"خسرت أصدقائي وعملي بسبب قرط في أنفي ووشم على رقبتي"

الخميس 16 يوليو 202004:36 م
رغم ما يُعرف عن المجتمع التونسي من انفتاح وتقبّلٍ للآخر على اختلاف دينه، لونه أو عرقه، إلا أن النظرة السلبية لمختلفي الشكل مازالت قائمة، ونقصد بهم من يكون شكلهم مختلفاً نوعاً ما عن السائد، مثل تسريحة الشعر أو القرط في أذن الشاب، لون الشعر وردي أو أزرق أو من يرتدي ملابس ممزقة، وغيرها من طرق التعامل مع الجسد والزي بطريقة تبدو "غريبة" للكثيرين.

"عبدة شيطان"

"عبدة شيطان"، كلمة يسمعها مروان (27 عاماً)، يسكن في حي راق في تونس العاصمة، أكثر من مرة، من شباب ونساء في وسائل النقل والشوارع.

يقول مروان لرصيف22: "أول مرة سمعت هذه الكلمة، كنت أتجول في أحد أسواق محافظة أريانة بتونس الكبرى، ولكن لم أعر ذلك اهتماماً، إلى أن تطور الأمر، وصرت أسمعها باستمرار، وأشعر حتى بهمسات بعضهم عند مروري أمام مقهى شعبي أو تجمع معين".

ويحمل مروان وشماً على رقبته، في صورة "لمعة برق"، وهو ذو شعر طويل ولحية غزيرة متدلية، كما أنه مهووس بوضع قبعات مختلفة الألوان، ويعمد دائماً إلى ارتداء إكسسوارات أفريقية مزركشة في يديه، وقرط في أذنه، ولا يهتم عادة باللباس الجديد، فهو معجب بشراء السراويل والقمصان من سوق الملابس المستعملة، والتي عادة ما تكون ذات جودة عالية رغم أسعارها المنخفضة.

"نعيش في مجتمع يقيد حريتك في كل شيء، حتى جسدك ليس ملكك، صدقني أنني خسرت كثيراً من أصدقائي وأقاربي بسبب جوهرة صغيرة مغروزة في أنفي، فعلاً إنه أمر مؤسف، لكني لن أرضخ لقيود المجتمع على حساب حريتي الشخصية وقناعاتي"

بإحساس يتراوح بين الغضب والحيرة، يصف مروان تعليقات الآخرين على مظهره بأنها باتت مزعجة وتؤثر على نفسيته، وبنبرة عالية يقول: "لست مضطراً إلى توضيح أموري الخاصة للجميع، فليتركوني وشأني، هذا فقط ما أريد".

يضرب بأصابع يده على صدره، متسائلاً: "ألست أبن هذا الوطن، لماذا لا أعيش بحرية مثل البقية؟ أو عكس ذلك، لماذا لا أعترض أنا عاملاً ببنك مثلاً وأقول له ما بك ترتدي بدلة أنيقة ولماذا تلبس هكذا وتمشي هكذا؟".

ويضيف مروان لرصيف22، "صرت أتحاشى بعض الأماكن حتى لا أسمع نفس الكلمات، فأنا لست كما يظن البعض "من عبدة الشيطان" فقط أنا معجب بشكلي ومظهري الخارجي".

"خزعبلات"

سلمى (22 عاماً)، طالبة فنون جميلة، تضع "بيرسينغ" على جانب أنفها، تقول لرصيف22: "نعيش في مجتمع يقيد حريتك في كل شيء، حتى جسدك ليس ملكك، صدقني أنني خسرت كثيراً من أصدقائي وأقاربي بسبب جوهرة صغيرة مغروزة في أنفي، فعلاً إنه أمر مؤسف، لكني لن أرضخ لقيود المجتمع على حساب حريتي الشخصية وقناعاتي".

أما فريال (18 عاماً)، فتقول إنها لا تعير كلام الناس أي اهتمام، ومع ذلك يبقى وقع الكلمة الجارحة كبيراً في قلبها، حيث تعرّضت لأكثر من مرّة للتنمر، خاصة من زملائها في الدراسة.

وتتزين فريال بـ"برسينغ" في أنفها ومجموعة من الأقراط في أذنيها، ورغم إطلالتها الجميلة فإن هناك من لم يعجبهم ذلك، حيث تقول إن أبرز الكلمات التي ظلت عالقة في ذهنها: "ما هذا التل "الحديد" الذي في أنفك؟ تبدين مثل الثور، كيف تقومين بتنظيف أنفك؟ ستصابين بالصدأ إذا نزلت عليك الأمطار".

وتؤكد فريال أنها تعرضت لحادثة غريبة نوعاً ما، عندما ذهبت للقيام بمحادثة عمل، حيث كانت الأمور عادية في البداية، وتجاوزت كل شي بنجاح، غير أنه في النهاية طلب منها صاحب المركز أن تنزع ما أسماه بـ"الخزعبلات"، في إشارة إلى الإكسسوارات التي ترتديها، وإلا فإنه لا مكان لها بين المجموعة.

"الوشم عار"

رغم أن الوشم في تونس يعتبر من التراث وظهر مع الأمازيغ، وهم الأقدم في تونس، وارتبط أساساً بالحكمة والجمال وله دلالات قوية ومتعددة، وهي عبارة عن رسائل تحاكي جمال الطبيعة، وقد زيّنت به النساء وجوههن وأجسادهن بكثافة، كما وضعه الرجال أيضاً بشكل أقل بالمقارنة مع النساء، إلا أنه اليوم أصبح ينظر إليه على أنه "رمز للتسيب والعربدة".

وكان الوشم الرجالي، خاصة في التسعينيات مرتبطاً بخريجي السجون والبلطجية، الذين كانوا يريدون من خلاله بعث رسائل على أنهم أقوياء وشجعان، حيث يرسمون على أجسادهم رأس أسد، ذئب، أفعى أو نسر، كما يخطون بالحبر الأزرق أسماء حبيباتهم لإثبات مدى التعلق بهن.

هذه الصورة السلبية ظلت راسخة في أذهان الجميع، رغم التطور الحاصل على المستوى العالمي، من خلال إقبال عدد من نجوم الفن والرياضة على الوشم الذي تحول إلى أداة للتجميل.

يقول وليد، يعمل كحارس في ملهى ليلي، ويحمل وشوماً في مختلف أنحاء جسده، لرصيف22: "الناس ينظرون إليّ وكأني بلطجي، وأفهم ذلك من خلال نظرات البعض، وحتى خلال التقدم لوظيفة أو الذهاب لقضاء بعض الشؤون في الإدارات والمؤسسات".

محمد النابلي (27 عاماً)، موظف وناشط في المجتمع المدني، يشدد على أن الاهتمام بالمظهر الخارجي والرغبة الملحّة في التغيير شيء إيجابي، يؤثر صداه مباشرة على الحالة النفسية للبشر، كما يؤثر على علاقاته ومن ثم حياته وعمله، فكلما يكون المظهر جميلاً، يكون الشخص محل ترحيب وإعجاب من الآخرين، لكن "يجب ألا يتجاوز الفرد حدوده".

"ما هذا التل (الحديد) الذي في أنفك؟ تبدين مثل الثور، كيف تقومين بتنظيف أنفك؟ ستصابين بالصدأ إذا نزلت عليك الأمطار" تسمع سلمى كثيرا هذه السخرية، ولكنها تزداد إصرارا، على إظهار وجهها كما تشعر به، وتحبه

يحذّر النابلي من تطور ظاهرة الوشم التي قد تقضي على أحلام بعض الشباب فيما يتعلق بالجانب العملي، حيث يتم رفض الوشوم في انتدابات سلك الأمن الوطني والجيش، وحتى في الوظائف الأخرى، في حال كان الوشم ظاهراً للعيان.

أثّر اختلاف مظهر مروان على علاقته بالناس، فتعلق بأصدقائه أكثر من العائلة، لأنهم يشعرون به، ويشجعونه على كل شيء، حيث لا توجد عندهم النظرة السلبية، خاصة في نمط الحياة الذي استمر عند البعض رهينة العادات والتقاليد، بحسب مروان.

"جسدي حر"

يعاني "مختلفو الشكل" أيضاً من الاستثناء من العمل في الوظيفة العمومية، نظراً للقوانين الصارمة التي تفرضها المؤسسات من أجل الانصياع للتراتيب والإجراءات المنظمة لسير العمل، ومنها المتعلقة بلباس وهندام العاملين فيه، وذلك من أجل الحفاظ على هيبة المؤسسة.

ورغم ذلك، تؤكد سلمى أنها لن تتراجع عن الطريق التي سلكتها، وستحافظ على مظهرها كما هو، ولن تنصاع لما يمليه روتين الحياة والتشبث بالانضباط الذي يفرض قيوداً، حسب تعبيرها.

وترى سلمى أن الحرية لا يمكن أن يتم حصرها في التعبير فقط، فأيضاً حرية الجسد واللباس لهما دور كبير في إبراز مدى انفتاح بعض الدول، ومدى قدرتها على بعث رسائل إيجابية عن نفسها، لدول وشعوب أخرى.

ويرى البعض الآخر أن الحدّ من حرية اللباس يعتبر ضرباً للحقوق الشخصية للفرد التي يضمنها الدستور، وفي هذا الإطار هناك من يرى أن اللباس يندرج ضمن الحريات الفردية والحياة الخاصة، وبالتالي فان الدولة مطالبة بحمايته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard