نحو هوية فنية خاصة وحوار عالمي... الفن التجريدي في شبه الجزيرة العربية

الثلاثاء 7 يوليو 202004:45 م

في مقال كيتي زيجلمانز، أستاذة تاريخ الفن المعاصر في جامعة ليدن، المنشور في المجلة العالمية للأنثروبولوجيا بعنوان "خلف الحدود: نحو تأريخ الفن من منظور عالمي" (2003) تقول: "يتجاوز الفن الحديث حدودنا القومية في أوربا وأميركا الشمالية بعبارة أخرى، إنه شديد العالمية! على هذا، لأي درجة يعتبر تاريخ الفن، الذي نعرف، عالمياً اليوم؟"

ألهم هذا السؤال العديد من مؤرخي الفن والمنظرين والمفكرين للنظر أبعد من الصيغ الفنية التي أنتجها الفن الغربي فيما يسمى بالحداثة وما بعد الحداثة، فمع تغير جغرافية الفنون البصرية لدى نهاية الحرب الباردة، لم يعد الفن المعاصر يُعرَّف ويُعرض ويُفسر ويُكتسب وفقًا لرؤى تم تطبيقها في نيويورك أو لندن أو باريس أو برلين. وبظهور مشاهد فنية حداثية في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، تشظت النظرة أحادية البعد لتعاريف الفن الحداثي الذي ارتبط لقرون طويلة بالغرب وحده، لتنتج عنها عوالم فنية معولمة وشاملة ولا نهائية الآفاق.

غير أن ما لقي اهتماماً في الغرب من قبل مفكرين وباحثين ومؤرخين متل جيمس إلكينز، آنا ماريا جوش، رشيد أرائين، إدوارد سعيد وغيرهم من الكثيرين الذين أسهموا بالنقاش في عولمة الفن وإبطال التعميم والفكر الأحادي، ما يزال لا يحظى سوى بالقليل من الاهتمام في المنطقة العربية. خاصة وأنها خاضعة لهذا التعميم الذي يفترض مظلة أوروبية أو أمريكية تنضوي تحتها فنون العالم الحداثية وما بعد الحداثية دون التدقيق جغرافياً وتاريخياً في صحة هذا الافتراض.

لعل الرغبة برأب هذه الثغرة، كانت الدافع وراء دعوة مؤسسة بارجيل للفنون بإدارة الباحث الإماراتي سلطان سعود القاسمي و"جمعية الفن الحديث والمعاصر في العالم العربي وإيران وتركيا" (AMCA) لتقديم أوراق تبحث في التاريخ العريق للفن الحديث في شبه الحزيرة العربية من قبل مساهمين من كل أنحاء المنطقة.

نحو تحرير التاريخ الفني من منظومة الاستعمار

خلال ذروة الإمبراطوريات الاستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، جاب الفنانون والكتاب الأوروبيون أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا بحثًا عن المغامرة والاكتشافات الجديدة. ليسجلوا أثناء رحلاتهم، تعاريف للشرق وفقاً لوجهات نظرهم ونزعاتهم الغربية. ومن هذا السياق، كانت موضوعات هؤلاء المستشرقين سواء في التاريخ أو الآداب أو الفنون البصرية تبني جمالياتها على الثيمات "الشرقية" التي يفضلها الأوروبيون أنفسهم: الحريم، البازارات، أو الردهات الداخلية المزخرفة.

من هنا جاء اعتبار إدوارد سعيد، في كتابه "الاستشراق" (1978) لهذه النزعات الغربية كأسلوب غربي للسيطرة على الشرق وإعادة هيكلته وبسط السلطة الثقافة الغربية الاستعمارية عليه.

وليس تاريخ الفن استثناء في مضمار السيطرة الغربية على الثقافة، فقد عُرِّفت نماذج التاريخ الفني لزمن طويل على أنها دراسة للفنون والثقافة المادية، بحسب التفاسير اللغوية والاصطلاحية في العالم الغربي. فهل يصلح تاريخ الفن بالعموم والفن الحديث على وجه التحديد، كما دمغته الرؤى الغربية، لأن يكون نظاماً أكاديمياً لدراسة الفنون العالمية؟ ألا يعني اعتبار الرؤية الغربية كأساس أكاديمي لتأريخ الفن العالمي استمراراً لديناميات الاستعمار الثقافي، وتهميشاً للإنتاجات الفنية خارج حدود أوربا وأمريكا الشمالية؟

ألا يعني اعتبار الرؤية الغربية كأساس أكاديمي لتأريخ الفن العالمي استمراراً لديناميات الاستعمار الثقافي، وتهميشاً للإنتاجات الفنية خارج حدود أوربا وأمريكا الشمالية؟

لا تنتظر دعوة مؤسسة بارجيل للفنون وجمعية الفن الحديث والمعاصر إجابات على هذه الأسئلة، ولكن تهدف إلى التحفيز على خلق طروحات ومساهمات فكرية لتحرير تاريخ الفن من منظومة الاستعمار. كما تسعى إلى أبحاث علمية تنظر في مختلف المدارس والحركات والمناقشات الفنية التي انبثقت خلال القرن العشرين في شبه الجزيرة العربية وما أثير من حوارات فنية بينها وبين جيرانها، مثل إيران وجنوب شرق آسيا وشرق إفريقيا ودول عربية أخرى، والتي لم تساهم في إغناء عناصر الفن الحديث في شبه الجزيرة العربية والمنطقة فقط، بل جعلت دراسات الفن الحديث فيها "جديرة بتحدي الدراسات الإقليمية التقليدية للفن العربي الحديث".

ستجمع المساهمات في كتاب تحرره لجنة مؤلفة من الدكتورة ندى شبوط، أستاذة الفن الحديث والمعاصر في العالم العربي والإسلامي، وقد صدر لها كتاب "الفن العربي المعاصر: تكوين الجماليات في الفن العربي" (2007). كما تتضمن اللجنة الدكتورة سارة روجرز ، أستاذة في تاريخ الفن والعمارة ومشاركة في تحرير كتاب "الفن الحديث في العالم العربي: ملفات أولية" (2018) بالتعاون مع ندى شبوط وأنيكا لينسن؛ والقيمة الفنية في مؤسسة بارجيل للفنون الكاتبة سهيلة طقش.

الفن التجريدي العربي في سياق الحداثة العالمية

بدأت مؤسسة بارجيل للفنون في الشارقة مشروعها نحو خلق طرح أكاديمي لدراسة الفنون العربية الحداثية والمعاصرة خارج المنظور الغربي منذ يناير الماضي من العام الحالي. حيث عرضت مجموعة من أعمالها الفنية في صالة غراي آرت غاليري بجامعة نيويورك، وذلك خلال معرض فني تناول نشأة وتبلور الفن التجريدي في العالم العربي بين خمسينيات وثمانينيات القرن العشرين حمل عنوان Taking Shape. تولى تنظيم المعرض القيمة الفنية سهيلة طقش من مؤسسة بارجيل للفنون، ولين غامبرت، مديرة غراي آرت غاليري.

رافق هذا المشروع التعاوني بين المؤسستين كتاب جمع مقالات لشخصيات بارزة من عالم الفنون والثقافة، ومنهم ثلاثة مؤلفين/مؤلفات من الإمارات العربية المتحدة، هم سلوى مقدادي، الأستاذة المشاركة في قسم تاريخ الفن بجامعة نيويورك- أبو ظبي؛ وسلطان سعود القاسمي، مؤسس مؤسسة بارجيل للفنون والمحاضر والباحث في الشؤون الاجتماعية والسياسية والثقافية، وسهيلة طقش، القيمة الفنية في مؤسسة بارجيل للفنون.

تحرّى هذا المعرض أساليب بحث الفنانين عن إمكانيات تعبيرية للخط واللون، مسلطاً الضوء على عدد من الحركات التجريدية التي تطورت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وغرب آسيا وبلدان المغترب. ومن خلال نحو تسعين عملاً فنياً قدمها المعرض لمجموعة متنوعة من الفنانين مثل إيتيل عدنان، وشاكر حسن آل سعيد، وكمال بلاطة، وهوغيت كالان، وأحمد شرقاوي، وسلوى روضة شقير، ورشيد القريشي، ومحمد المليحي، وحسن شريف، تم من خلالها طرح صراعات الأصالة والهوية الوطنية والإقليمية ومحاولات إبطال الاستعمار الثقافي التي واجهها هؤلاء.

وينتمي هؤلاء الفنانين لدول عدة منها: الجزائر، ومصر، والعراق، والأردن، والكويت، ولبنان، والمغرب، وفلسطين، وقطر، والسودان، وسوريا، وتونس، والإمارات العربية المتحدة.

خلق هوية خاصة

ما شهدته الحقبة الممتدة بين الخمسينات والثمانينات من تحرر المنطقة العربية من الاستعمار، وتصاعد القوميات العربية، وتسارع النمو الصناعي، واندلاع عدة حروب أعقبتها هجرات جماعية، إضافة تكون دول الخليج العربي الجديدة إثر اكتشاف النفط؛ هو ما دفع الفنانين في منتصف القرن العشرين إلى تبني وجهات نظر نقدية ترفض الهيمنة السياسية والثقافية الغربية على المنطقة وتتبنى وجهة نظر نقدية عربية الهوية

تذكر سهيلة طقش، في مقدمة الكتاب الذي حمل اسم المعرض، أن ما شهدته الحقبة الممتدة بين الخمسينات والثمانينات من تحرر المنطقة العربية من الاستعمار، وتصاعد القوميات العربية، وتسارع النمو الصناعي، واندلاع عدة حروب أعقبتها هجرات جماعية، إضافة تكون دول الخليج العربي الجديدة إثر اكتشاف النفط؛ هو ما دفع الفنانين في منتصف القرن العشرين إلى تبني وجهات نظر نقدية ترفض الهيمنة السياسية والثقافية الغربية على المنطقة وتتبنى وجهة نظر نقدية عربية الهوية.

ومع تنامي حجم المعارضة للحضور العسكري والسياسي الغربي في المنطقة، بدأ الفنانون بمحاولاتهم لإنتاج أعمال فنية تربطهم ببيئتهم السياسية والثقافية والتاريخية. وقد أسهمت فرص السفر خلال هذه السنوات عبر المعارض المتنقلة بظهور أشكال جديدة للتبادل الثقافي والتعليمي أتاحت للفنانين التعرف على مظاهر حداثية عدة، بما في ذلك أنماط متنوعة من الفن التجريدي.

 أدى البحث عن دور الفنان العربي في المشهد العالمي المعاصر، إلى ظهور حركات حداثية عديدة تخطت حدود المركزية الغربية لتأخذ هيئتها العربية الخاصة. تذكر مقدمة الكتاب، مثلاً، انبثاق حركة فنية جديدة تدعى “الحروفية” ارتبطت باللغة العربية كعنصر بصري وتركيبي. لتمنهج تجليات الأبجدية العربية بشكل متزامن عبر مناطق عدة من العالم الإسلامي خلال فترة الخمسينيات.

كما وظفت الأشكال الرياضية والهندسية كمبادئ توجيهية لأعمال العديد من فناني القرن العشرين الذين اتجهوا نحو التجريد. وغالباّ ما استوحى هؤلاء الفنانون أعمالهم من الأنماط الزخرفية الإسلامية، والعمارة، والسجّاد، والأقمشة.

 الحداثة في شبه الجزيرة العربية

سبق وأن تناول االمجلس الثقافي، التابع لمؤسسة بارجيل، في إحدى جلساته، والتي أفرد لها رصيف22 مقالاً، تأثير الواقع السياسي على السياق التاريخي لتطور الفنون في اليمن. لنجد تشابكاً بين العلائق السياسية والاقتصادية والمتغيرات التاريخية في اليمن وبين الفنون البصرية التي سادت المشهد الفني.

الموقع الجغرافي-التاريخي لشبه الجزيرة سمح بنشوء حوار ثقافي مع عدة حضارات تاركاً أثره على الفنون البصرية في الماضي والحاضر. والإضاءة على هذه الفنون تفتح آفاقاً لصقلها أكاديمياً كجزء من دراسات الفن العالمي الحديث.

وبالنسبة للجزيرة العربية، فإن مفهوم "عولمة الفن"، أو بعبارة أوضح: الانتقال بدراسة تاريخ الفن من صيغته الغربية، التي ادعت العالمية من منظورها المحدود، إلى صيغ معولمة حقيقية، تصبح ضرورة فيما إذا نظرنا للخصائص الفريدة للمنطقة (الدين، التقاليد، الاقتصاد النفطي، الحروب الأهلية، هجرات الوافدين).

كما أن التوضع الجغرافي-التاريخي لدول الخليج العربي على مفترق طرق التجارة بين الهند وأفريقيا وأيران، إضافة إلى الاختلاط بثقافات تلك المناطق عن طريق الهجرات، سمح بنشوء حوار ثقافي بين تلك الحضارات تاركاً أثره على الفنون البصرية في الماضي والحاضر. ولعل من شأن الإضاءة على فنون شبه الجزيرة، التي تطرحها مؤسسة بارجيل على مساهميها والكتاب الذي سيجمعها، أن تفتح آفاق اكتشاف هذه الحوارات وصقلها أكاديمياً لتتفرد المنطقة بموقع خاص على خارطة الفن العالمي الحديث.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard