"والله العظيم حاقول الحق"... عن رجال امتهنوا "الشهادة"

الاثنين 22 يونيو 202004:10 م

رجالٌ وأرباب بيوت أنهكمهم البحث عن فرصٍ للعمل دون جدوى، تراهم "لاجئين" على أبواب المحاكم للإدلاء بشهادتهم مقابل مبالغ بسيطة، لتسدّ بعضاً من احتياجاتهم، وعائلاتهم، وتمثّل بعض القضايا الجنائية والجزائية، وبعض المتطلبات القانونية، من أحوال زواج وطلاق أو عقود بيع، مصدر رزق للعديد منهم.

ولا تخلو مصر من ظاهرة انتشار ممتهني الشهادة، ولكن يصرّ كثير منهم، بحسب من تحدثوا لرصيف22، أن تتوافق مع "الشرع والعُرف والقانون"، أي أن تكون الواقعة صحيحة، في شيء لا يخالف القانون، ولكن يحتاج لشهود لتسيير الإجراءات بشكل قانوني، حالهم كحال ممتهنيها في فلسطين، خاصة مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية مؤخرا في كثير من الدول العربية.

"الشهادة مقابل 12 دولار"

عن ممتهني الشهادة، يقول المستشار القانوني، هاني تمام، لرصيف22: "من أهم القضايا التي يلجأ لها الناس لشهادات مدفوعة الأجر في مصر، شهادات الوراثة بين الأبناء، إذ بإمكان صاحب القضية الخروج لخارج المحكمة ويطلب شاهداً فيجد عدداً من الأفراد يتدفقون عليه، فيختار منهم عشوائياً واحداً أو اثنين أو ربما ثلاثة، ويُدفع لكل شخص مقابل شهادته 200 جنيه مصري (12 دولار أمريكي)، وهو مبلغ رمزي ومُرضي بالنسبة للجميع، فمثل هذه الشهادات مسموح بها قانونياً، لأنها ما شهد عليه يكون حدثاً واقعاً أمامه، بعد أن يُلم بكافة مجريات شهادته، كما أنها لا تُسبب أية أضرار لأحد".

أمور أخرى "يحلّ" للشاهد من خلالها إثبات شهادته، بحسب تمام، مثل توقيع عقود الزواج والطلاق في مكتب المأذون الشرعي، حيث تجري حالات الزواج بمصر من خلال مأذون وليس من خلال محاكم، كما هو الحال في فلسطين، وفي كل مكتب كهذا يقوم صاحبه بتشغيل شهود بمقابل يتقاضونه من أحد طرفي الزواج، وهنا لا مانع من هذه الشهادة، بحيث أنها توافرت فيه كافة شروطها، كما أنها لا تتنافى مع القانون والشرع.

"بإمكان صاحب القضية الخروج لخارج المحكمة ويطلب شاهداً فيجد عدداً من الأفراد يتدفقون عليه، فيختار منهم عشوائياً واحداً أو اثنين أو ربما ثلاثة، ويُدفع لكل شخص مقابل شهادته 200 جنيه مصري (12 دولار أمريكي)، وهو مبلغ رمزي ومُرضي بالنسبة للجميع" 

وفي مجالس العقد في مصر، تتم معاملات البيع وشراء الممتلكات والعقارات، وكذلك يتوافر هنالك شهود بالعشرات، وقد يكون هذا الشاهد حينها وسيطاً لبيع الأراضي بين البائع والمشتري "سمسار"، وقد يتقاضى ثمن مهمتين حينها، شاهد وسمسار، وأيضاً لا يوجد مانع قانوني تجاه هذه الأعمال، كما يوضح تمام.

ويضيف تمام: "كل شهادة تنطبق عليها معايير الشاهد مقبولة، وخاصة في عقد النكاح الشرعي الإسلامي، أهمها أن يكون مسلماً وبالغاً، وألا يكون عليه سوابق قذف وطعن في أعراض المسلمين، وأن يكون بصيراً وناطقاً وعاقلاً وملماً في أمور النكاح، وأن يكون عددهم اثنين ممن تنطبق عليم هذه الصفات، وإن كانت الشهادة مدفوعة الثمن، يجب أن يكون هناك تراض بين من يدفع ومن يستلم".

شهادة الزور بمصر

بجانب الشهادات التي "لا تخالف الشرع والقانون"، سُجلت في محاكم مصر شهادات زور، كانت لصالح تجار المخدرات وجرائم قتل وعنف، وكذلك قضايا وذمم مالية، ولكنها لا ترتقي لأن تكون ظاهرة، كما يوضح تمام، حيث لا يجوز أن نحكم على العامة من خلال شخص واحد أو شخصين أو عدة أشخاص خارجين عن القانون، كما أن الشعوب العربية، وخاصة مصر، "تمتاز بالطابع العاطفي وتأنيب الضمير، فمن المستحيل حصول هكذا شهادات إلا قليل جداً وتكاد تكون معدومة، ولكن لا يمكن إنكار حدوثها".

ويضيف تمام: "في حال كشفت الجهات المختصة والشرطية عن وجود شبهات في الشهادات الجنائية بشكل خاص، والتي من الممكن أن تدمر بيوت أهالي، وكذلك تحدث فساداً مجتمعياً، تقوم الجهات القضائية فوراً بتحريك جنحة جنائية وأوامر قبض وإبلاغ، بحيث أن أغلب من يتورط بهذه الأفعال هم المحامون، بصفتهم وسيطين بين شاهد الزور والمجني عليه".

يقوم المحامي الذي يترافع عن تاجر المخدرات أحياناً بإحضار شاهد "زور" ينفي علاقة المجني عليه بالمخدرات، وأنه كان بالقرب منه وقت حدث إجرامي، وترتفع أجرة الشاهد هنا بمبالغ تزيد عن 3000 جنيه مصري، وكانت الأجهزة الأمنية المصرية قد كشفت عدة حالات بهذا الخصوص وألقت القبض عليهم، بحسب تمام.

وتنص المادتين (297) و(300) من القانون والدستور المصري، على أنه كل من شهد زوراً في دعوى مدنية يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين، وتشمل العقوبة أيضا كل من أكره وأغرى شاهداً على عدم أداء الشهادة، أو على الشهادة زوراً، بمثل عقوبة شاهد الزور.

"أجرة عامل في مصنع شيبسي"

مع فتح قصر العدل الجديد في محررة "نتساريم" وسط قطاع غزة، برز وجود ممتهني الشهادة، وخاصة على أبواب المحاكم الشرعية التي تتعلق بإجراءات الزواج والطلاق في فلسطين، حيث يكثر مثل هذا النوع من طالبي الشهادة، كونها تجري في هذه الأماكن فقط، على العكس من مصر التي تتم بها هكذا حالات في مكتب المأذون الشرعي.

وبما أنّ عدد حالات الطلاق بغزة يفوق عدد حالات الزواج سنوياً، فمن الطبيعي عدم توقف هذه المهنة "الشهادة" ولو للحظة واحدة، وذلك لأن قضايا الزواج والطلاق تتصدر قائمة القضايا الأكثر عملاً في محاكم غزة.

(م.ف) أحد الشهود الذين قابلهم رصيف22 أمام أبواب محكمة غزة للأحوال الشرعية، تحدث عن امتهانه للشهادة بحب، قائلاً: "أنا عملي فقط شاهد على عقود الزواج، يعني أنا أوفق رأسين بالحلال، لا عندي عيب بشهادتي ولا أي شي يُعرضني للإحراج، وأتقاضى على كل شهادة من 20 إلى 100 شيكل اسرائيلي "5 إلى 20 دولار أمريكي"، والميزانية تختلف من طبقة لأخرى، حسب كرمه أو حسب وضعه، وإذا أحسست أنه وضعه المعيشي صعب، فسوف أتكفل بالشهادة مجاناً لوجه الله، فليس هناك خسارة، بل ربحت محبة الناس وربحت ثواباً عنهم".

وتتم إجراءات بيع الأراضي في فلسطين في "دائرة تسجيل الأراضي"، ويُمنَح للشاهد هنا مبلغاً بالدينار الأردني غالباً، لأن بيع العقارات في فلسطين تتم بالدينار، وقد تصل مكافئة الشاهد هنا لمبلغ يفوق ما يتقاضاه شاهد الزواج والطلاق والوراثة، بحسب من تحدثوا لرصيف22.

"مكافئة الشاهد في بيع الأراضي تفوق ما يتقاضاه شاهد الزواج في غزة".

وتتم المعاملات في غزة بعدة عملات دولية، أولها الشيكل الإسرائيلي، الجنيه المصري، الدولار الأمريكي، اليورو الأوروبي والدينار الأردني، وذلك لعدم وجود عملة فلسطينية، نظراً لمنع إصدارها من سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

ويقول محمد سامح من غزة، لرصيف22: "تقاضيت في شهر مايو لعام 2020 مكافأة خمس شهادات على بيع أراض وممتلكات، وكلاً منهم حسب وضعه المادي، فنحن لا نجبرهم على المبلغ بل نترك الخيار لهم، تقاضيت عليهم جميعا 160 ديناراً أردنياً، ومثل هكذا مبلغ كنت أتقاضاه خلال عملي عاملاً في مصنع للشيبسي على مدى شهر كامل".

شهادات أخرى مقبول بها قانونياً في فلسطين، وهي شاهد على الكفالات العدلية، كأن يحضر شاهد بمقابل مادي للإدلاء بشهادته على الكفيل الذي يتكفل بأن يتحمل مسؤولية تاجر أخلف بوعوده مع تاجر آخر، أو على شخص تكفل بتحمل مسؤولية شخص أخذ دين من شخص إذا لم يوف بدينه في التاريخ المحدد.

شهادة الزور في فلسطين

ويشاع أنه في مدينة غزة بالتحديد، يصعب الإتيان بشهود زور، نظراً لليقظة الأمنية فيها، لكون غزة منطقة صغيرة بحجم شارع من شوارع القاهرة، ما يسهّل على القوات الشرطية ضبط الأمن فيها، ولكن مؤخراً، كُشف عن أحد كبار المحامين الذي خلص عدداً من تجار المخدرات من عقوبة السجن، نتيجة اعتماده على "شهود الزور"، مثل المحامي (ع.ش)، لتتوجه قوات الأمن الداخلي لاعتقاله من مكتبه وشهود الزور، كما يوضح زميله المحامي (أ.أ) في تصريحات لرصيف22.

"تقاضيت في شهر مايو لعام 2020 مكافأة خمس شهادات على بيع أراض وممتلكات، ما يتقاضاه عامل كأجرة شهرية في مصنع شيبسي"

ويروي المحامي أمجد دلول، لرصيف22، عن أهم قضايا شهادة الزور التي وصلت له: "فتاة طالبت بحقها من الورثة من إخوتها بعدما توفي والدها، لتتفاجأ بأن إخوتها أحضروا معهم شاهداً إلى المحكمة بأن الورثة قد توزعت على الأبناء قبل وفاة والدها، وأن الفتاة أخذت حقها نقداً بما يعادل قيمة الورثة من الأراضي التي عليها نزاع في القضية، حيث لجأت إليه الفتاة لتقديم شكوى على (شاهد زور)، لتبدأ الإجراءات القانونية بعدما تم التحقيق معه والاعتراف بأنه تقاضى مبالغ مقابل شهادته زوراً".

ويبين المحامي دلول، بأنه بموجب قانون العقوبات الفلسطيني من المادة 117، فإنه يعتبر شاهد الزور أو من مول شهادته وأغراه عليها، قد ارتكب جريمة جنائية، سُميت بـ"جناية شهادة الزور"، وقد نصت المادة 118 على عقوبة بالسجن لمدة 7 سنوات، لكل من وقع في جناية من المادة السابقة، سواء أكان شاهداً أو من أغرى شاهداً على قول الزور، كالمجني عليه أو المحامي.

ويذكر أن الشريعة الإسلامية صنفت "شهادة الزور" ضمن "الكبائر الثلاث"، الأكثر تحريماً بعد الشرك بالله وعقوق الوالدين، واعتبرتها أكثر أنواع الكذب ظلماً، وأشدها عقوبة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard