مصارعُ ابن أبي كبشة... لا قبر لـ"موهميت" في المتخيل الأوروبي

الاثنين 3 أغسطس 202012:43 م

مقدّمة لدرء الشبهات

تمتلك سيرة النبي محمد خصوصية في التاريخ الإسلامي، العديد من المصنفات تتناولها، وتضيء كل واحدة منها على جانب من جوانب حياة نبي العرب، في ذات الوقت، هذه السيرة تختلف في المتخيلات الأوروبية، تلك التي رأت في محمد بن عبد الله مجرّد نبي مدع وقائد عسكري يبطش بأعدائه. هذه السير أو الأخبار، ترتبط بالشرط السياسي والديني في كل فترة ظهرت فيها نصوص تتناول سيرة محمد بن عبد الله، لكن المشترك بين السير الأوروبية وتلك الإسلامية هي الاختلاف على موت النبي، التفاصيل الدقيقة المحيطة بوفاته ودفنه.

ما سنحاول القيام به هو تناول الحكايات الأوروبية والاستشراقية التي تتناول سيرة "موهميت"، الاسم الذي كان يطلق على النبي محمد في تراث العصور الوسطى، والذي يشير الباحث جون تولان، صاحب كتاب "موهميت الأوروبي" إليه كشخصية متخيّلة بشكل كامل من قبل الأوروبيين، الذين اختلفت صورة النبي محمد بالنسبة لهم، فهو نبي كاذب تارة، وقائد بارع تارة أخرى، ولاحقاً مبشر بالتنوير.

تتبعنا سيرة هذا الـ"موهميت" الوهمي الذي بنته المسيحية المبكّرة ومخيلة العصور الوسطى، عبر رصد العناصر الحكائية المرتبطة بحياته في كل فترة، ثم وفاته التي تظهر في المخيلة الأوروبية بصورة غروتيسكية، ومتأثرة بالأشكال السردية والأحداث السياسية في كل حقبة، خصوصاً أن هناك تمثيلات بصرية ترتبط بـ"موهميت" وسيرته العجائبية.

نقارن بين قصص موهميت الذي بنته المسيحية المبكرة والعصور الوسطى وسيرة ابن أبي كبشة في النصوص العربية الضعيفة والمكذوبة

ما قمنا بتلفيقه أيضاً هو مقارنة بين بعض النصوص العربية مع تلك الأوروبية، خصوصاً تلك التي تتشابه فيها بعض العناصر، والأشدّ إمعاناً في الانتحال ومقاربة لوحدة السرد، هو الاعتماد على بعض الأحاديث والحكايات العربية الضعيفة والمكذوبة، التي تشير إلى "ابن أبي كبشة"، وهو لقب يشكّك بنسبه للنبي سيشرح لاحقاً، استخدمناه هنا في إشارة واضحة إلى أننا نعتمد على ما هو ضعيف فقط، ولا يمت للـ"صحيح" بِصلة.

أول الأثر

يُقال إن إبراهيمياً يعيش في قيساريّة، أرسل إلى أخيه جوستوس المقيم في قرطاج، رسالة مكتوبة باليونانية عام 634 م، يُخبره فيها أن قائداً عسكرياً ظهر بين الساراسين  (Saracen: الاسم الذي كان يطلق على العرب حينها)، وتمكن مع جيشه من الانتصار في معركة غزة ضد البيزنطيين. هذا القائد يدّعي أنه نبي أيضاً، لكن بالرغم من النصر الذي حققه ليس إلا نبياً كاذباً من وجهة نظر الإبراهيمي، السبب أن "لا نبي يدعو بالسيف والرمح، ولا نبي يقتل الناس، كما أن ادّعاءه امتلاك مفاتيح الجنّة أمر سخيف ولا يصدق".

فيما تُظهر الرسائل اليونانية أن قائداً عسكرياً ظهر بين العرب وهزم البيزنطيين في معركة غزة وادعى النبوة "كذباً" لأنه "لا نبي يدعو بالسيف ويقتل الناس"، تُذكر لابن أبي كبشة في المصادر العربية معجزات أسرت قومه، فكان يخاطب الطير ويفهم عليها ما تنقل من تعاليم السماء، ويتقن فن إحياء الموتى

يُذكر موهميت في رسالة أخرى مكتوبة بالسرياننية تعود إلى عام 640 م، مكتوبة في رأس العين شمال سوريّة، بيد توماس البيرسابورطي، المؤرخ والراهب اليعقوبي، تشير إلى انتصار هذا القائد في ذات المعركة دون الإشارة إلى نبوته.

المقارنة مع المصادر العربية تشير إلى أن هذا القائد العسكري، والنبي المتهم بالزيف، قد يكون ذاته ابن أبي كبشة. وأبو كبشة هذا، خالف قريش في معتقداتها، إذ دعا إلى عبادة الشّعرى، النجم المضيء الذي يظهر حين تشتدّ الشمس، والذي يُقال إنها كانت زوجاً لسهيل، فانحدر سهيل جنوب جزيرة العرب فأصبح يمانياً، أما هي، أي الشعرى، فعبرت المجرة وفقدت أخاها (أو زوجها كما في روايات أخرى)، فبكته حتى احمرّت عينها.

ابن أبي كبشة، الذي ضاع نسبه حسب البعض، كان ذا معجزات أسرت قومه، إذ يُذكر من قبل مكذّبيه أنه كان قارئاً نهماً وضليعاً في علوم الكتابة، وكان يخاطب الطير ويفهم عليها ما تنقل من تعاليم السماء، وكُتب في وصف إحدى معجزاته شعر ملحميّ يعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي، نقرأ منه:

واجتمع الناس حوله، فحطت على كتفيه حمامتان،

بيضاوتان بلون الحليب، تقتاتان على البذار من أذنيه،

أقسم حينها، أنهما مرسلتان من السماء لزيارته،

وإنبائه، وإثبات أنه نبي يحمل حكمة السماء.

ما يلفت النظر أن الحمام هنا ينطق بالحكمة، وفي حكايات لافونتين الذي عاش في القرن السابع عشر، نقرأ عن حمامتين غادرت أحداهما لاكتشاف العالم ومعرفة أخباره، وتعرضت لأشدّ أنواع العداوة، ثم عادت مكسورة الجناح إلى عشها، لكن لافونتين نفسه، يقول إنه استوحى الحكاية من كتاب بيدبا الشهير "بنجاتنترا"، ليس من النسخة الهندية بل من ترجمتها الفارسية، وفيها أغرق البحر بيوض الحمامتين، وربما رحلتا حزناً وحداداً، حكمة الفقدان والرحيل واحدة من خصائصهما. يتشابه الأمر بخصوص الحمامتين حين نقرأ في كتاب الحيوان للجاحظ، عن خصائص الحمام الذي يتصف "بحسن الاهتداء، وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ... وقوة النزاع إلى أربابه والإلف لوطنه... وهو يستدل بالعقل والمعرفة والفكرة والعناية".

الطير تهمس في أذن موهميت

يذكر لاحقاً أن أخبار السماء كانت تأتي إلى ابن أبي كبشة أيضاً على لسان عقاب، ونقرأ في "الحيوان"، أن العُقب والنسور صنّفت مع السباع، لأنّها تأكل اللحم، وكأن في ذلك نبوءة من نوع ما تشير إلى مصرع ابن أبي كبشة، الذي تظهر الحيوانات في حكاياته وكأنّها تلقن البشر بكلام سرّي يحوي الحكمة، تلك التي لا يدركها، حسب مقدمة "كليلة ودمنة" لابن المقفع، سوى قلة قليلة، لا يفصحون عنها بأكملها لأن لا أحد سواهم يدركها.

معجزات ابن أبي كبشة ترتبط دوماً بالحيوانات وحضورها بجانبه، إذ قيل إن الملل اعترى المستمعين إليه في إحدى الجلسات، ففطن إلى ذلك، ثم فجأة ظهر ثور بين الناس شق جمعهم، واتجه نحو ابن أبي كبشة. بين قرني هذا الثور لفافة تحوي نصاً مقدساً قادماً من السماء. ويقال أيضاً إن من كانوا حوله مرة راودهم الجوع، فأمرهم بأن يحفروا في الأرض تحتهم، ليجدو فيها جرّة عسل وأخرى تحوي حليباً.

الثور يأتي بكتاب لموهميت

المثير للاهتمام أن "الثور" حامل العالم وما فيه من أسرار، متكرر في التراث الشرقيّ، فهو بهموت (أو باهاموت) الذي يحمل الأرض وما عليها بين قرونه الأربعين ألف، وربما هو ذاته شتربة، الثور الطامع بالسلطة والذي انتهى به الأمر مدفوناً وهو حيّ. لكن تمتد الحكاية ونقرأ أن ابن أبي كبشة تعلّم من والده، أبي كبشة، فنّ إحياء الموتى، إذ قام أبي كبشة بقتل ثور، ثم إحيائه أمام ابنه، وربما الثور السابق هو ذاته الذي جاءه بين قومه، عاد من الموت حاملاً حكمة ما وراء الحياة، هذه الحادثة لا تفسر لقب والده "أبي كبشة"، إذ ذكر كبشة اسم مرتجل، حسب تعبير ابن جنّي في لسان العرب، و هو لا يدلّ على مؤنث الكبش.

حدثت المعجزة الأشهر لابن أبي كبشة بعد موته، إذ دُفن حسب أقوال من حوله في تابوت من حديد، ولقدسيّة جسده ووعده من حوله بأنه سيبعث من الموت، لم يدخل التابوت في التراب أثناء الدفن، بل ارتفع وطاف فوق الأرض، ومازال معلقاً إلى الآن في الهواء، وكأن أبدان الأنبياء لا يمسّها التراب. الأهم، أن هذا التابوت الحديديّ الثقيل معلق بين الأرض والسماء بإرادة عُلويّة. وتقول الحكاية إن على أعداء ابن أبي كبشة أن يدمروا هذا "التابوت الطافي" كي ينهار الإيمان به، خصوصاً أن من حوله تركوه بداية حين رحل عن عالمنا انتظاراً لبعثه من جديد، لكن الإرادة الإلهية، أو ربما الادعاء الكاذب، تركته معلقاً بين السماء والأرض، كونه كذب على أصحابه وادّعى ما لا يصحّ، ألا وهو البعث، وكأنّه لن يموت كلياً ولن يُبعث كلياً.

مصارع ابن أبي كبشة

وفاة ابن أبي كبشة أشدّ إشكالية من حياته، حكاية التابوت الطائر ليست إلا نسخة ظهرت مع بداية الحروب الصليبية، لكن النسخ المختلفة جعلت من هذا النبي كائناً دنساً حتى التراب نفسه يلفظه، الأهم أنه يُقتل دوماً، يلقى مصرعه علناً ويترك جسده عبرة.

المصرع الأول يرتبط بالحالة الذهنية لابن أبي كبشة، إذ يقال إنه يُعاقر المُدام، ويصاب بنوبات صرع تتركه طريح الأرض، ويقال إن واحدة من النوبات راودته وهو في الغابة، فسقط على الأرض في حفرة روث، وأتت الكلاب والخنازير لتقتات على جسده، وفي حكاية أخرى، التهمه خنزيران، أمسك كل واحد منهما بواحدة من يديه والتهماها بشكل متسق.

الحكاية الثانية تقول إنه حاول أن يغوي امرأة يهودية، ولأنه قائد عسكريّ ذو شأن بين من حوله، لم تتجرأ على ردّه، فدعته إلى منزلها سراً، وحين وصل إلى منزلها ليلاً، كانت قد نصبت له كميناً مع أسرتها، فقطّعوه إلى قطع صغيرة وأطعموه للخنازير، عدا قدمه اليسرى.

لكن لليهوديّة حكاية أخرى، إذ تقول حين سأل القوم عنه، أنها وبينما كانت نائمة على السرير بجانبه، جاءت الملائكة وحملته من يده، وهي كما أمرها مسكته من قدمه اليسرى، فرفعته الملائكة إلى الأعلى، وهي تشد للأسفل، لكن الملائكة أقوى وأكثر عدداً، فسحبوه بأكمله وتركوا لها قدمه، فلفتها بقماش ثمين وقدمتها لهم كي يدفنوها، ويقال إن هذه القدم موجودة في النعش الحديديّ الطائر.

الحكاية الثالثة تقول إن ابن أبي كبشة اغتيل من قبل أصحابه، الذين تيقنوا من كذبه وادّعائه، وتركوه مسجّى إلى أن جاءت الوحوش والتهمت جثته، أما التابوت الحديدي ففارغ لا يحوي شيء، وهناك حجر مغناطيسي موضوع أسفله يبقيه طافياً، هذه الخدعة وظّفها من هم حوله كي يحافظوا على إيمان الناس به.

ضد الدفن: "قدم/ يد" ابن أبي كبشة

الملاحظ في الحكايات الثلاث أن جسد ابن أبي كبشة محط صراع دوماً بين السماوي والأرضي، إذ لم يدفن في الحكايات الثلاث، بل تمّ التهامه، بغض النظر عن سبب الموت، لكن جسده لم يدخل التراب، وكأنه دنس في دنس، مصيره بطون الوحوش.

نعش موهميت الطائر

لمصرع ابن أبي كبشة، النبي الكاذب في المتخيل الأوروبي، حكايات ثلاث تكشف أن جسده محط صراع دوماً بين السماوي والأرضي، إذ لم يدفن في الحكايات الثلاث، ولم يدخل جسده التراب

المثير للاهتمام أيضاً أنه دوماً على تماس مع أفواه الحيوانات، وكأنها تهمس له أو تخبره بالحكمة، لكنها دوماً على وشك التهامه، لكن هذه الكلمات التي ظنها حكمة السماء حسب المتخيل الأوروبي، لا نسمعه ينطق بها ولا تشير الحكايات إلى ما يقوله، هناك فقط علامات على أن هناك من يهمس له، وحكاية عن وحش أسطوري يأتيه بالبيان المكتوب، وحش ربما مات سابقاً وبعث، مر برحلة لم يشهدها أبن أبي كبشة نفسه، وربما هذا ما يفسّر اتهامه بالسُكْر أو الصرع، وهو شدّة ما يتلقاه من معارف على جسده.

تُرك من جسد ابن أبي كبشة جزء واحد، لم يتلاش أو يُلتهم، القصة الأولى تقول أن قدمه اليسرى هي التي تركت ضمن وصف اليهوديّة لحادثة موته، يبدو الأمر مشابهاً لحكاية أخيل، أضعف نقطة في الجسد الأسطوري بقيت مكشوفة، بل ومقدسة، في سخرية عميقة من أتباع هذا الدّعي، الذين يرون في أضعف جزء فيه محطّاً للإيمان، لكن حين المقارنة مع الحكاية الثانية يختلف التلفيق، إذ بقيت يده اليسرى بعد أن التهمت الخنازير جسده في الغابة، هنا يمكن النظر إلى هذه الأشلاء التي بقيت بعد الالتهام كعلامات على سذاجة أولئك المؤمنين به الذين رأوا فيه إلهاً حسب بعض الحكايات. كل جزء منه مقدّس، ليأتي مفهوم الالتهام من قبل الخنازير كإيمان ضمني من مبتدعي هذه المصارع بضرورة اختفاء جسد ابن أبي كبشة، ونفيه من الأرض والسماء بسبب الخطر الذي يشكّله.

هناك صيغة غروتيسك في التعامل مع جثة ابن أبي كبشة، تنتمي لمخيّلة العصور الوسطى، تحمل فيها الحيوانات الحكمة الوحشية، التي تسخر من الجدّي وتقدم رؤيتها الفكاهية والدونية، تلك التي يمتزج فيها التراب مع الدماء والروث والأشلاء، صيغة خصبة لولادة جديدة، تشكل تهديداً للشكل القائم والقيم التي يحملها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard