المراحيض العمومية… صورة تمثيلية للمجتمع

السبت 6 يونيو 202003:38 م

من منّا لم يتفاجأ خلال أحد مراحل دراسته بجداريات مراحيض المدرسة، والتي يشكل الجنس موضوعها الرئيسي، سرعان ما سنكتشف وجود هذه الجداريّات في كافة المراحيض العامة: مراحيض السينما، مراحيض الجامعات، ومراحيض استراحات محطات الباص بين المدن.

سمعت تعليقات كثيرة على هذه الظاهرة، يرى أغلبها أن الكبت الجنسي هو الدافع وراء هذه الكتابات، ويذهب تفسير آخر إلى أن الاستبداد وتقليص مساحات التعبير هو الدافع الرئيسي وراءها، في مناقشتي لهذه الظاهرة في السطور التالية، سأقتصر على المراحيض العامة المخصّصة للذكور من خلال ما شاهدته في سوريا، وذلك لجهلي بطبيعة الكتابات الموجودة على جدران مراحيض الإناث.

إن المراحيض العامة، حسب ما يستتبع اسمها، فضاء عام مشترك، لكنّ عموميّة هذا الفضاء تنطوي على مفارقة كبيرة، تفصله عن باقي المساحات العامة ذات الاستخدام المشترك، مثل الباصات والمقاهي والمتنزّهات، فهو رغم أنه عامٌ، نقوم فيه بأحد أكثر أنشطتنا البيولوجية خصوصية وسرية، ألا وهو نشاط التفريغ الحشوي لفضلاتنا، هذا النشاط الذي يتضمّن كشفاً لأعضائنا التناسلية، ولما اصطلح اجتماعياً ودينياً بتسميته بالعورة، إنه فضاء عام ومع ذلك لا يشاركه الإنسان مع غيره، كما نفعل في الباص حيث نقف سويّة، أو حين نتجالس في المقهى وندردش ونحتسي مشروباً ما، إنه مكان معزول، فأنت تغلق الباب وراءك وتنفصل عن المحيط، ما يؤهله أن يكون أيضاً مساحة للخلوة مع النفس، ففيه يفرغ الناس أحشاءهم، وينسون هواجسهم لحين، وفيه يستمني المراهقون والشباب، ولأنه مساحة خلوة فريدة، يترافق استرحاض الناس في بيوتهم مع قراءة الجريدة، شرب القهوة الصباحية أو تدخين سيجارة، فيغدو المرحاض مكاناً يمنح المتعة والراحة. وفي الحالة الوحيدة التي يقوم فيها الذكور بممارسة الاسترحاض سوية، حين يقفون أمام المباول الجماعية، يمسك الجميع بعضوهم التناسلي، متجنّبين أي تواصل بصري، وتبدو وجوههم خالية من أي تعبير، كأنهم يخشون التواصل أثناء لمس هذا الجزء الحميم من أجسادهم.

ولأن تقسيم المرحاض قائم أصلاً على أساس الجنس، وتحديداً اختلاف الأعضاء التناسلية، ولأن هذه الأعضاء تنكشف أثناء عملية التفريغ، يكون هذا الفضاء العام/الخاص مشحوناً بكل حمولات الجندر الاجتماعية، ومحملاً بكل المكبوتات المرتبطة بالجنس، فمثلما يحدث التفريغ الحشوي، يحدث أيضاً تفريغ للمكبوتات التي يطغى عليها الجنس بسبب طبيعة المكان، وبسبب البيئة القهرية التي تعيق التعبير عنها.

من جهتي، أرى التفسير الفرويدي القائل بأن ثمة ميلاً موروثاً منذ أن كنا أطفالاً رُضّعاً لتلويث المحيط ببرازنا محدوداً وقاصراً، وأميل إلى الركون إلى مقولة تفسيريّة مفادها: إن المرحاض مكان آمن نسبيّاً، معزول ويتسّم بشيء من الحرية، وهذا ما يطلق مكبوتات الجسد والروح، إضافة إلى أنه مكان يتسم بالقذارة، وهي ذات القذارة التي ترتبط في الذهنية الجمعية بالجنس والمحرّم، القذارة التي تمنح متعة التفريغ في كلتا الحالتين، أية مفارقة هذه: ارتباط خفي سريّ لا نصارح حتى أنفسنا به: القذارة والمتعة.

في الحالة السورية، كنا نجد أحياناً في المراحيض غير المدرسية شتائم سياسية خجولة، تخصّ الخدمات العامة، مثل شتم المسؤول عن مديرية الكهرباء بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، لكنها لا تتعدّى ذلك إلى مطالب سياسية مباشرة مثل الديمقراطية والحرية

وإن فحصنا مضمون الكتابات الذكورية في المراحيض، لوجدنا الجنس هو العنصر الطاغي فيها جميعاً، مثال ذلك: رسم العضو الذكري منتصباً يلج أنثى بأوضاعٍ مختلفة، مثبتاً القوة الذكورية ومعوّضاً شعوراً بالعجز، لأن الجنس المنتظم الطبيعيّ أمر غير شائع في مجتمعنا، خاصة لمن هم في سن المراهقة، فنجد مثلاً أن هذه الفحولة المقهورة تتجه في المدارس الإعداديّة والثانوية نحو إحدى المدرّسات المثيرات برسمها على الجدار، وكأن الرسم يحقق حلماً مكبوتاً: كأنه امتلاك.

كما أنّ المضمون الجنسي الجداري هنا يرتبط بالمفهوم الاجتماعي السائد الذي يرى الجنس فعلاً فضائحياً ومهيناً، خاصة للأنثى، المفعول بها، يظهر هذا عادة حين يرسم تلامذة المدارس أحد الموجّهين المدرسيّين القساة، مع إحدى المدرِّسات في وضعية جنسية، إنها مفارقة مبكرة تنمّ عن تشرُّب المراهق للحسّ الجمعي المشترك عن الجنس: إنه شيء مرغوب مشتهى، ولكنه قذر ومهين للأنثى، وفاضح للرجل، لذلك يقوم الطالب بتحقير الموجّه القاسي والانتقام منه، إما بمثل هذه الرسومات أو كتابة سلسلة من الشتائم، غالباً ما تخص أمه وأخته.

وفي باقي المراحيض غير المدرسية نجد أيضاً رسومات جنسية تختلف قليلاً في موضوعها، كما نجد قصصاً جنسية مكتوبة، يركز بعضها على جنس المحارم (خاصة العمّات والخالات موضوع الشهوة الأولى على ما يبدو)، وأحياناً أخرى نجد رقم تلفون مدوّن لشخص مثلي جنسياً يبحث عن شريك، وإن خرجت الكتابات عن إطار الجنس، فستتحدث عن فريق كرة القدم المفضل، بطل الأبطال، وغالباً ما يستتبع ذلك ردوداً مكتوبة من الفريق الخصم ومن أنصار الفريق ذاته شجباً ومناصرة، وفي الحالة السورية، كنا نجد أحياناً شتائم سياسية خجولة، تخصّ الخدمات العامة، مثل شتم المسؤول عن مديرية الكهرباء بسبب الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، لكنها لا تتعدّى ذلك إلى مطالب سياسية مباشرة مثل الديمقراطية والحرية.

عدا عن هذه الثيمات، الثيمة الأكثر شيوعاً هي ثيمة العاشق المنكسر، ورغم أن فضاء المرحاض الذكوري فضاء مشحون بالفحولة، لكن انكسار العاشق لا يعني إشهاراً للضعف كما يبدو للوهلة الأولى، فهو أيضاً امتداد لصورة مجتمعية بناها العقل الجمعي تعويضاً عن الفشل في بناء علاقات عاطفية حقيقية متزنة، إنها صورة البطل "القبضاي" الذي يملك، رغم حزمه ورباطة جأشه، قلباً رقيقاً لا تكسره إلا أنثى (صورة الأب الحامي القاسي والمعطاء في آن معاً، وصورة الأنثى الناعمة لكنها تلدغ كأفعى رغم ضعفها)، أوليست هذه الثيمة هي ثيمة النسبة الساحقة من أغانينا العاطفية منذ زمن بعيد؟ وهي ذاتها ثيمة معظم المسلسلات المدبلجة التي تلقى الرواج الأكبر؟ إنّ القوة القضيبية تتجسّد في هذا العاشق الفحل الذي كسرت قلبه أنثى.

 إن المجتمع الذي يستولي على أفراده ويسلبهم روحهم وجسدهم لصالح نظم دينية واجتماعية واستبدادية قهرية، لا يترك مساحات لتحقيق الذات والتعبير، وحتى للتنفيس، فمن الطبيعي أن تنفجر هذه الرغبات على جدران المراحيض والجدران العامة

وفي كل المراحيض العامة، يكون الفاعل فرداً يستهدف باقي الجمهور من ذات الجنس، وغالباً ما يتفاعل الجمهور المتلقي إيجابياً مع كل ما هو جنسي، ويكون الصراع والخلاف على باقي المواضيع، مثل مثالنا السابق عن فريق كرة القدم المفضل، لكن توجد أيضاً تعليقات من نوع آخر تترفّع عن الموضوع مثل : "شعب مكبوت مكانه المراحيض"، يعكس هذا التعليق أيضاً آلية نفسية شائعة نسبياً في مجتمعات الشرق الأوسط، وهي الترفع عن مواضيع الجنس، سواء بادعاء التحرّر أو تجاوز باقي البشر المكبوتين والقرف منهم، وهذا ما نجده مثلاً لدى نسبة من المثقفين العلمانيين والليبراليين من الجيل القديم، أو الترفع على أساس ديني تحريمي، وهو نمط شائع أيضاً لدى المتدينين، وفي حالات أخرى على أساس تبنّي نمط رومانسي حالم يترفع عن الجنس ويصفه بالحيوانية، وفي كل الحالات، نحن نترفع عن شيء غريب عنا لا نعرفه ولا نمارسه، نترفع عن حرماننا!.

ورغم أن ظاهرة الكتابة على المراحيض العامة تكاد تكون عالمية، إلا أنها تختلف نسبياً في طبيعة محتواها، وفي كثافة مكونات المحتوى وأساليبه التعبيرية من مجتمع لآخر، كما تختلف طرق تفاعل الجمهور المتلقي معها، لكن في كل الحالات، يكون المرحاض صورة تمثيلية للمجتمع، إن المجتمع الذي يستولي على أفراده ويسلبهم روحهم وجسدهم لصالح نظم دينية واجتماعية واستبدادية قهرية، لا يترك مساحات لتحقيق الذات والتعبير، وحتى للتنفيس، فمن الطبيعي أن تنفجر هذه الرغبات على جدران المراحيض والجدران العامة، وفي جلسات المسايرة الذكورية الشهيرة شعبياً، حيث لا حرج من سرد بطولات كاذبة ومغامرات في الجنس وسواه ( الشطح حسب التعبير العامي الشعبي)، إنه مجتمع القهر يبني مراحيضه، فلا عجب ولا غرابة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard