ليتورجيا "جنون" الحماصنة... أبناء المدينة الضاحكة الثائرة على كآبة عالمنا وحروبه

الاثنين 19 أكتوبر 202011:02 ص

"عندما اجتاح تيمورلنك بلاد الشام، كانت المدينة الوحيدة التي سَلِمت من أذاه هي حمص، لأن سكانها تظاهروا بالجنون في الشوارع وعلّقوا على رؤوسهم القباقيب وأخذوا يقرعون على الصحون النحاسية".

يروي الكاتب جورج كدر هذه القصة عن "جنون الحماصنة"، في كتابه "أدب النكتة/ بحث في جذور النكتة الحمصية/ حرب الأيدولوجيا الفكاهية وليتورجيا المجانين المندثرة"، الصادر عن "دار رسلان" عام 2009.

ويكمل كدر القصة بأن الحماصنة، عندما اقترب منهم خطر جيش تيمورلنك، أشاعوا أن مياه نهر العاصي تصيب كل مَن يشربها بالجنون. ويخبرنا أن هذه الأسباب هي ما دفعت بالجيش للمرور سريعاً بحمص دون غزوها، إذ هرب منها.

يُقال إن ذلك الحدث كان يوم أربعاء، وللأربعاء خصوصيته في حمص، لكثرة ما يُروى عن حصول مفارقات وطرائف فيه، وَسَمت المدينة وأهلها، حتى يومنا الحاضر.

حتى اليوم، يتندّر السوريون على أهل حمص بيومهم هذا، مطلقين النكات عليهم بصيغة محببة لطيفة، فكل شيء مسموح للحمصي فعله في هذا اليوم، على ما تقول الدعابة السورية الأشهر، فهو "أربعاء مجانين حمص".

يخبرنا كدر عن تعارض بين المرويات الشعبية والتاريخية أحياناً، فقصة جيش تيمورلنك أُسقطت بصيغ متقاربة على حملات التتار والصليبين وحتى العثمانيين، ولكل واحدة من هذه الأحداث قصة جنون ادعاها أهل المدينة.

ويقول في مقدمة كتابه إن النكتة تخضع لأدبيات وقواعد خاصة في "الأدب الضاحك"، لكن الصحيح من وجهة نظره أن الأمر يخضع لارتباط بجذر عميق في حياة الشعوب، "فيمكن القول إن المضحك والمبكي لا يغيّر إطاره العام، إنما تتغيّر آلية تلقيهما".

أربعاء حمص

تسود رواية أن "أصل قصة يوم الأربعاء أنه وخلال حرب علي (بن أبي طالب) ومعاوية (بن أبي سفيان)، كان قد أرسل عليٌّ رجلاً إلى بلاد الشام ليستطلع الأخبار، وحدث أن سُرِقَ جمله... ودخل إلى المدينة باحثاً عن الجمل، وإذ بالمؤذن يؤذن لصلاة الجمعة، وكان ذلك يوم أربعاء. وصل هذا الرجل إلى معاوية وسأله عن الأمر، فقال له: اذهب إلى مولاك وقل له سوف أحارب بقوم لا يفرّقون بين الناقة والبعير، ويصلّون الجمعة في أي يوم يريده الأمير".

طبعاً هذه قصة مثل قصص كثيرة لا دلائل تاريخية عليها تعجّ بها الكتب التراثية. وهنالك رواية شبيهة يعرضها كدر: "عندما أتى عامل معاوية عمرو بن العاص حاكم سوريا وبلاد الشام في تلك الفترة إلى حمص، بقصد تسيير الجنود إلى صِفّين مستحثاً أهلها في الإسراع إلى ساحة المعركة، صادف ذلك أن كان يوم أربعاء، فقال أحد الحماصنة باسم الجميع بقصد تأجيل المسير يوماً أو يومين: بإذن الله ننطلق معكم على بركة الله بعد صلاة الجمعة فنحن نحب هذه الصلاة وليس لنا رغبة في أن تفوتنا، فأجابهم عمرو فوراً: نقيمها لكم اليوم الأربعاء بدلاً من الجمعة، فأين الضرر في ذلك؟، فوافق الحمصيون بل واستحسنوا الأمر وأقاموا صلاة الجمعة يوم الأربعاء".

ينقل كدر هذه القصص التي تمكّن من جمعها خلال بحثه في أدب النكتة، وينقل أيضاً روايات شعبية يعتقد أن لها أساساً تاريخياً سليماً، تناقلها الأجداد والآباء، وبالضرورة خضعت للتحوير من قبل "الذاكرة الشعبية"، كغزوة أخرى كان يحضّر لها أهل الحمص، ولكنهم طلبواً من قائدهم وكانوا في يوم الأربعاء انتظار يوم الجمعة ليصلوا ثم يتجهوا إلى حربهم، فأمرهم قائدهم بإقامة صلاة الجمعة يوم الأربعاء.

كل الأحداث بحسب القصص المتواترة حصلت في يوم الأربعاء، يوم الجنون.

خميسات حمص

رغم أن اسمها خميسات، وتشير إلى يوم الخميس، إلا أنها أعياد كان يُحتفل بها يوم الأربعاء، وهذه الخميسات هي أعياد الربيع التي لا زال أهل المدينة يحتفلون بواحد منها على الأقل:

ـ خميس الضايع أو خميس التايه. كان هذا الخميس يشير سابقاً إلى وجه الفجر المظلم، ويعني لدى أهل المدينة القلق وسوء الطالع والحيرة، ويعني أيضاً الضياع العقلي، فكانوا لا يخرجون من منازلهم في هذا اليوم لإيمانهم بأنه ثمة قوة شيطانية شريرة تسكن الهواء في تلك الليلة.

ـ خميس الشعنونة: والشعنونة هنا هي رمز لجنّية يُعتقَد أن قوتها الخفية تسيطر في هذا اليوم وتلعن أهل المدينة الذين يخرجون من مازلهم.

"علينا أن نعمل على أن تكون حمص عاصمة للضحك في كل العالم، فكم أصبحنا بحاجة لمدينة ضاحكة تثور على ما يسود عالمنا من كآبة وحروب"

خميس المجنونة: تلاشى الاحتفال بهذا العيد مع تقدم الزمن. كان أهل المدينة يعتقدون أنه إذا أتت سنة لا يمر فيها هذا اليوم، ستحلّ مصائب على المدينة. لذا فهو بعكس الخميسات السابقة، كان يشهد احتفالات عارمة حين حلوله.

خميس الحلاوة: لم يزل هذا الخميس يُحتفل به حتى يومنا الراهن في حمص، في الأربعاء الأخير من شهر نيسان/ أبريل من كل عام. يعتقد أهل حمص أن هذا العيد يحمي المدينة ويبعد عن أهلها شبح الموت، وذلك بعدما انقلب اسمه من خميس الأموات، إلى خميس الحلاوة.

الصراع السنّي الشيعي

ينقل كدر عن المؤرخ الألماني فرانتس آلتهايم، عن كتابه "إله الشمس الحمصي"، أن "حمص تُعَدّ من أكثر المدن السورية تعصباً دينياً في الماضي والحاضر"، ويضيف كدر أن الباحث فراس السواح يختلف مع الألماني ويسأل: "لا ندري كيف كوّن المؤلف فكرته عن أهل حمص، ذلك أن شخصية الحمصي كما يعرف الجميع تتصف بالانفتاح والسماحة والطابع الشمولي، وهو لا يتعصب حتى لمدينته ذاتها".

لكن كدر يرى أنه ورغم ما اتصفت به حمص من انفتاح إلا أنها كانت مركز تجاذبات وصراع للعصبيات الدينية/ السياسية، ويضيف: "أهل حمص كانوا من أشد الناس على علي بصِفّين خلال حربه مع معاوية، وأكثرهم تحريضاً عليه وجَدَّاً في حربه". ينقل ذلك عن القزويني في "آثار البلاد وأخبار العباد"، وياقوت الحموي في "معجم البلدان".

وبعد اندثار الدولة الأموية، وتفكك الشيعة في العراق، والهجرة الهمدانية التي نتجت عن تشتت شيعة العراق وتوجههم نحو الشام، صار أهل حمص من غلاة الشيعة. يقول كدر إن هذا التحوّل مرتبط بالهجرة المذكورة سابقاً، إضافة إلى الضغط الذي مارسه العباسيون في تشويه الأمويين، ما سمح بانتشار تعاليم العلويين.

ويضيف نقلاً عن دائرة المعارف لبطرس البستاني أن أهل حمص أطاعوا مذهب القرامطة لأنهم شيعة، ثم انحازوا إلى الفاطميين منذ أول ظهورهم، وقبل كل هذا كان أهل حمص مسيحيون، وقبلها أدانوا بعبادة إله الشمس، في عصر الإمبراطورية الرومانية. جرى ذلك قبل تحوّل أغلبية أهل المدينة إلى المذهب السنّي.

في الأدب العربي

يروي كدر أن أبرز العوامل التي أدّت إلى استمرار التندر على أهل حمص هو مساندة الأدب لذلك، بعد أن قام العديد من الأدباء والرحالة بجمع طرائفهم. ويذكر أن تصنيف ابن الجوزي للحمصيين بـ"أكثر المغفلين والحمقى على الإطلاق"، في كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين"، كان له دور واضح في لصق هذه السمات بأهل المدينة، وكذلك ما أورده ابن بطوطة وياقوت الحموي وابن العبري في كتابه "نوادر مضحكة" والأشبهيني في كتابه "المستطرف في كل فن مستظرف" عن جنون أهل المدينة.

يروي المسعودي في "مروج الذهب" حادثة حصلت بين الخليفة هشام بن عبد الملك ورجل من أهل حمص جاء فيها "أن رجلاً من أهل حمص مرّ على الخليفة وهو راكب على فرس كبير طرف العين (بإحدى عينيه حول) نفور (مكروه الركوب لحولته)، فبادره الخليفة بالقول: ما حملك يا حمصي على ركب فرس نفور، فأجابه ما هو بنفور ولكنه أبصر حولتك فظن أنها عين غزوان البيطار: فقال له الخليفة: ألا لعنة الله عليك وعلى فرسك".

أبرز العوامل التي أدّت إلى استمرار التندر على أهل مدينة حمص هو مساندة الأدب لذلك، بعد أن قام العديد من الأدباء والرحالة بجمع طرائفهم، وكان لتصنيف ابن الجوزي للحمصيين بـ"أكثر المغفلين والحمقى" دور واضح في لصق هذه السمات بأهل المدينة

وغزوان البيطار هو مسيحي حمصي يشبه الخليفة هشام بن عبد الملك في حولته. وبذلك يكون الحمصي قد هزأ من الخليفة دون أن يتمكن الأخير من الرد لاعتقاده بأن الحمصي مجنون وحاله كحاله العديد من أهل مدينته، فلا قصاص للمجانين.

عاصمة الضحك

في متن كتابه، يدعو كدر إلى إقامة مهرجان عالمي للفكاهة في حمص، تماشياً مع ما دعا إليه "بوعلي ياسين"، وهو مفكر وناقد سوري، في كتابه "الحد بين الهزل والجد".

يقول كدر: "علينا أن نعمل على أن تكون حمص عاصمة للضحك في كل العالم، فكم أصبحنا بحاجة لمدينة ضاحكة تثور على ما يسود عالمنا من كآبة وحروب"، مستنداً إلى ما ورد في موسوعة الأدب الضاحك لعلي مروة عن خفة ظل أهل المدينة وطرافتهم.

بالكاد تجد أحداً في المدينة لا يضحك حين تذكر يوم الأربعاء له. الأمر طريف للغاية بالنسبة إليهم. فهذا اليوم سمة خاصة بالمدينة ولا تحمل الإشارة إليه إهانة لأهلها، بقدر ما تحمل روح النكتة، ومن الشائع في سوريا أن يقول الحاضرون، إذا ما ارتكب حمصيٌّ أمر ما: "عادي. حمصي واليوم أربعاء".

سام سليمان وهو موظف حكومي يعتقد أن الأمر ليس مزعجاً على الإطلاق، فهو يأتي في سياق المرح وتكريس الطرافة. ويقول لرصيف22: "الأمر لم يشهد يوماً إهانة واضحة لسلوك أهل المدينة أو عقائدهم، بقدر ما هو أمر مميز لمدينة كادت تكون عاصمة للضحك لولا الحرب".

أما غيداء وهي مديرة مدرسة في حمص فتعتقد أن الأمر في إطار المقبول طالما أن الطرفة لا تتعدى حدود الأدب والمنطق، وتقول لرصيف22: "حين أذهب إلى دمشق أو سواها وأجالس أصدقائي، يقضون نصف الجلسة وهم يخبرونني نكاتاً عن الحمصيين، ونضحك مطولاً. جيد أن ترى نفسك مميزاً بوصفك حمصياً".

في الحرب

تبدّلت حمص كثيراً. كانت تُعرف بالطرافة، ويطلق عليها في البلاد لقب "أم الفقير". بعد عام 2011، اشتعلت الحرب وحرقتها، وصار أكثر من ثلثيها دماراً وخراباً، حتى بات إلقاء النكتة ترفاً في غير مكانه.

المدينة اليوم منهكة بفعل الحرب التي فككت التواصل المجتمعي بين أبنائها، سواء بالموت أو بالهجرة أو بطرق أخرى، ورغم كل ذلك، تحاول تضميد نفسها لتلمّ شمل مَن فرّقتهم الحرب، وقضت داخلهم على النكتة والطيبة، محوّلة يوم الأربعاء إلى يوم بلا ضحكات، وكأن شبح ديك الجن الحمصي يحوم فوق المدينة معيداً أبياته الخالدة في رثائية زوجته التي قتلها غيرةً:

وأجلت سيفي في مجال خناقها/ ومدامعي تجري على خديها

فوحق نعليها وما وطئ الثرى/ شيءٌ أعز عليّ من نعليها

لكن بخلت على سواي بحسنها/ وأنفت من نظر العيون إليها

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard