السجناء في مصر... التواصل مع الخارج ممنوع بأمر من السلطة

الأربعاء 8 يوليو 202005:51 م

خلال الفترة القليلة الماضية، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بصورة أستاذة الرياضيات في كلية العلوم ليلى سويف، زوجة المحامي والحقوقي الراحل أحمد سيف، ونجلتيها الناشطة الحقوقية منى سيف وسناء سيف، قبل أن يتم القبض على الثانية، وهم أمام سجن طرة. انتظروا لمدة 48 ساعة متواصلة ولم يكن لديهم سوى طلب بسيط: "عايزين جواب من علاء".

أشهر طويلة مرّت على الناشط السياسي والمدوّن علاء عبد الفتاح وهو في محبسه بدون أي تواصل بينه وبين أسرته. استشاطت الأسرة غضباً من منع المراسلات دون مبررات، بعد قرار تعليق زيارات السجناء في منتصف آذار/ مارس الماضي، تزامناً مع مع الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الحكومة المصرية في مواجهة تفشي وباء كورونا.

ولأنهم طالبوا برسالة من علاء تطمئنهم على أحواله، تعرّضت عائلة سيف للضرب والسحل والمطاردة أمام سجن طرة، وانتشرت صورهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، صور جسّدت معاناة الكثيرين من الأهالي الذين يعيشون على أمل الاطمئنان على ذويهم داخل السجون المصرية.

ورغم رفع الحكومة المصرية للإجراءات الاحترازية، والبدء في عودة الحياة إلى طبيعتها من جديد، إلا أن زيارة المسجونين ما زالت معلّقة. حتى المراسلات المكتوبة صارت، بأمر "السلطات"، غير متاحة للجميع.

"هو البريد باظ ولا إيه؟"

بعد القبض عليها في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، اعتادت أن ترسل "جوابات" إلى والدتها ونجلها تطمئنهم فيها عن صحتها وتحكي لهم بعض أخبارها. لكن أخبار الصحافية الشابة سولافة مجدي انقطعت منذ قرار تعليق زيارات السجون.

في فيديو انتشر عبر فيسبوك، أطل نجلها الوحيد خالد حسام، ابن السبع سنوات، ليتحدث عن حنينه إلى أمه الغائبة، "المسافرة في رحلة عمل"، حسبما أخبرته جدته. قال لها: "بقالك كتير مش بتبعتي رسايل، هو البريد باظ ولا إيه؟".



ترددت والدة سلافة على سجن القناطر للسيدات كثيراً، على أمل أن تستلم من نجلتها جواباً يريح قلبها، لكن الأمر كان ينتهي بتسليم الحرس ما معها من "طعام واحتياجات"، وعودتها خائبة دون أي خبر عن ابنتها.

أكثر من ثلاثة أشهر مرّت ولا أحد يعرف عنها أي شيء، سواء الأسرة أو المحامين أيضاً، يقول محاميها نبية الجندي.

ويضيف لرصيف22 أن الأمر ليس له معايير محددة، وبالرغم من أن هناك سجناء آخرين يستطيعون تسليم ذويهم رسائل تطمئنهم عنهم، هناك آخرون ممنعون من إخراج أية مرسلات من داخل السجن، منذ قرار تعليق الزيارات.

"الأمر ليس له علاقة بقرارات إدارة السجون المصرية"، يتابع، "لكنه في الأغلب قرار من جهاز الأمن الوطني الذي يبيح الأمر للبعض ويحجبه عن آخرين، بالرغم من أن لائحة السجون المصرية تعطي المسجون حق إخراج مراسلات".

تقدّمت والدة سولافة بأكثر من بلاغ كان آخرها خلال شهر حزيران/ يونيو الماضي على أمل أن يُستجاب لأي منهما، "لكن دون جدوى"، يروي المحامي.

وألقي القبض على سولافة مجدي، وهي في العقد الثالث من عمرها، ومعها زوجها المصور الصحافي حسام الصياد أثناء تواجدهما في أحد مقاهي منطقة الدقي، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، واحتُجزا على ذمة القضية 448 بتهمة نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية.

"دون مراسلات... دون طمأنة"

"مش عايزة بس غير إني أتطمن عليه". بهذه الجملة، بدأت إيمان محروس، زوجة الصحافي أحمد سبيع المحتجز في سجن "شديد الحراسة 2" حديثها عن ظروف احتجاز زوجها وعدم لسماح بوصول أي مراسلات منه إلى أسرته.

منذ بداية آذار/ مارس الماضي، لم تعرف إيمان عن زوجها أي شيء، وخصوصاً أن ظروف القبض عليه تزامنت مع إجراءات مواجهة كورونا. وزاد الأمر تعقيداً تعليق الزيارات التي كان يشتكي الأهالي من قلتها أصلاً، وخصوصاً في سجن العقرب "شديد الحراسة 1"، وسجن "شديد الحراسة 2" في طرة.

مع تعليق الزيارات، انقطعت كل الأخبار عن أحمد. تقول زوجته: "في شهر حزيران/ يونيو الماضي سُمح لنا بإدخال طعام وبعض الملابس والأدوية، وكنت قد حجزت لتلك الزيارة منذ شهرين"، وأضافت: "بعد زيارتي أخذت موعداً جديداً لزيارة أخرى بعد شهرين، في شهر آب/ أغسطس القادم".

تشير إلى أن "الزيارات أصبحت بالحجز، والمواعيد بعد الحجز بشهرين، إذ إن السجن لا يستقبل سوى 10 زيارات في اليوم الواحد".

"لا نعلم عن شقيقي أي شيء، واختفت أخباره عنّا الأمر الذي تسبب في تدهور حالة والدته الصحية، وتأزم نفسية زوجته ونجلته"

وتضيف: "خلال الزيارة الماضية، استطعت أن أُدخل له بعض الطعام وبعض الأدوية، ورُفض إدخال باقي الأدوية الخاصة به، على الرغم من أنها أساسية لبعض المشاكل الصحية التي يعاني منها".

"لا أعرف عنه شيئاً طوال الفترة الماضية"، تتابع، "وكل ما أتمناه الآن أن أطمئن عليه وخصوصاً مع منع خروج حتى المراسلات المكتوبة. أريد أن أطمئن على حالته الصحية التي تدهورت أثناء فترة سجنه الأولى التي استمرت أربع سنوات متتالية".

وألقي القبض على الصحافي أحمد سبيع في آذار/ مارس الماضي، من مسجد الحمد في منطقة التجمع الخامس، شرق القاهرة، أثناء مشاركته في تشييع المفكر الراحل محمد عمارة، واقتادته قوات الأمن إلى مكان مجهول، قبل أن يظهر بعدها بيومين ويُحبس احتياطياً في سجن طرة "شديد الحراسة 2"، على ذمة القضية 1360 لسنة 2019 أمن دولة، بتهم نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية.

وكان سبيع قد أمضى أربع سنوات في سجن العقرب قبل أن يحصل على إخلاء سبيل من التهم الموجهة إليه في قضية عُرفت إعلامياً بـ"إدارة الملف الإعلامي في غرفة عمليات اعتصام رابعة العدوية" عام 2013. وصدر قرار بإخلاء سبيله في 16 أيار/ مايو 2017، على أن يخضع لتدابير احترازية تقتضي ذهابه مرتين أسبوعياً إلى مركز احتجاز شرطي.

3 رسائل في 4 شهور

"لم تصلني من زياد سوى ثلاث رسائل خلال الأشهر الأربعة الماضية"، تؤكد الصحافية إكرام يوسف في حديثها عن نجلها المحامي والنائب السابق في البرلمان زياد العليمي.

حُكم على العليمي، في آذار/ مارس الماضي، بالحبس سنة وبغرامة قدرها 20 ألف جنيه، بتهمة بث أخبار وبيانات كاذبة.

تقول والدته لرصيف22: "بنستلم جوابات لكن بشكل غير منتظلم، كل فترة كبيرة نستلم من السجن جواب. آخر واحد استلمناه كان في 23 حزيران/ يونيو الماضي، وخلال الأشهر الأربعة، منذ تعليق الزيارات حتى الآن، لم نستلم سوى ثلاث جوابات فقط. لكن السجناء الذين معه في نفس الزنزانة يسلّمون أسرهم مراسلات مكتوبة باستمرار مع كل موعد زيارة".

وتضيف: "بعد تعليق الزيارات، أول رسالة استلمناها من زياد كانت بعد شهر كامل، أما الرسائل الأخرى فلم أستلمها من السجن أثناء الزيارة ولكنها وصلتني عن طريق أسر سجناء معه. آخر رسالة استلمتها منه وصلتني عن طريق نجل الدكتور حازم حسني".

"الأمر غير محسوم ولا ينطبق على كل المساجين وما هو إلا تعنّت ضد أفراد بعينهم، وكل ذلك بأوامر من السلطات ليس إلا"

"حالة زياد الصحية متدهورة وتأثرت كثيراً بالسجن"، تتابع، "ففي شباط/ فبراير الماضي، أُجريت له أشعة بالصبغة للقلب، بعد خمسة أشهر من مطالبتنا بذلك، لأنه لا بد من متابعة مرض الساركويد (مرض مناعي يؤثر على الرئتين) كل ستة أشهر، وأخبرونا حينها أن زياد أصيب بارتشاح غشاء القلب ومن وقتها لم تصلني أية أخبار جديدة عن حالته الصحية".

وكانت قوات الأمن قد ألقت القبض على البرلماني السابق وعضو الهيئة العليا للحزب المصري زياد العليمي من أحد أحياء القاهرة، في حزيران/ يونيو 2019، وعلى الصحافييْن حسام مؤنس وهشام فؤاد وآخرين، وأصدرت وزارة الداخلية المصرية بياناً حينها يتضمّن اتهامات لهم بأنهم أعضاء في ما أسمته بـ"خلية الأمل".

وقال بيان الداخلية المصرية إن المقبوض عليهم خططوا من خلال شركاتهم "لتمويل أعمال عنف ضد مؤسسات الدولة"، وتكثيف الدعوات الإعلامية "التحريضية" عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية التي تبث من الخارج.

فيما أصدرت مجموعة من الأحزاب بياناً أكدت فيه أن العليمي وفؤاد ومؤنس كانوا مشاركين في اجتماعات تنسيقة لتجهيز "قائمة الأمل" لخوض الانتخابات البرلمانية.

وأضافت الوالدة أن زياد يعاني من بعض الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط والربو والقرحة، بالإضافة إلى مشاكل في المفاصل بسبب إزالة غضروف من الركبة، واستفحلت الأزمة بسبب قلة الحركة في السجن، حيث يوجد منذ أكتر من عام.

وتابعت أنه نتيجة لمنع الزيارات منذ أربعة أشهر، فإنها ترسل الأدوية له وفقاً لتوقعاتها وحساباتها للأدوية التي قد تكون ناقصة، مشيرةً إلى أنه في آخر زيارة رفضوا إدخال حقن بيتولفكس، وهي حقن كان قد وصفها له طبيب، لأن مريض السكري يجب أن يأخد "فيتامين ب-12" بشكل منتظم حتى لا يؤثر المرض على صحته.

"منتهى القهر والعجز"

منذ أكثر من ثلاثة أشهر، منعت إدارة سجن طرة خروج أية مراسلات من نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي عبد الناصر إسماعيل، والذي قُبض عليه في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي، وظهر بعد أسبوع من الاختفاء القسري على ذمة القضية 448 لسنة 2019.

يقول شقيقه عبد المولى لرصيف22: "لا نعلم عن شقيقي أي شيء، واختفت أخباره عنّا الأمر الذي تسبب في تدهور حالة والدته الصحية، وتأزم نفسية زوجته ونجلته".

ويضيف: "أوقفت وزارة التربية والتعليم راتب شقيقي (وهو معلّم) بسبب انقطاعه عن العمل منذ القبض عليه، وحاولنا أكثر من مرة وتقدّمنا بعدة شكاوى ومناشدات للمسؤولين للإفراج عنه دون أي رد أو استجابة".

ويتابع: "ليست هناك أية أخبار عن وضعه داخل الحبس على الإطلاق، أخباره مقطوعة منذ تعليق الزيارات بسبب أزمة تفشي فيروس كورونا، في الوقت الحالي تتوجه زوجته ومحاميه فقط، حسب التعليمات، إلى سجن طرة تحقيق لترك بعض الأموال والأطعمة في الأمانات ولا نعلم مصيرها، وإذا ما وصلته أو لا".

يؤكد المحامي نبيه الجندي أن المراسلات حق للمسجونين نصت عليها المادتان 60 و61 من لائحة السجون المصرية، ويضيف لرصيف22: "لا أرى أن هناك ضرورة لتعليق الزيارات ولوقف طمأنة الأسر على أولادهم ومن الممكن أن تتم باتخاذ التدابير اللازمة".

ويؤكد الجندي استنسابية ما يحصل ويقول: "الأمر غير محسوم ولا ينطبق على كل المساجين وما هو إلا تعنت ضد أفراد بعينهم، وكل ذلك بأوامر من السلطات ليس إلا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard