"كأنها مؤامرة"... عودة الحياة في الأردن لا تشمل "حياة الليل" والموسيقى الحيّة

الخميس 11 يونيو 202002:44 م

"ما هو أكثر شيء ألحق بك الضرر؟"، سألت خلال إعدادي لهذا التقرير العازف على آلة الدرامز، علي الفني، في سياق الحديث عن تدهور الحالة الموسيقية في الأردن اليوم، وفي صيف هذا العام على وجه الخصوص، من جراء تبعات أزمة كورونا، أجاب: "أكثر ما ضر بي أنني اشتقت أن ألعب موسيقى".

صحيح أن علي الفني والكثير من الموسيقيين والعاملين في قطاع الموسيقى، وتحديداً الموسيقى الحية، مثل غيرهم من عاملين/ات في جميع القطاعات في الأردن، تضرروا من القيود والممنوعات التي فرضتها تطورات فيروس كورونا، لكنه يعتبر أن القطاعات العمالية الأخرى لا تعاني ما يعانيه القطاع الموسيقي الأردني اليوم.

مشيراً إلى أن القرارات الحكومية الأردنية الأخيرة سمحت بالعودة إلى ما يشبه الحياة الطبيعية بعد غياب ثلاثة شهور، لكنها لم تشمل، وإن بطريقة غير مباشرة، عودة الحفلات الموسيقية على المنصات الصغيرة في البارات والديسكوهات التي تقع تحت مظلة "المطاعم السياحية"، والتي من الصعب أن تعود، ذلك لاصطدامها بواقع القرار الحكومي الذي يشترط عودة الحياة إلى طبيعتها حتى الساعة الحادية عشر من مساء كل يوم.

يقول علي، وهو يعزف مع أكثر من فرقة موسيقية أردنية، إن الضرر الذي لحق بالفرق، وحتى الموسيقيين المنفردين الذين يعتاشون من لعبهم على الموسيقى، لم يطالهم وحدهم، بل أيضاً طال الأماكن التي تستقبلهم وزبائن تلك الأماكن، والذين هم غالباً من محبي هذا النوع من النمط الحياتي الذي يقال عنه "حياة الليل"، فمثلما يوجد من يفضل حياة المقاهي والأراجيل التي سمحت الحكومة بعودتها، هناك من يفضل ارتياد الأماكن والمطاعم التي تقدّم موسيقى حية.

وقارن بين الحالة الموسيقية اليوم ووضعها في الصيف الماضي: "المفارقة، أن الفرق التي أعزف معها كانت محجوزة منذ الصيف الماضي حتى شهر أيار/ مايو من العام الحالي، واليوم حفلة واحدة لم يعد باستطاعتنا إحياؤها، خصوصاً وأن القرارات الحكومية أغلقت علينا الباب الساعة الحادية عشرة مساء"، لافتاً إلى أنه وفي ظل المطالبات بحماية أغلب القطاعات العمالية من خطر التدهور الاقتصادي، إلا أن هناك غياباً للمطالبة بحماية الحالة المعيشية للموسيقيين/ات الأردنيين/ات.

"أكثر ما ضر بي أنني اشتقت أن ألعب موسيقى"... موسيقيون/ات وعاملون/ات في القطاع الثقافي الأردني وكذلك أصحاب مساحات موسيقية في عمّان يتحدثون لرصيف22 عن عودة الحياة إلى "طبيعيتها" ما بعد كورونا، ما عدا "حياة الليل"

"لم تعد حيّة أبداً"

وكأن هناك "مؤامرة على الموسيقى"، بحسب تشبيه لبنى جقة، في حديثها لرصيف22، وهي ناشطة في القطاع الثقافي والإدارة الموسيقية في الأردن، والتي تعتبر أن الموسيقى الحية في الأردن "لم تعد حية أبداً" اليوم، جراء القيود التي فرضتها أزمة فيروس كورونا من جهة، وعدم شمول القطاع الموسيقي لقرارات الحكومة في العودة للحياة الطبيعية من جهة أخرى.

وتضيف لبنى: "الأخطر اليوم أننا عدنا لنقطة الصفر، في ظل عودة فكرة أن الموسيقى ببلاش"، هذه الفكرة التي عادت بلورتها بعد انتشار الحفلات الموسيقية الحية على المنصات الإلكترونية خلال فترة حظر التجول، والتي كانت غايتها في البداية كسر ملل الحجر، وليس العودة إلى اعتبار الموسيقى وسيلة ترفيهية، ومحو الشوط الكبير الذي قطعه عاملون في القطاع الموسيقى في الأردن، لإثبات أن الموسيقى فن راق له مكانته وله حقه أيضاً، فالموسيقيون يتعلمون ويجتهدون ويخوضون معارك حياتية كبيرة، ومن حقهم أن يتقاضوا أموالاً على ما يقدمونه من عمل".

"عندي علامة استفهام حول عدم شمول الموسيقى الحية في القرارات الحكومية"، تتابع لبنى، معتبرة أنه كان من الأولى أن تحرص الدولة على إعادة فتح المساحات الثقافية والموسيقية، وتسهيل عودة انتعاشها من جديد.

"من حقّ الموسيقي أن يحصل على مقابل مادي"

وتتحدث ميس السهلي، وهي ناشطة في العمل الموسيقي، لرصيف22 عن النقطة التي ذكرتها لبنى جقة، حول خطر عودة مفهوم "موسيقى ببلاش"، لافتة إلى أنه وفي بداية حظر التجول، شهر آذار/ مارس الماضي، أسست هي ومجموعة من العاملين/ات في القطاع الموسيقي، مبادرة "لايف ميوزك"، وتتابع: "وذلك بهدف كسر ملل حظر التجول لدى محبي الموسيقى، والحفاظ على استمرار العلاقة بين الموسيقيين/ات ومستمعيهم/ات، وقدموا خلال شهر كامل عروضاً مباشرة، كانت تستمر من 4-5 ساعات يومياً، من طرب وأغاني كوفر وأصلية وغيرها من أغان وأنواع موسيقى، لكن للأسف تحولت الغاية من تلك المبادرة إلى استغلال من قبل بعض الجهات، للاستفادة مما نقدمه بـ "بلاش".

"من حق الموسيقي أن يحصل على مقابل مادي لجهده وتعبه"، تقول ميس، لافتة إلى أن مبادرة الموسيقى المباشرة "لايف ميوزك"، تم إيقافها خوفاً من العودة إلى المربع الأول، بأن الموسيقى ترفيه وعادي أن تكون ببلاش، والخوف أكثر، كما تشير إليه، أن يتم استغلال حاجة الوسط الموسيقي للعودة من قبل جهات ومنظمات، الأمر الذي يجعل الموسيقيين تابعين وليس مستقلين فنياً.

"رح أحكي عنه لأولادي"

"هل ستنسى هذا الصيف"؟ سألت خلال إعدادي لهذا التقرير أحد أصحاب البارات الذي يديره تحت اسم مطعم سياحي في العاصمة عمّان، وهو برج الخصاونة، الذي أجاب بدوره: "هذا الصيف رح أحكي عنه لأولادي".

برج الخصاونة والمحل الذي يديره، واحد من كثيرين ممن يديرون أماكن تحتضن الفرق الموسيقية والموسيقيين المنفردين، كما تستقبل محبي هذا النوع من النمط الحياتي، يقول وهو يقارن الحالة بين اليوم والأمس: "من المحزن المقارنة أصلاً، فاليوم هناك شبه استسلام لحقيقة أن صيف 2020 لن يكون مثل السابق ولا اللاحق أيضاً، فالفوضى الجميلة التي كانت تضج بالمكان الذي أديره اختفت هي وأصحابها"، وعندما سألته من هم أصحاب هذه الفوضى التي وصفها بالجميلة؟ قال: "الزبائن أنفسهم، الذين كانت تعلو ضحكاتهم على أصوات الدي جي وأصوات آلات عزف الموسيقيين، الذين كانوا يعتبرون محلي محلهم، غير مكترثين بنوعية المشروبات التي نقدمها ولا ديكور المكان، بقدر اكتراثهم بالتناغم بينهم وبين الجو العام في المكان".

ولفت الخصاونة إلى أن الضرر المادي من جراء ما يحدث مع أماكن "حياة الليل" في عمّان لا تقتصر على أصحاب هذه الأماكن والفرق التي تلعب فيها موسيقى، بل بالموظفين أنفسهم، الذين هم غالباً من فئة طلاب الجامعات الذين يصرفون على أنفسهم، وأحياناً كثيرة على عائلاتهم ميسورة الحال.

 إن الضرر المادي من جراء ما يحدث مع أماكن "حياة الليل" في عمّان لا تقتصر على أصحاب هذه الأماكن والفرق التي تلعب فيها موسيقى، بل بالموظفين أنفسهم، الذين هم غالباً من فئة طلاب الجامعات الذين يصرفون على أنفسهم، وأحياناً كثيرة على عائلاتهم ميسورة الحال

لم يتوقف هاتفه عن الرنين

وهو ما يتفق معه سعد دروزة، الذي يدير مطعمين سياحيين وبار، خلال حديث معه لرصيف22، والذي اعتبر أن الضرر الحالي يمس "باكيج" كامل، من موسيقيين وأصحاب مطاعم وبارات وموظفين وزبائن أيضاً، ويقول: "ما يميز البار الذي أديره أنه بار موسيقي، وفي السابق كانت تقام فيه حفلات موسيقية ثلاث مرات في الأسبوع، منها الجاز أوريجينال وحفلات ارتجالية تضم فرقاً مختلفة، كل منها تعزف وتغني على طريقتها، حتى أن المسرح الصغير في البار كان بمثابة فضاء تدريبيّ لموسيقيين".

"اشتقنا للموسيقى"، أكثر عبارة يسمعها سعد دروزة بحسب قوله من قبل زبائن محله، لافتاً إلى أنه وفور إعلان الحكومة عن فتح أغلب القطاعات، لم يتوقف هاتفه عن الرنين من زبائن اشتاقوا للموسيقى الحية، بعد غياب ثلاثة شهور عنها، ونفى ما يشاع عن أن هناك بارات ونوادي ليلية احتالت على القرار الحكومي الذي فرض انتهاء التجول الساعة الحادية عشرة مساء، من خلال إقامة حفلات "أندر جراوند" في الساعات المسموح فيها التجول، وقال: "أنا في هذا المشهد، ولو فعلاً ما يشاع صحيح كنت قد سمعت عنه، ولو افترضنا أنه صحيح، من سيأتي إلى البار في الصباح وفي ساعات العمل؟".

أي نعم، خلت الأماكن التي تحتضن الموسيقى الحية من موسيقيين/ات ومحبي الموسيقى اليوم في الأردن، وخصوصاً في العاصمة عمّان، وسببت حالة اشتياق لها من قبل روادها، لكن لعل المقاهي التي تتنفس اليوم برائحة زوارها، تخفف من حدة الشوق بين موسيقيين وأصدقائهم ممن حرموا من جلساتهم على مدار ثلاثة شهور، وأصبحت تجدهم اليوم مجتمعين في مقاهي اللويبدة، جبل عمّان ووسط البلد، ربما تكون خطط لحفلات موسيقى حية، قد تحجز لها تاريخاً في يوم ما كعنوان لجلساتهم/ن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard