حرية التعتير… أي الكتابة في الشأن السوري

الجمعة 29 مايو 202001:26 م

ما نقولُه يفصح عن مكنوناتنا في الأصل، مع الوقت والخبرة نتعلم إخفاء أو تلوين ما نكنّه أو نشعره، من جهة، هذا أحد أشكال الفصام السوري بشكله العام.

معاذ الله من القصد أننا نكذب فيما نقول أو نكتب، لكننا نلوّن الكلام بما يبعده قليلاً أو كثيراً عن معناه المباشر، غالباً بمحاولة التهرب من تكرار المضامين بتجديد شكلها، والحال أننا عندما نتحدث عن المأساة السورية من داخلها، ثمّة حاجز يفصلنا عن خارجها، ربّما يعود ذلك إلى عقدة الدونية العميقة في خساراتنا المتراكمة، وأيضاً إلى إحساسنا بالهامشيّة تجاه العالم المنشغل أبداً بصراعاتٍ متنوعة، تجعلنا مجرّد حوادث عارضة في سياق قديم مكرور. تقريباً نشعر، حتى عندما نصعد على خشبة المسرح، أننا مجرد كومبارس يسهل استبداله وربما إلغاؤه.

منذ فترة قريبة، سألت أحد الناشطين الناجين بأجسادهم من أهوال الغوطة قرب دمشق، وهي كانت خارج السلطة الأسدية لسنوات، قبل أن تُعاد إلى السجن الكبير: "ما لذي يمنعكم من الحديث عن تجربتكم المرهقة في حصاركم المرهق؟" أجابني بحسرة ودقّة: "نشعر أننا لسنا سوى مادّة لاستثمار القوّالين والكَتَبَة".

القول و الكتابة فعلا وجود، بالنسبة للسوريّ هما بمثابة أن يقرص المرء جلده.

لماذا؟ ولمن يكتب السوري اليوم؟

لعلّ أوّل التحريض في دراسات الجدوى يدور حول الشرائح المستهدفة/الزبائن، ويجدر الذكر هنا في حالة الكتابة في سوريا، أن استخدام مفردات من مثل "زبائن/ سوق/ استهداف" تغمز من قناة نخبوية الكتابة، ويبدو لي أنّ "سوق القراءة" في هذا البلد ضعيف للغاية بدلالات رقمية تجعله في قائمة "الأضعف"، وبذات الوقت تسهم الإحصاءات الرقمية بتنميط أشمل لفكرة الضعف هذه، كما ترسخ فكرة الكسل في مضمار الأمم الخاملة، خمول سوق القراءة سيجعل صنعة الكتابة تزدهر كمّاً باطرادٍ مع ضآلة النوعية.

القول و الكتابة فعلا وجود، بالنسبة للسوريّ هما بمثابة أن يقرص المرء جلده، وإذا حصل أن وثقنا لوجودنا الفيزيائي سنتجرّأ على الخطوة التالية، ونَصفُنُ طويلاً في "لماذا"نا تلك، إن لم نتسرّع بالإجابة الحاضرة أزلاً: "لأجل الحقيقة"، لكننا سننصدم بالضرورة تكراراً، بأنّ الحقيقة ليست البضاعة الرائجة في سوق الزبائن المُستهدفين، عموماً نستسلم نسبيّاً لهذه الفكرة الرائجة، وبذلك نحتاج إلى الترويج أكثر ببهرجات متنوعة لعبورنا المؤقت في الأسواق العالمية، والزبون الذي "هو على حقّ دائماً" سيأكل التسعة ليشتري العشرة، أو سيدير ظهره لبضاعتنا بكل خفّة وانسياب، ملوك اللعبة السياسية سيختزلوننا إلى مجرد بقعة جغرافية "ليس فيها سوى الرمال والموت"، كما صرّح الرئيس الأمريكي ترامب منذ فترة ليست بعيدة، وقبله أوباما الذي اختزل المعارضة السورية بـ"مزارعين وأطباء أسنان"، نشتدّ انغلاقاً ونكتفي بنفض الغبار عن بضاعتنا، ونتسلّى بالتنافس مع أبناء الكار… كارنا.

مع التمييع المستمر لقضيتنا، غدونا نشك فيما نقول، وتبعثرت وجهات النظر للمسألة، مسألتنا، بتنا كأبناء جيراننا الفلسطينيين في بعثرتهم، الفيزيائية منها والمعنى "المكركب" للقضية ذاتها.

منذ فترة قريبة، سألت أحد الناشطين الناجين بأجسادهم من أهوال الغوطة قرب دمشق، وهي كانت خارج السلطة الأسدية لسنوات، قبل أن تُعاد إلى السجن الكبير: "ما لذي يمنعكم من الحديث عن تجربتكم المرهقة في حصاركم المرهق؟" أجابني بحسرة ودقّة: "نشعر أننا لسنا سوى مادّة لاستثمار القوّالين والكَتَبَة"

أشكال وألوان للقول والكتابة

باستثناء ما قيل وأُنتج عن الحرب العالمية الثانية، تكاد ساحة الصراع السورية تطفح بما كُتب عنها، يُضاف إلى هذا الناتج المهول في ظلّ الثورة الرقمية انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي لعبت أدواراً متناقضة، فبقدرٍ متوازٍ تقريباً انتشرت أخبار كما انتشر تكذيبها، وتحليلات بكميات تعصى على الحصر والإحصاء، برزت بعض نتائجها في تناقضات متشعبة وتمييع متعمّد. في بدايات الأمر، كان المستهلك المتبضّع من هذا الإنتاج الضخم لوسائل الإعلام وأدوات التواصل ما يجعله يفرك يديه انتعاشاً للوفرة الهائلة في "المعلومات"، ثم لا يلبث أن يحسّ بالخذلان لرداءة المُنتَج، ناهيك عن الفيض الكبير، ما يستدعي الحاجة إلى الفلترة، وهذه العملية الأخيرة إن تمّت بما يتوافق مع الحقيقة، جزئيّاً أو كلّيّاً، ستحوّل المعلومات إلى مجرّد أدلّة أو براهين للعمليّة لأحكام مرجأة بطبيعة الحال، ويبقى القلق على مصائرنا سيّد الأحكام.. ننتظر لا شيء.

من الفلترة إلى التمييع

اتفق القُرَيشيّون قُبيل الإسلام على تمييع حق الرد عندما اتفقوا على توزيع الثأر لدم محمّد، أن يضربوه "ضربة رجل واحد ليتفرق دمه بين القبائل"، وفي بواكير الثورة السورية، قال وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم: "سنغرقهم في التفاصيل"، لم تكن حكمة "الوزير" تلك إلّا من قبيل تهديد سمكة بإغراقها في الماء.

تفاصيل محلية/ تفاصيل إقليمية/ تفاصيل عالمية

قديماً قالوا في بعض أنواع الفنون: "الإغراق في المحليّة هو أحد الطرقات للوصول إلى العالمية"، لكنّ تلك "الموضة" القديمة جعلتنا نكتشف كسوريين أننا لسنا في "قرية" صغيرة كما يحلو للأقوياء توصيف العالم، في ظلّ تفوّق التكنولوجيا، صحيح أننا كنّا نملأ الأخبار العالميّة ضجيجاً، لكننا الوحيدون الذين ننام دون عشاء. لوهلة شعرنا أننا كأمثالنا من أبناء جلدتنا، ثم استيقظنا على كوابيس أضغاث أحلامنا.

آنا فرانك وعائلتها والملايين من ضحايا النازية، كانوا عربوناً شديد القسوة ليدخل كتيّب مذكراتها التاريخ، أحياناً أشعر بمرارة القسوة أكثر عندما أسأل نفسي: "هل حظّنا من التاريخ أن تكون مقتلتنا على يد ديكتاتور وضيع؟ وليس مشهوراً كهتلر وموسوليني؟"

آنا فرانك

في ساحة صغيرة وسط العاصمة الهولندية أمستردام، جمعتنا مصادفات متراكبة مع البعض من أبناء جلدتنا السوريين، وبضعة أنفارٍ من مناصري قضيّتنا، للتظاهر بحثاً عن العدالة، كنت ألحظ رتلاً بشريّاً بالقرب منّا، لحقت الطابور ذات مرّة لأصل إلى وجهته، كان ذلك المكان هو منزل/ متحف آنا فرانك، تلك الصبية الصغيرة (توفيت بعمر 15سنة في 1945)، والتي كتبت مذكرات يومية في مخبئها السري، عندما كان النازيون يعيثون قتلاً في الأرجاء، وفي كلّ مرة كنتُها هناك، تصفعني الحسرة على مقتلتنا المحليّة دون أن يجدينا القول أو الكتابة، وحتى الصراخ، حظّنا في مصيرنا الذي لم نعد نعرف حقّاً أين يسير بنا. آنا فرانك وعائلتها والملايين من ضحايا النازية، كانوا عربوناً شديد القسوة ليدخل كتيّب مذكراتها التاريخ، أحياناً أشعر بمرارة القسوة أكثر عندما أسأل نفسي: "هل حظّنا من التاريخ أن تكون مقتلتنا على يد ديكتاتور وضيع؟ وليس مشهوراً كهتلر وموسوليني؟".

محرقة القرن الجديد

نميل، نحن أبناء المبالغات والمجاز في الشرق، إلى اعتبار المقتلة السوريّة مأساة العصر، بل وأننا أحياناً ندافع عن صدارتها في المأساوية بين جيراننا وآخرين، إلى درجة الاحتجاج والغضب من مقارنة مآسي الآخرين بمأساتنا، يفضح تلك النرجسية المتأصلة فينا أمثلة شهيرة في ذاكرة تراثنا الذي نتشبّث به كأحد عناصر هويتنا، بأقوال من مثل: "نحن أناس لا توسط بيننا… لنا الصدر دون العالمين أو القبر" أو كمثل القول: "وإني لمن قوم كأن نفوسهم… بها أنَفٌ أن تسكن اللحم والعظما"، لكن التقديم في هذه الفقرة ليس من أجل تخفيف المصيبة أو السخرية منها، فالحال أنّ كارثة السوريين ليست قطعاً بمثل هذا التبسيط والاختزال، فيما لو استطعنا وضعها في السياق التاريخي للتأهب، على الأقل، للخروج من براثن هذه الصدمة الحضارية التي تسكننا، حيث نفتقر حتّى لأدوات فهم العالم من حولنا، فمن ذا الذي يستطيع إقناع سوريّ أنّ حريّة التعبير تختلف عن حريّة التعتير؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard