صراع قارئ القرآن الشهير مع إخوان الكويت يُثير الجدل… خلاف فكري أم أجندة خارجية؟

الخميس 9 يوليو 202007:54 م

عُرف الكويتي مشاري راشد العفاسي على صعيد المنطقة بتلاوته للقرآن، لكن في الوقت الحالي أصبح من المشاهير في الهجوم على جماعة الإخوان المسلمين، حتى ذهب إلى التأكيد على عدم وجود تعددية حزبية في الإسلام. 

بينما يرى كثيرون في الكويت والوطن العربي أن العفاسي يخوض حرباً فكرية واجبة ضد جماعة الإخوان التي يصفونها بالمتطرفة، يطالبه آخرون بالابتعاد عن الصراع السياسي في البلاد، على اعتبار أن رجل دين مؤثر مثله يجمع خلفه كافة الأطياف السياسية لا يصلح أن يكون على خصومة مع أي طرف.

في 4 تموز/يوليو الجاري، خاطب الباحث سعيد توفيقي العفاسي قائلاً: "هل يعرف مشاري أنه حين كان يؤمنا في المسجد كان الذين يصلون وراءه من كل المذاهب الإسلامية الأربعة ومن كل التيارات السياسية"، مضيفاً "اليوم يا شيخ يا مشاري... أنت إمام… خصم لأكثرهم… صرت سياسي".

وبدأت حسابات معارضة لأبو ظبي باتهام العفاسي بأنه تم تجنيده من قبل الإمارات، كما زعمت أنه أوكل بتجنيد شخصيات أخرى لصالح الإماراتيين.

ويعد مشاري بن راشد العفاسي المطيري، المولود عام 1976 في الكويت، أحد أشهر قرّاء القرآن عربياً في الوقت المعاصر. درس في السعودية بكلية "القرآن الكريم والدراسات الإسلامية" التي تضم عدداً من رجال الدين المحسوبين على التيار الوهابي. بعد ذلك، اتجه إلى الإنشاد الديني، وله عدد من الألبومات منها "ليس الغريب" و"حنيني" و"قلبي الصغير" و"ذكريات"...

اصطفاف العفاسي

عند تصفح حساب العفاسي، بات ممكناً إيجاد تغريدات عدة تستهدف الإخوان عموماً، والتيار الإسلامي في الكويت بشكل خاص.

وكان العفاسي ضمن عدد من المدونيين الذين هاجموا الإخوان على خلفية التسريبات التي تم نشرها مؤخراً لشخصيات كويتية محسوبة على التنظيم كانت تتحدث مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي حول نشر الفوضى في الخليج.

وقال العفاسي في تغريدة له: "طعنوا في مشايخنا وقالوا علماء سلطان مأجورون يلعقون الأحذية، وإذا بهم يفعلون هذا كله في خيمة"، في إشارة إلى خيمة القذافي التي تم فيها تسجيل الحديث.

وقال في تغريدة أخرى عن التسريبات: "المخططات قديمة وتاريخية، وجديدة مستمرة... فلا تقفوا عند القديم منها ‘بعد كشفها‘، وانتبهوا لما هو جديد!".

في 27 حزيران/يونيو، رد في تغريدة على مدون استغرب معاداة الإخوان أكثر من اليهود، قائلاً إن ضررهم على الإسلام قد يكون أكبر من ضرر اليهود والنصارى، ومشيراً إلى أن الشيخ الألباني كان قد قال ذلك أيضاً.

كان مشاري العفاسي ضمن من هاجموا الإخوان على خلفية التسريبات حول شخصيات كويتية محسوبة على التنظيم نسقت مع القذافي لنشر الفوضى في الخليج... آراء رجل الدين السياسية أثارت التساؤلات حول علاقته بالإمارات والتنسيق للضغط على إخوان الكويت

واتهم في مقطع فيديو، نشره في تغريدة على حسابه، الإخوان بإنفاق الزكاة على الحملات الانتخابية، كما اتهم من يجمعون الأموال المخصصة لمساعدة الصومال بشراء بضائع من تركيا، ثم إرسالها إلى مقديشو، وبذلك يساعدون أنقرة اقتصادياً.

في تغريدة أخرى، أجاب على تساؤل بعض المدونين، قائلاً: "لماذا أتكلم عن الإخوان دون غيرهم؟ لأن النبي قال عن الخوارج إنهم ′شر الخلق والخليقة′". 

بموازاة ذلك، يُروّج العفاسي لفكرة عدم التعددية الحزبية في الإسلام، إذ يقول إن "فكرة الأحزاب متعذرة في الإسلام ولا تصلح البتة"، مستدلاً على ذلك بآيات قرآنية منها في سورة الأنبياء: "إن هذه أمتكم أمة واحدة".

ويعيد العفاسي من وقت إلى آخر نشر تغريدات لمدونين سعوديين منهم عبد اللطيف بن عبدالله آل الشيخ الذي قاد مؤخراً حملة التشهير ضد إعلاميتين في قناة الجزيرة، أو من حسابات سعودية تضع صورة سعود القحطاني المتهم بالمشاركة في قتل الصحافي جمال خاشقجي.

ويتمتع العفاسي بعلاقة صداقة مع العائلة الحاكمة في الإمارات، إذ يحضر ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد محاضرات للعفاسي يعقدها في أبو ظبي منذ عام 2012.

وكان العفاسي قد أعلن عن تضامنه مع وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد، بعدما أعاد نشر تغريدة تتهم العثمانيين بسلب ممتلكات أهالي المدينة المنورة، وتهجيرهم إلى أوروبا، على يد القائد العثماني فخر الدين باشا، بين عامي 1916 و1919.

وفي عام 2017، نشر العفاسي صورة تجمعه بعبد الله بن زايد وعلق عليها: "الشيخ الصديق عبدالله بن زايد... اللهم أعنه ولا تعن عليه".

خلاف فكري

يتساءل كثيرون عما إذا كان انغماس العفاسي في الصراع السياسي بين الإسلاميين وخصومهم ومعاداته لجماعة الإخوان المسلمين مجرد خلاف فكري أم اصطفاف في أحد المحاور.

يجيب الباحث الكويتي مبارك الجري قائلاً: "بشكل عام مثل هذه التغيرات لا تخرج عن إطار الصراع السياسي وسياقه التاريخي، وهذا التحول جزء من هذا الصراع".

وأضاف الباحث الكويتي في حديثه لرصيف22: "هناك انعكاسات على عدد من رجال الدين، والساسة، والإعلاميين، والكتاب، وأعتقد أن خطابات العفاسي وكتاباته مؤخراً تأثرت بانعكاسات هذا الصراع السياسي، حتى صار خصماً للإخوان وتوترت علاقته بهم".

وقال الجري إن العفاسي ليس سياسياً، بل هو قارئ، وما يكتبه الآن يعبر عن خطاب جديد يمكن اعتباره من مكونات أزمة الإخوان بشكل عام، بمعنى أن ضغوطات المرحلة أدخلت الشيخ في هذا الصراع كغيره من بعض المشايخ.

ولفت إلى أن صراع العفاسي مع الإخوان واضح ولا يمكن تفسيره خارج الخلاف الفكري كما ذكر العفاسي نفسه، ومع ذلك يفترض أن يكون خارج هذا الصراع لأن جمهوره متنوع فكرياً وسياسياً، فضلاً عن وضعه كقارئ.

ملاحقة الإخوان

بينما يتزايد الجدل حول موقف العفاسي، بدأت السلطات الكويتية في التحقيق مع النائب السابق مبارك الدويلة والداعية حاكم المطيري، المحسوبين على الإخوان، وذلك على خلفية التسريبات التي تم نشرها لهما مع القذافي.

بعد الجدل حول التسريبات التي طالت شخصيات إخوانية كويتية نسقت مع القذافي ضد دول خليجية، أتت تغريدات رجل الدين الكويتي الشهير مشاري العفاسي ضد الإخوان لتثير التساؤلات حول احتمالية خضوع السلطات الكويتية لضغط خارجي لملاحقة إخوان الكويت

في السياق ذاته، أعاد الأكاديمي الإسلامي عبدالله النفيسي التغريد مرة أخرى بتدوينة أثارت جدلاً بعد قوله: "اللَّهُم اكفني شرّهم واصرف عنّي أذاهم...". وتأتي تغريدة النفيسي بعدما نشر وزير الخارجية عبد الله بن زايد، مقطع فيديو النفيسي على حسابه في تويتر، يتضمن اتهامات للأخير بنشر الإرهاب وأنه من عناصر جماعة الإخوان المسلمين.

وحول احتمالية خضوع السلطات الكويتية لضغط خارجي لملاحقة إخوان الكويت، استبعد الباحث الكويتي أن تكون هذه التغريدات أو غيرها وسيلة للضغط على الحكومة في أزمة التسريبات، خاتماً بالقول إن خصوصية دولة الكويت الثقافية والسياسية والاجتماعية ترفض إقصاء أي مكون سياسي وطني، والقضاء هو صاحب الكلمة في التوتر الحاصل الآن.

وتعود نشأة جماعة الإخوان في الكويت إلى عام 1963 حينما تم تدشين جمعية باسم "الإصلاح الاجتماعي" لتكون نواة أول كيان إسلامي في البلاد، وتم اختيار عبد الله العلي المطوع كأول مراقب لها. وفي عام 1989، أعلن إخوان الكويت تأسيس "الحركة الدستورية" المعروفة باسم "حدس" كذراع سياسي للجماعة.

وظلّت جماعة الإخوان تعمل في المشهد السياسي الكويتي بموافقة السلطة، إلى أن توترت العلاقات بين الطرفين عام 2007 على خلفية تبادل الاتهامات بشراء الأصوات للوصول للبرلمان.

وساءت الأمور عام 2011، حينما حشدت الجماعة أعضاءها في تظاهرات غير مسبوقة للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء ناصر المحمد الصباح الذي تم اتهامه بتقديم رشاوى لعدد من نواب البرلمان.

وفي عام 2012، تم حل البرلمان الكويتي بعد انتخابه بأربعة أشهر، بسبب حصول الإخوان على الأغلبية في عدد المقاعد، وقد قاطع هؤلاء الانتخابات في الدورة التالية اعتراضاً على تدخل السلطة في المسار السياسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard