"هددوني بالقتل"... غزاويات تزوجن في المحكمة بعيدا عن موافقة الأهل

الأربعاء 24 يونيو 202004:39 م

ينظر بعض الآباء الفلسطينيين في غزة إلى بناتهم باعتبارهن مشروعاً استثمارياً طويل الأمد، خاصة إن كانت موظفة أو ذات ميراث، فيرفضون للأسباب السابقة تزويج بناتهم، ليبدأ مسلسل من المعاناة، تعيشه الابنة، خاصة عندما ترفض أن تقف مكتوفة الأيدي، وتقرّر التوجه إلى المحكمة طلباً للإنصاف.

وفي التفاصيل، تضطر الابنة لتقديم دعوى قضائية ضد الأب تسمى "عضل ولي"، مفادها أن تسمح لها المحكمة بالزواج بعيداً عن موافقة ولي الأمر، وهنا يتدخل القانون في إعطاء الفرصة للاستماع لطرفي النزاع (الأب والفتاة)، فإذا اقتنعت المحكمة ممثلة بالقاضي بوجهة نظر الوالد حيال رفض الزواج، كان ذلك، وإن لم تقتنع المحكمة بمبررات الوالد، فإنها تقوم بتزويج الفتاة بعيداً عن موافقة الأخير، ويكون في هذه الحالة القاضي هو ولي أمر الفتاة.

ويعرف فقهاء "عضل الولي" بأنّه "امتناع الولي عن تزويج التي في ولايته من كفء بمهر المثل بلا مسوغ، وأعطي في هذا السبيل كامل الحق لمن تعرضت لإجحاف أو إهدار لهذا الحق المقرر لها شرعاً وقانوناً من الولي الطبيعي، أن ترفع دعواها إلى القاضي بطلب تزويجها".

"كبرت وحقي أتزوج"

قصص كثيرة ومبررات جّمة يعشنها ضحايا هذا الظلم الاجتماعي. نسرين شتات (26 عاماً)، خريجة جامعية، تسرد قصتها لرصيف22، قائلة: "والدتي مطلقة منذ زمن، ووالدي رجل صعب المراس، كلما تقدم أحد لخطبتي كان يرفض بلا سبب، وذلك للانتقام من والدتي"، وتضيف أنها قرَّرت اللجوء إلى القضاء للتخلص من هذا "الواقع الأليم"، فما كان من المحكمة إلا أن قامت باستدعاء الأخ الأكبر لنسرين، والذي قام بتزويجها عبر المحكمة دون علم الوالد.

ويشهد قطاع غزة انتهاكات واضحة وصارخة لحقوق المرأة، في ظل منظومة من العنف ضد النساء.

فاطمة السعيد (34 عاماً)، عانت هي الأخرى من تعنت والدها، تقول لرصيف22: "أنا أعمل كوافيرة، أقوم برسم الحناء للعرائس وأحصل يومياً على مبلغ 100 دولار، وهنا بدأت معاناتي، إذ بدأ أبي يطمع في دخلي اليومي، وأصبح يرفض كل من يتقدم للزواج بي بحجة أني المعيلة الوحيدة للعائلة، ما اضطرني إلى اللجوء للقضاء، فقدمت دعوة للمحكمة ضد والدي، لكن عمي وقف إلى جانبي حين تفهم أنني لم أعد صغيرة، وأن من هن في جيلي أصبحن أمهات منذ زمن".

"أنا أعمل كوافيرة، أقوم برسم الحناء للعرائس وأحصل يومياً على مبلغ 100 دولار، وهنا بدأت معاناتي، إذ بدأ أبي يطمع في دخلي اليومي، وأصبح يرفض كل من يتقدم للزواج بي بحجة أني المعيلة الوحيدة للعائلة، ما اضطرني إلى اللجوء للقضاء"

وهنا تم زواج فاطمة دون موافقة والدها، تقول: "لم أعد صغيرة، ومن حقي أن أرتبط بشريك حياة يلبي متطلباتي النفسية والجسدية".

وأظهرت نتائج لمسح العنف في المجتمع الفلسطيني لعام 2019، أن نسبة الفتيات اللواتي لم يسبق لهن الزواج، وتعرضن للعنف النفسي والجسدي من قبل أحد أفراد الأسرة بلغ 55%.

"هددوني بالقتل إذا تزوجت"

ولم تقف فصول معاناة بعض الغزاويات عند تعنّت بعض الآباء إلى حد الرفض، بل امتدت إلى ما هو أخطر، فربا الشامي (30 عاماً)، قد تم تهديدها بالقتل حين قررت التمرد على فكرة منعها من الزواج.

تقول ربا، وهي تمتلك ميراثاً يراه والدها كبيراً، لرصيف22: "بعد طلاقي بخمس سنوات تقدم لخطبتي شخص بيننا علاقة حب عاصفة، لكن عائلتي رفضت رفضاً مطلقاً، ليس فقط الشخص، بل فكرة الزواج من أصلها، والسبب خوفها على الميراث، وأن هذا الشخص المتقدم لا يناسبنا كعائلة مالكة وأنه يطمع في الميراث".

وتضيف ربا: "تمسكت وبشدة بهذا الشخص، وحين واجهتهم بإصراري على الزواج منه، قاموا بتهديدي بالقتل عدة مرات، في محاولة منهم لجعلي أصرف نظر عن هذا الموضوع".

"أمام هذا التهديد قمت بالهرب من المنزل إلى مكان آخر أكثر أماناً (بيت أحد أقربائي) ومنه توجهت إلى المحكمة، التي قامت باستدعاء والدي الذي رفض الحضور، لأنه يريد تزويجي من أحد أبناء عمي كزوجة ثانية، للحفاظ على الميراث ولا يخرج عن نطاق العائلة، فما كان من المحكمة إلا أن زوجتني بكون القاضي جهة الولاية بدل والدي".

ولا تزال تعاني فتيات غزاويات من "لعنة الميراث"، خاصة من الطبقات الغنية في غزة، بسبب هاجس ذكور العائلة من انتقال الإرث خارج العائلة.

القاضي كـ"وليّ"

لولا تدخّل القانون في هذه القضايا لضاعت حقوق هؤلاء الفتيات، فالقانون، وفقاً للمحامية حنان مطر، العاملة في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، تقول لرصيف22: "أعطى القانون المرأة الحق في الزواج، فإذا كان وليها معارضاً للزواج، تتوجه للمحكمة وترفع دعوى "عضل ولي"، القرار النهائي والكلمة الفصل في البت في هذه الدعاوى تعود فقط للمحكمة، والتي تستند في حكمها إلى الشهود والبينات، فإن تبينت المحكمة أن أسباب الوالد في منع الزواج ليست مقنعة، يكون القاضي هو ولي الزوجة وليس أبيها"، على حد تعبيرها.

الدكتور عمر نوفل، رئيس محكمة استئناف غزة، يعلق في تصريحات لرصيف22، قائلاً: "في الغالب يكون رفض الأب غير مبرر وبدون سبب مقنع، فإما أن يكون السبب في عدم رغبة الوالد تزويج ابنته أنها موظفة، أو أنه يرغب بتزويجها داخل العائلة لأسباب تعود للميراث، أو غيرها من الأسباب".

 "بعد طلاقي بخمس سنوات تقدم لخطبتي شخص بيننا علاقة حب، لكن عائلتي رفضت رفضاً مطلقاً، ليس فقط الشخص، بل فكرة الزواج من أصلها، والسبب خوفها على الميراث"

وعن الإجراءات القانونية المتبعة في المحكمة، يقول نوفل: "في هذه الحالات تتوجه الفتاة إلى المحكمة وترفع دعوى 'عضل ولي'، وبعد أن يتم الزواج لا يحق للوالد أن يعترض على حكم المحكمة القاضي بتزويج ابنته".

ويشدّد نوفل على أهمية تقدم الفتاة إلى المحكمة فور شعورها بتعنت والدها، يقول: "المشكلة لا تكمن في أعداد الحالات المقدمة والمنظور فيها في المحاكم، بل تكمن المشكلة في الحالات الموجودة فعلاً في المجتمع، وليس لدى المظلومات الجرأة للتوجه إلى المحكمة من أجل رفع هذا الظلم الاجتماعي الواقع عليهن، لماذا هنّ مترددات في تقديم الدعوة؟".

"لماذا تتردد الفتاة في تقديم دعوى تطالب بحقها في الزواج؟".

تجيب نيبال حلس، الأخصائية الاجتماعية النفسية، عن هذا التساؤل بالقول: "بالنسبة للفتاة التي تقوم برفع قضية ضد أهلها، خاصة والدها، فقد تتردد في الإقدام على هذه الخطوة خوفاً على علاقتها بأهلها، إذ قد تجبرها هذه الخطوة على خسران الأهل أو خسران فرصة الزواج، كما أنه ومن الناحية الاجتماعية، يراود الفتاة قلق كبير من نظرة المجتمع لها، وتخشى ما يسمى بوصمة العار لها على المدى البعيد، جراء هذه الخطوة".

يذكر أن الفتاة تحتاج عند زواجها إلى ولي شرعي، والذي يمثله الأب في الأساس، وفي حالة عدم وجود الأب يكون الجد، وفي حالة عدم وجود الجد يكون الأخ.

وفى النهاية، لابد من ضرورة التصدي لهذه الظاهرة من خلال تبني قوانين فلسطينية أكثر حماية للنساء من العنف، وضرورة قيام المؤسسات النسوية بتفعيل دورها للحد من العنف ضد المرأة، وتفعيل دور وسائل الإعلام الفلسطينية بإعداد برامج متخصصة لتعالج هذه الظاهرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard