"اعتقدتُ أني مذنبة"... فتاة بحرينيّة تتحدّث عن اغتصابها من قِبل إخوتها

الاثنين 29 يونيو 202003:26 م

لن نتعوّد جرائم العنف مهما كثرت، ومهما زادت وتيرة حدوثها.

آخر تلك الجرائم المسكوت عنها تحت غطاء الأنظمة الذكورية ما كشفت عنه الناشطة النسوية البحرينية زينب في 27 حزيران/يونيو حين كسرت صمتها بالقول: "ثلاثة أشخاص داوموا على اغتصابي… ثلاثة أشخاص دمّروا حياتي تدميراً كاملاً وعاشوا حياتهم بمثالية عظيمة".

كتبت زينب في سلسلة تغريدات ولّدت ثورة على الخوف في فضاء تويتر، أنها تعرّضت لاغتصاب من قبل إخوتها الثلاثة طوال سبع سنوات (منذ كانت في التاسعة من العمر إلى سن الـ16). وقوبل اعترافها بتعاطف واسع. تحوّل تويتر إلى لون برتقالي دعماً لها برغم حملات التكذيب وعبارات التحريض من قبيل "نسوية منحرفة وتستحق الاغتصاب".

و"عالم برتقالي" هو شعار رفعته هيئة الأمم المتحدة للمرأة التي اختارت يوم 25 من كل شهر يوماً برتقالياً لحملتها Say NO – UNITE "اتحدن - قُلن لا" التي أُطلقت عام 2009 لإنهاء العنف ضد المرأة، ويرمز اللون إلى مستقبل أكثر إشراقاً وعالم خالٍ من العنف ضد النساء والفتيات.

كتبت زينب في شهادتها: "ثلاثة أشخاص دمّروا حياتي. محبوبون من الجميع وأنا منبوذة، مقدَّسون من الجميع وأنا مضطهدة، قريبون من الجميع وأنا بعيدة. تأثرت نفسياً وسلوكياً واجتماعياً، كنت انطوائية وخجولة ومتلعثمة وفاقدة الثقة بنفسي ولا عندي الشعور بالأمان من الدنيا كلها.

كنت أروح للمدرسة سهرانة بعد فعلتهم وأحسّ كل النظرات فيها شكوك وكنت أحسّ أن الكل يدري (يعلم) عني، طفلة وعقلي مشتت وما عندي قدرة على التركيز، وحتى ما أقدر أكوّن صداقات، وكنت دائماً اختار الزوايا في كل مكان أدخله.

"اليوم 27/6/2020 هو التاريخ العظيم وصاحب الحدث الأكبر في حياتي".

كنت أعتقد بأني مذنبة واعتبرت نفسي المُجرمة وحمدت ربّي لأنهم ما تكلموا لأحد و'ستروا' عليّ. ولكن بعد موجة الوعي تعرّفت على معنى الاغتصاب ومعنى القاصر ومعنى الضحية. وعرفت إنّي ضحية اغتصاب.

اليوم 27/6/2020 هو التاريخ العظيم وصاحب الحدث الأكبر في حياتي. فضحت المغتصبين عند عائلتي وحصلت على التعاطف والحب والدعم. اليوم نهاية عذابي النفسي وبداية خوفهم وقلقهم". 

وأرفقت زينب صوراً تقول إنها من محادثة لها مع أحد إخوتها. مما ورد فيها قولها له: "أتذكر كل التفاصيل. أتذكر لما كنت ماخذني فوق لما كانوا يسوون شقة أمك وكنت تبوسني. وX مرّ من صوبنا وما قال شي. تذكر هالشي؟ تتذكر لمّا كنت تعطيني تلفونك وفيه مقاطع سكس وأني على بطني وتقول لي ما يعوّر (لا يؤلم) ودخّلته ورا وطلع منّي دمّ؟ تبي (تريد) أذكرك أكثر ولا خلاص؟ تتذكر X لمّا أخذته غصب عنّه ووديته الحمام وهو يصرخ؟ تتذكر لما أخذت X وX فوق البيت وحاولت وياهم وفصختهم (نزعت ملابسهم) ولمستهم؟".

"طفح كيل النساء، نعم، وسئمنا إنكار هذه الجرائم بدعوى 'المجتمعات المحافظة'"... تضامن واسع مع الناشطة النسوية البحرينية زينب التي تحدثت عن تعرّضها لاغتصاب إخوتها الثلاثة لها طوال سبع سنوات

نقلاً عن الضحية

وكانت زينب قد كشفت عن بعض تفاصيل قصتها في نيسان/أبريل الماضي من دون أن تُرجع القصة إليها بل روتها "نقلاً عن الضحية". 

كتبت:

"قصة قصيرة: شاب اغتصب طفل، سُجن وعند خروجه عائلته احتفلت بهذه المناسبة وهو الآن محبوب من الجميع. أخته قررت نزع الحجاب، الجميع وقف بوجهها وجاهد بتدميرها وشارك باضطهادها وهدد بقتلها وتبرأ منها علناً والسبب 'سمعة العائلة'.

الفتاة أُغتصبت أيضاً من إخوتها الثلاثة من مرحلة الطفولة إلى المراهقة، ومعظم أفراد العائلة يعلمون بذلك ولكنهم التزموا الصمت 'ما دام الفعل داخل المنزل فهو لا يشكل خطراً على سمعة العائلة'.

وحين قررت نزع الحجاب قالوا لها: الحجاب يحميكِ من التحرشات، فردّت عليهم: إن كان كذلك فعلاً فمن الواجب لبسه داخل المنزل.

-نقلاً عن الضحية-"

تقول زينب إن التحذيرات والإرشادات التي تتلقاها بعض الفتيات من قبيل "لا تلبسي هذا قدام إخوانك" هي "تبريرات البيدوفيلي القذر حتى يمارس مرضه على طفلة إذا لم تلتزم التعليمات السخيفة". 

وشاركت العشرات من الفتيات في الكشف عن تعرّضهنّ لحوادث تحرّش واغتصاب تحت هاشتاغ "#لون_العالم_برتقالياً" و"#OrangeTheWorld". وأعادت الحادثة المطالبة بإلغاء المادة 353 من قانون العقوبات البحريني التي تنص على إعفاء المغتصب من العقوبة في حالة زواجه بالضحية. 

الضحية ليست مسؤولة عمّا حصل

قالت لرصيف22 سبيكة الشملان، الناشطة الاجتماعية البحرينية في مجالات الجندر والمرأة إن "سكوت زينب وضحايا التحرش والاغتصاب هو نتيجة تراكمات ثقافية في مجتمعاتنا تحمّل المرأة مسؤوليات كثيرة عن أمور هي في الواقع ضحية لها، وتعطي مفاهيم العيب والشرف ونظرة المجتمع أهمية أكبر من أمن النساء وأمانهن والأطفال".

وأيّدت ضرورة تغيير بعض القوانين (أولها إلغاء مادة 353 التي تسمح للمغتصب بالزواج بضحيته) ووضع أسس تعطي ضحايا التحرش والاغتصاب القوة والثقة لاستخدام الموارد القانونية والنفسية والصحية المتاحة.

ولفتت إلى الحاجة إلى توفير مساحات آمنة لسرد التجارب والاعتراف بوجودها وتصديق الضحايا، وتدريب الجهات التي تتعامل مع ضحايا التحرش والاغتصاب على كيفية التعامل مع الناجيات، واتباع أسس الحوار والدعم المرعية في مثل هذه المواقف من دون أن تشعر الناجية بأنها مسؤولة عما حدث لها.

"شكراً جزيلاً لأنك تحدّثتِ، ألهمتنا جميعاً القوة، قد تكون سلسلة التغريدات التي كتبتِها بداية لثورة نسوية ضد الصمت والقهر في الوطن العربي. ثورة ضد تعامي السلطات المجحف، ثورة ضد الذكورية المؤذية، فلتتحدث جميع النساء"

"مجتمع محافظ على الخراء"

"مجتمع محافظ. محافظ على الخرا اللي صعب عليه يتخلى عنه". تعود هذه الكلمات للمصور الفوتوغرافي البحريني الشاب خالد الذي شارك وآلاف المغردين في الحملة التضامنية "لون العالم برتقالياً".

يقول لرصيف22: ‏"هناك عدة معايير وموروثات وقوانين اجتماعية حافظ عليها المجتمع بشكل عام، وصارت، بسبب الهالة التي خلقها حوله، غير قابلة للنقد أو التغيير. إحداها تعزز لدى الرجل أفضليته على المرأة، فكرياً أو نفسياً أو جسدياً، وهذا قد يدفع ببعض الرجال الى التمادي في تعزيز سلطتهم على المرأة. من أشكال هذه السلطة الاغتصاب والتحرش اللذان يرميان غالباً إلى فرض الهيمنة". 

"مجتمع محافظ. محافظ على الخرا اللي صعب عليه يتخلى عنه".

ويُرجع خالد التعاطف الواسع مع قصة زينب إلى كونها شجاعة وإلى "جرأتها في مواجهة المعتدين عليها"، ويعتقد أن "زيادة الوعي أخيراً، وخصوصاً في وسائل التواصل الاجتماعي على الصعيد المحلّي أوجدت مساحة لسرد الكثير من النساء تجاربهن ومعاناتهن، وذلك بعد هيمنة التوجه الذكوري الذي لا يزال يحاول الحفاظ على إطار محدد لشكل سرد معاناة المرأة من دون التطرق للتفاصيل والأسباب".

ويرى أن أحد الأسباب التي تدفع ببعض الناس إلى إسكات الضحايا في "مجتمع صغير ويتسم بالخصوصية كالمجتمع البحريني، هو محاولتهم الحفاظ على الصورة اللاواقعية عن المجتمع والتكوين العائلي الذي يصفونه دوماً بالمثالي، ويعتقدون أن من غير المعقول لمثل هذه الجرائم أن تقع بين أفراده".

ويختم خالد: "يجب ألّا نقف متفرجين صامتين في المساحات الآمنة التي وفرناها بيننا للمتحرشين والمغتصبين عبر التساهل والتسامح مع ثقافة التحرش في حياتنا اليومية"، لافتاً إلى ضرورة تصديق كل ضحية. 

ألوم الأنظمة

"التضامن كان ثورة تعاطف، وثورة غضب على جميع الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في العالم. إذ تتحدث امرأة واحدة عن معاناتها فإنها تدفع ببقية النساء للحديث. التضامن الواسع رسالة لجميع الضحايا، مفادها أنهن لسن وحيدات، هنالك الكثير منهنّ".

هذا ما قالته لرصيف22 النسوية العُمانية مروة البلوشي التي كانت من المشاركات في دعم زينب وكل من عاشت تجربة مُشابهة، مؤكدة: "طفح كيل النساء، نعم، وسئمنا إنكار هذه الجرائم بدعوى 'المجتمعات المحافظة'".

وتعتقد أن "غالبية السلطات العربية لا تكترث لقضية العنف ضد المرأة، ولا لقضايا القتل بدواعي الشرف"، قائلةً: "قائمة شهيدات الغدر الذكوري تطول يوماً بعد يوم، ولا مستجيب. نقول شكراً لوسائل التواصل الاجتماعي لأنها باتت تشكل عناصر ضغط على الحكومات، ومنصات تخلّد أسماء الشهيدات". 

وتضيف: "المجتمعات تمارس العنف وتستبيحه وتنقله موروثاً مصوناً عبر الأجيال، وتعتبر العنف 'شأناً أسرياً' من الواجب السكوت عنه للمحافظة على خصوصية العائلة". وترى أن الثقافة الذكورية ساهمت في إسكات النساء على مدى سنوات طويلة، "فهي تستند إلى تشريعات دينية تبيح ضرب النساء مثلاً، بل تعزز العنف الجنسي ضدّهن. علماً أن الإعلام يصدّر هذه الثقافة من خلال المسلسلات التي تطبّع هذا العنف وتبرره بأريحية". 

وتتابع: "أُلقي اللوم الأكبر على الأنظمة. هل يجب أن ننتظر توعية جميع أفراد المجتمع، أم الأولى ردع الظلم بقوة القانون والنظام؟ أرجّح أن الحكومات هي التي تشكل وعي شعوبها في المنطقة العربية".

وإلى زينب، تقول مروة: "شكراً جزيلاً لأنك تحدّثتِ، ألهمتنا جميعاً القوة، قد تكون سلسلة التغريدات التي كتبتها بداية لثورة نسوية ضد الصمت والقهر في الوطن العربي. ثورة ضد تعامي السلطات المجحف، ثورة ضد الذكورية المؤذية، لتتحدث جميع النساء".

"نظرة العار والعورة الاجتماعية مسؤول عنها شيوخ الدين الذين يتحدثون عن دم حيض المرأة ولا يتحدثون عن دمها لدى قتلها أو اغتصابها"... تضامن واسع مع الناشطة النسوية البحرينية زينب التي تحدثت عن تعرّضها لاغتصاب من قبل إخوتها الثلاثة طوال سبع سنوات

نحتاج إلى وعي جنسي

ومن المشاركات، الناشطة السعودية النسوية سارة اليحيى التي اعتبرت في حديث مع رصيف22 أن "نظرة العار والعورة الاجتماعية مسؤول عنها شيوخ الدين الذين يتحدثون عن دم حيض المرأة ولا يتحدثون عن دمها لدى قتلها أو اغتصابها". 

ورأت سارة أن حملات لوم الضحية وتكذيبها وتشويه سمعتها "كشفت الخلل في المنظومة الأخلاقية، أي العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية، باعتبار أنها هي التي تحمل راية شرف سمعة القبيلة أو العائلة. ويتولى الرجل المحافظة على راية الشرف".

ولفتت إلى أن شيوخ الدين في المجتمعات العربية "يعززون النظرة الدونية إلى المرأة وعدم اعتبارها إنساناً بل 'ملكية' يجب المحافظة عليها". وتساءلت: "عندما يتم تربية الأجيال على أن صوت المرأة عورة، فكيف ستجري الاستجابة لصرخات الضحية وبكائها؟".

"لوم الضحية يعني أن هناك خللاً كبيراً في المجتمع".

وأضافت: "الواقع يُبيّن أن العائلة هي العدو الأول للضحية، في حين ينبغي أن تكون مصدر حماية"، متحدثة عن اغتصاب المحارم و"الستر على ذكور العائلة".

وأكدت أن إدراج الثقافة الجنسية في المناهج التعليمية ضروري حتى يكون هناك وعي جنسي واحترام لأجسادنا كبشر وليس كمادة تعدّ عاراً أو شرفاً، مضيفةً: "الأهم هو تعديل القوانين لحماية الضحايا وإيقاع العقوبات الرادعة على الجاني والتشهير به. كذلك ينبغي تعديل الخطاب الديني تجاه المرأة".

وتعتبر أن لوم الضحية يعني أن هناك خللاً كبيراً في المجتمع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard