصين في لحظة ضعف اقتصادي وعزلة دولية، نظراً لضخامة المشروعات التي تم ذكرها في الاتفاقية والتي تمس حياة المواطنين الإيرانيين في كل القطاعات.

"لا يمكن الاعتماد على الصين"

شكّك تقرير نشرته مجلة "ذا دبلومات" المعنية بالشؤون الآسيوية في أن تكون الصين حليفاً يمكن الاعتماد عليه في مواجه الولايات المتحدة أو خصوم إيران في المنطقة.

وقال تقرير المجلة إن الهدف من هذه الاتفاقية يتضح في مقال افتتاحي نشرته صحيفة "جافان" الإيرانية المحافظة بعنوان "اتفاق الأسد والتنين"، إذ يدعي الكاتب أن الشراكة الاستراتيجية ستُمكّن إيران ليس فقط من تجنب العزلة الدولية ولكن أيضاً من مواجهة تحدٍ خطير وهو تفوق الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، لم يلتفت الكاتب إلى احتمالية أن تزيد الاتفاقية من اعتماد إيران على الصين في إدارة شؤونها الخارجية.

في بداية أزمة كورونا، اشتكى المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية من تعامل الصين الأولي مع الفيروس، لكن سرعان ما قدمت إيران اعتذارات رسمية، وهو مؤشر واضح على الموقف المحتمل للحكومة الصينية تجاه شركائها: الطاعة الكاملة أولاً، والاحترام المتبادل ثانياً، على حد وصف المجلة الآسيوية.

وبحسب "ذا دبلومات" فإن المسؤولين الإيرانيين سوف يخيب آمالهم إذا اعتقدوا أن الشراكة الاستراتيجية مع بكين تمكنهم من توسيع نفوذهم وأجندتهم في المنطقة، والدليل على ذلك أن وزير خارجية الصين أكد مؤخراً أن بكين ليس لديها الإرادة والقدرات لتصبح ولايات متحدة الثانية، ولن ترتكب بكين الخطأ نفسه الذي ارتكبته واشنطن من خلال الانحياز إلى جانب معيّن في النزاعات الإقليمية.

الاتفاق ليس رداً على العقوبات الأمريكية

أشار تقرير نشره "Atlantic Council" الأمريكي للدراسات والبحوث، في 15 تموز/يوليو الحالي، إلى أن المفاوضات الجارية حالياً حول شراكة استراتيجية بين الصين وإيران ليست شيئاً جديداً، فقد أعلنت الصين وإيران عن وجود مباحثات لعقد شراكة استراتيجية شاملة خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى طهران عام 2016.

وعليه فإن الصفقة ليست رداً على العقوبات التي فرضتها الإدارة الحالية في 2018 على طهران أو تدهور العلاقات الصينية الأمريكية في العام الماضي.

نقطة أخرى مهمة هي أن الاتفاق تضمن بنوداً حول إجراء تعاون عسكري وأمني ​​في الوثيقة المسربة، لكن لا شيء يذكر فيها يمكن أن يمثل تهديداً بشكل خاص للولايات المتحدة أو حلفائها في الخليج، وفقاً للمعهد.

وتركز الوثيقة في الجانب العسكري على مكافحة الإرهاب والاتجار بالبشر والجرائم ولا تستهدف دولة معينة وهي كلها مواضيع تثير مخاوف دولية مشتركة، ولا تمثل تهديداً لاستقرار الخليج، على الأقل على المدى القريب.

كذلك فإن بكين وطهران يجرون بالفعل تمارين وتدريبات مشتركة وتقاسم للمعلومات الاستخبارية، منذ سنوات، وليس ذلك بالأمر الجديد.

وفي إشارة إلى أن الاتفاقية ليست ذي أهمية كبيرة أو مقلقة، ذكر بيان صحافي صادر عن وزارة الخارجية الصينية الاجتماعات بين وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف، ووصف طهران بشريك استراتيجي، لكنه ركز على مسألة مكافحة فيروس كورونا والاتفاق النووي دون ذكر أي شيء عن إجراء أي مفاوضات حول تنفيذ الاتفاقية الجديدة.

واللافت أن الحديث عن الاتفاق الجديد بين طهران وبكين جاء على لسان صحيفة "شنغهاي أوبزرفر"، وليس وكالة أنباء شينخوا الرسمية أو صحيفة الشعب اليومية الصينية، ما يشير إلى أن الصين لا تنظر إلى الاتفاقية بالشكل نفسه الذي يسوق له الإعلام الأمريكي قائلاً إن بكين تعتبرها ضربة لواشطن.

الخليج والصين

بحسب المعهد ذاته، لا بد من الإشارة أيضاً إلى أن دول خليجية منها السعودية والإمارات تجريان مفاوضات لإبرام اتفاقيات شراكة استراتيجية شاملة مع الصين، وبالتالي فإن إيران لا تقوم بشيء فريد واستثنائي.

وتشكلت لجنة مشتركة رفيعة المستوى يشترك في رئاستها نائب رئيس الوزراء الصيني هان تشنغ وولي العهد السعودي محمد بن سلمان من أجل وضع اتفاقية شراكة استراتيجية بين الرياض وبكين.

يشكك مراقبون في ما يُحكى عن 400 مليار دولار من الاستثمارات الصينية في بلد واحد (إيران)، ويتساءل هؤلاء:  كيف يمكن أن يزيد هذا الرقم لما يقرب من خمسة عشر مرة عن السابق؟ وما قدرة إيران على استيعاب هذا القدر من الاستثمار في فترة زمنية قصيرة؟

في أيار/مايو الماضي، أفادت إحصائية صينية رسمية أن حجم التجارة بين الصين والسعودية سجل نمواً قوياً في عام 2019 بنسبة 23.2% على أساس سنوي، ليصل إلى 78.04 مليار دولار.

وبلغت قيمة عقود المشاريع المتعاقد عليها التي وقعتها شركات صينية مع السعودية 11.29 مليار دولار العام الماضي، بزيادة 67.8 في المائة على أساس سنوي، في حين بلغت قيمة الأعمال للشركات الصينية 6.21 مليار دولار، بزيادة 19 في المائة على أساس سنوي.

عسكرياً، كشفت تقارير وسائل إعلام أمريكية في العام الماضي أن واشنطن حصلت على معلومات استخباراتية حول وجود برنامج صاروخي تنفذه السعودية وتطوره بمساعدة الصين، مشيرة إلى أن صور الأقمار الصناعية تؤكد بناء مصنع لصناعة الصواريخ الباليستية في المملكة بتكنولوجيا صينية.

في السياق ذاته، اتفقت أبو ظبي وبكين على تأسيس شراكة استراتيجية شاملة وذلك خلال زيارة قام بها الرئيس الصيني عام 2018 إلى للإمارات.

وشكلت الإمارات مع الصين لجنة مشتركة تجمع كل من المبعوث الإماراتي الخاص إلى بكين وهو خلدون المبارك، وأحد كبار المسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني وهو يانغ جيتشي الذي يعمل عضواً في المكتب السياسي المؤلف من خمسة وعشرين شخصاً، كذلك يعمل كممثل خاص لأبو ظبي.

يمثل اختيار هؤلاء الشخصيات لتوجيه وإدارة العلاقات الثنائية علامة واضحة على أن الصين تبرم شراكات جادة مع الدول الخليجية وأنها لن تتخلى عنهم في مقابل أي فوائد قد تقدمها إيران.

ووصل حجم التبادل التجاري بين الإمارات والصين إلى 257 مليار درهم (70 مليار دولار) بحلول عام 2020، حيث تعد الصين الآن الشريك التجاري الأكبر لأبو ظبي، وذلك حسب تصريحات أحمد بن سليِّم، الرئيس التنفيذي الأول والمدير التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة، والذي أكد أن مركز دبي للسلع المتعددة يعد حالياً مقراً لأكثر من 500 شركة صينية.

في الجانب العسكري، تعد الصين رأس الحربة في التدخل الإماراتي في ليبيا، عبر تزويد الجنرال خليفة حفتر بأسلحة صينية منها طائرات بدون طيار من طراز "وينج لونج" الصينية والتي كانت أبرز الأسلحة المستخدمة في الهجوم على طرابلس.

وتحاول الصين مواصلة نهجها المتوازن تجاه الخليج، وهو ما ظهر فعلياً في الأسبوع الماضي، حينما كانت الأخبار عن توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وايران تهيمن على العناوين الرئيسية لوسائل الإعلام، كان هناك في الوقت نفسه اجتماع لمنتدى التعاون الصيني العربي في الأردن في 6 تموز/يوليو.

ويعقد هذا الاجتماع كل عامين، بحضور وزراء خارجية جامعة الدول العربية مع نظيرهم الصيني لرسم خريطة التعاون في العامين المقبلين.

وفي 11 تموز/يوليو، عقدت الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية وجامعة الشارقة الإماراتية مؤتمراً ركز على التعاون بين الصين والشرق الأوسط في أزمة كورونا. ولم تكن إيران ممثلة بين مندوبي الشرق الأوسط وسط مشاركة عربية بارزة، تضمنت الأمير السعودي تركي بن ​​فيصل ورئيس الوزراء المصري السابق عصام شريف.

شكوكٌ في الاستثمار الصيني

من بين الأخبار التي ترددت أن الصين ستستثمر 400 مليار دولار في إيران، إذ يروج عدد من المحللين أن بكين سوف تستثمر 280 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية و 120 مليار دولار أخرى لتحديث البنية التحتية في مجال النقل والتصنيع.

ومع ذلك، يشكك مراقبون في أن تذهب 400 مليار دولار من الاستثمارات الصينية الخارجية إلى بلد واحد (إيران)، لافتين إلى أن حجم الاستثمار الصيني في طهران منذ عام 2005 وصل إلى ما يقل قليلاً عن 27 مليار دولار. يطرح هؤلاء أسئلة على شاكلة: كيف يمكن أن يزيد هذا الرقم لما يقرب من خمسة عشر مرة؟ وكذلك، ما قدرة إيران على استيعاب هذا القدر من الاستثمار في فترة زمنية قصيرة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard