كأنني أرقص فوق عناقيد العنب في الإسكندرية... عن جولة في مصنع نبيذ هندي

الاثنين 28 سبتمبر 202005:49 م

لطالما ارتبط السّفر بالرغبة في معرفة شخصيات جديدة وتجربة أماكن وأشياء مختلفة للفوز بفوائد السّفر السّبع بجانب كسر روتين الحياة. أثناء زيارتى لمدينة بانغالور، عاصمة ولاية كارناتاكا، جنوب الهند، قمتُ بالبحث في أحد المواقع الإلكترونية عن مكان مختلف أزوره أو شيئاً جديداً اقوم به، فوجدتُ إعلاناً عن جولة يقدّمها مصنع للنبيذ تشمل لزيارة مزارع العنب المنتشرة حول 20 فداناً من الأراضي الزراعية مع زيارة مصنع النبيذ الذى يسمح لنا بتذوّق أنواع مختلفة من النبيذ مقابل مبلغ زهيد جدّاً 250 روبية (حوالى 3.5 $)، ويقدّم المصنع أيضاً التجربة التقليدية القديمة للدعس على العنب بأقدام حافية، وهي تجربة اختيارية مقابل 500 روبية (حوالى 6.60$) . هذه الجولة لا نحتاج فيها أن نكون خبراء في النبيذ أو أن نكون من محبي الشّرب، فهي بالنهاية رحلة ترفيهية ليس أكثر.

وعلى الرّغم من ركوب المواصلات العامة أو حتى السيارات الخاصة في الهند فالازدحام الكبير يقتل جوهر أي متعة، لكن بدت لي الفكرة مثيرة للتجربة فلم يسبق لي أن قمت بها من قبل.

وبدأت الرحلة التى استغرقت ساعة ونصفاً من مدينة بنغالور إلى مدينة تشاناباتانا (المنطقة الأشهر في ولاية كارناتاكا لصناعة النبيذ) حتى وجدت لافتة كبيرة مكتوب عليها (مصنع النبيذ التراثي) فعرفت أنني وصلت وجهتي.

للحظة لم أتصور أن هذا المكان هو مصنع نبيذ، فالمكان بغاية الروعة؛ تحيطه المزارع الخضراء من كلّ جانب، وكلّ شيء مرتب بعناية فائقة، حتى البراميل الموضوعه على جانب الطريق مرتبه بشكل جذاب. استقبلي أحد المرشدين السياحين، والذي كان بدوره خبيراً بالنبيذ، وأخذني اولاً إلى بيت الضيافة للاستراحه وتسجيل الدخول. رأيت هناك العديد من الزوّار الذين أتوا قبلي. لم يكن كلّهم هنوداً؛ فبين 12 شخصاً كان هناك أربعة فرنسيين، و12 هو العدد الأقصى المسموح به في هذه الجولة.

قد قدّم كُتّاب المأكولات والمشروبات في العالم أوصافاً جميلة عن النبيذ، ومنهم من كتب ما هو ساخر مثل المخرج الفرنسي موريس كلوش الذي قال: "حوّل يسوعُ الماء إلى نبيذ. لستُ مندهشاً من أن اثني عشر تلميذاً تبعوه في كلّ مكان"

وبدأنا الجولة أولاً بزيارة مزرعة العنب للتعرّف على الأنواع المختلفة من العنب المستخدم في صناعة النبيذ. وأخبرنا المرشد أن العنب في هذه المنطقة يُزرع في الغالب لصناعة النبيذ، وأن الحكومة تشجع المزارعين على زراعة العنب لتعزيز ونموّ الاقتصاد. كما ذكر أن أفضل وقت لزراعة العنب هو من أكتوبر إلى مارس. وبحلول شهري فبراير ومارس يكون العنب جاهزاً للحصاد وتقام حينذاك المهرجانات والاحتفالات بهذا الموسم. وهنا تذكرتُ شيئاً مماثلاً في مصر؛ ففي مدينة الإسكندرية يقام أيضاً مهرجان سنويّ تقليدي يتمّ من خلاله اختيار ملكة جمال العنب من بين مجموعة من المتسابقات، ولذلك لترويج السياحة فى عروس البحر الأبيض المتوسط.

بعد ذلك اتّجه بنا المرشدُ إلى المصنع، وهناك شرح لنا بطريقة منهجية صنعَ النبيذ منذ زراعة العنب، ثمّ حصاده يدوياً، ثمّ اختياره بدقّة على طاولات الفرز، وكيف تتمّ عمليات التخمير والتعبئة والتغليف، نهاية بتخزينها في المستودع قبل شحنها إلى الوجهات المختلفه.

بعد الجولة في المصنع، أخذنا إلى المطعم الموجود بالمكان للاستمتاع بجولة تذوّق النبيذ. كان المطعم عبارة عن حديقة مفتوحه مع طاولات وكراسٍ خشبية، ويحتوي على منطقة لعب للأطفال بها أراجيح وأحصنة خشبية هزازه.

كان أمامنا 6 أنواع من النبيذ لتذوّقها. قال المرشد إن تذوق النبيذ هو فنّ بحدّ ذاته، وقد قدّم كُتّاب المأكولات والمشروبات في العالم على مدى قرون عديدة أوصافاً جميلة عن النبيذ بشكل عام، وعن بعض الأنواع بشكل خاص، ومنهم من كتب ما هو مضحك وساخر للغاية مثل قول المخرج والمنتج والكاتب الفرنسي موريس كلوش الذي قال: "حوّل يسوعُ الماء إلى نبيذ. لستُ مندهشاً من أن اثني عشر تلميذاً تبعوه في كلّ مكان".

للحظة لم أتصور أن هذا المكان هو مصنع نبيذ، فالمكان بغاية الروعة؛ تحيطه المزارع الخضراء من كلّ جانب، وكلّ شيء مرتب بعناية فائقة، حتى البراميل الموضوعه على جانب الطريق مرتبه بشكل جذّاب

أضاف المرشدُ أن اختيار نوع النبيذ يأتي حسب اختيار الأطباق؛ فمثلاً النبيذ الأبيض يتناسب مع المأكولات البحرية والوجبات الخفيفة، أما النبيذ الأحمر فيتناسب مع اللّحوم المشوية. ويجب أن يكون النبيذ في درجة حرارة مناسبة (حوالي 18 درجة)، ليس بارداً جدّاً ولا رطباً. وأن رائحة النبيذ الجيد ينبغي أن تكون لطيفة.

بعد ذلك حان وقت المرح (سحق العنب) بأقدام حافية. قام العاملون بوضع عناقيد العنب في أحواض خشبية كبيرة، وتمّ بثّ الموسيقي كشكل من أشكال إحياء التقاليد القديمة، وهذا الشكل كان معروفاً أيضاً في الحضارة المصرية القديمة، وقد كتب عنه الكاتب الأمريكي جورج هارت في كتابه "الحضارة المصرية القديمة" في وصفه لمزرعة العنب: "يجمع الرجلان عناقيد العنب؛ هذا العمل كان في كثير من الأحيان يٌكلَّف به المستوطنون الأجانب أو مسجونون من الشرق الأوسط أو من النوبة. كان العنب يؤخذ بعد ذلك إلى حيث يتمّ عصره عبر الدّوس بالأقدام".

وذكر الكاتب نفسه عن الغناء والرقص: "كان القدماء المصريون يحبّون الحياة ويستمتعون بكلّ نواحيها؛ مشاهد الحفلات المصورة على جدران المقابر والأغاني المكتوبة على أوراق البردي، وتنوّع آلاتهم الموسيقية توضّح لنا المكانة الكبيرة للموسيقى والطرب في حياتهم. كانت المهرجانات الفخمة تقام لعامة الناس، ويحضرها آلاف، ويستمتعون فيها بالغناء والموسيقي ويعزف الناي والآلات الوتريه وبإيقاع الصنوج، وبالنبيذ الذي يحتسونه بكمّيات كبيرة. كما كانت الموسيقي تصاحب أيضا كثيراً من الأعمال اليومية، وعلى سبيل المثال كان القائمون بعَصر العنب يعملون وسط الأنغام الإيقاعية ".

عند ذلك تراءت لي المشاهد، وكنت أسمع الألحان وكأنني أتنقّل عبر الزمن؛ كأنني كنت في بلدي، وفي الإسكندرية أدوس على عناقيد العنب، بل أرقص فوقها بقدمين عاريتين؛ إحساس رهيب وجميل عرفتُ أنه ربما لن يعتريني ثانية. 

بعد الانتهاء من سحق العنب سألت أحد العاملين إن كانوا سيعيدون استخدام هذا العنب في صنع النبيذ أم لا؟ ضحك وقال: إننا سنعيد استخدامه فعلاً، ولكن كسماد للتربة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard