"ما المشكلة بالتوسل إلى الله عن طريق محبوبه؟"... صوفيون في الأردن يتحدثون عن صلواتهم

الخميس 28 مايو 202010:55 ص

من الذي "يمون" على الله أكثر، نحن أم حبيبه المصطفى؟ تتساءل نهى (اسم مستعار)، صوفية من الأردن، حرصت على عدم ذكر اسمها، لأنه يكفيها ما تتعرض له هي وغيرها من المتصوفين من هجوم وانتقاد، بحسب قولها.

تعود نهى وتسأل سؤالاً آخر خلال حديثها لرصيف22: "ما المشكلة بأن نتوسل إلى الله عن طريق محبوبه؟"، سؤالان طرحتهما رداً على سؤالي في إعداد هذا التقرير، حول الغاية من وجود صيغ وعبارات يستخدمها صوفيون في الصلاة على النبي، مختلفة عن الصلوات عليه بالطرق المعتادة لدى المسلمين؟ فبحسب جوابها: "لأن النبي محمد يمون على الله أكثر، لذلك وضع الأولياء الصالحون عبارات مختلفة ومتنوعة للصلاة عليه، علّها توصل الناس من خلالها لاستجابة إلهية لأدعيتهم".

من يتتبع المناسك والعبادات التي يمارسها المتصوفون، لاسيما العرب منهم، يلحظ أنهم يصلون على النبي صلوات مختلفة عن المعتاد لدى عامة المسلمين، ففي الوقت الذي تكون الصلاة على النبي مثل الصلاة الإبراهيمية في الصلوات الخمس، أو مثل ما هو متعارف بالقول فقط: "اللهم صل على سيدنا محمد"، فلدى المتصوفين صلوات على النبي قد تتجاوز الثلاثين صفحة، مثل "الصلاة الجامعة" أو صلاة المقاصد، بحسب ما يطلق عليها المتصوفون.

وعلاوة على أن "النبي محمد يمون أكثر من أي عبد على الله"، بحسب قول نهى، فإن "التفنن" بالصلوات على النبي، بحسب قولها، فيه أسرار لا يعرفها أي إنسان، "مثل النبي محمد نفسه، فهو سر لا ينفك إلا يوم القيامة"، لافتة إلى أن هذا السر تظهر عظمته في الأثر الذي تخلفه الصلوات على النبي بالطرق الصوفية على صاحبها، خصوصاً إذا تلاها وهو مقتنع بها، وعلى يقين أنها طريقة عظيمة للاتصال بينه وبين ربه.

"نعم تختلف الصيغ، لكنها جميعاً صلاة على حبيب الله"، تقول نهى، وطرحت مثالاً من الصلوات على النبي لأجل تيسير الأمور، تقرؤها على من يزرنها من فتيات يواجهن مشاكل في الحياة: "اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله، صلاة تحل بها عقدتي وتفرج بها كربتي وتنور بها ظلمي".

"هل هناك أجمل؟" تسأل نهى وتختم به حديثها.

من يتتبع المناسك والعبادات التي يمارسها المتصوفون، يلحظ أنهم يصلون على النبي صلوات مختلفة عن المعتاد لدى عامة المسلمين، ففي الوقت الذي تكون الصلاة على النبي مثل الصلاة الإبراهيمية في الصلوات الخمس، فلدى المتصوفين صلوات على النبي قد تتجاوز الثلاثين صفحة، مثل "الصلاة الجامعة" أو صلاة المقاصد

نهج يسير عليه المتصوفون

ومن الكتب التي جمعت عدداً من الصلوات على النبي محمد، وفق ما يسير عليه متصوفون، هي "المتمم بأمر المعظم" لناصر الدين عبد اللطيف وناصر الدين الخطيب، والذي يخاطبون فيه "الراجي رحمة ربه"، كما هو مذكور، تلك الصلوات، وبحسب ما هو وارد في الكتاب، من أجل "نيل الفتح الرباني وإزالة الأرق والخوف والوسواس والجهد المعنوي والمادي والتخلص من المشاكل المرئية واللامرئية من سحر أو عقد أو وهم... وغيرها".

كتاب "المتمم بأمر المعظم"، وبحسب حديث الشيخ إسماعيل الهشهش، وهو أحد المتصوفين الأردنيين، هو بمثابة نهج يسير عليه متصوفون، جُمع فيه أكثر من 80% من الصلوات على النبي محمد: "فاضت على ألسنة الأولياء الصالحين والعباد المقربين من رب العالمين من أثر التقوى والمحبة والشوق والذوق، وفيه تقليد مسيرة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام باتباع سننه".

ويعلل الشيخ الهشهش كثرة وجود صيغ للصلوات على النبي محمد لدى الصوفيين، بقوله لرصيف22: "العبد لا يصل إلى المحبة الخالصة إلا بتقليد المحبوب لكي تتجلى فيه صفاته، فتندمج الصفات بالصفات اندماجاً كلياً، فتكون الخلاصة كما جاء في الحديث النبوي: الذين إذا رؤوا ذكر الله".

ويضيف في سياق حديثه عن "عظمة الابتكار والتفنن في الصلاة على النبي"، فإن النبي محمد صاحب الصفات الجامعة المطهرة المنورة، وإذا نظرنا إلى صفاته وأقواله وأفعاله، نجد كل إنسان منا يحب شيئاً فيها، فالمظلوم يحب صفة الإنصاف لدى النبي، ومن هنا تنطلق ألسنة الأولياء في الصلاة عليه حسب الخوض في صفاته وبحر أنواره، عليه الصلاة والسلام".

ويعطي الشيخ الهشهش مثالاً، من تلك الصلوات التي ينصح بها "السادة الصوفية" مثل صلاة للإمام محمد مهدي بهاء الدين الرواس:

"السلام من السلام

الرحمة المخصوصة عليك من ربك يا سيد الأنام الدنيا والدين

يا تاج هامات أساطين النبيين والمرسلين

يا عين الرحمة العامة الخاصة المقترنة مع كل شيء وبكل شيء وهي الأصل في كل شيء".

ويمر الشيخ الهشهش مستبقاً السؤال عن صحة ما يقال إن صيغ الصلاة على النبي التي يسير عليها المتصوفون، بدعة، ويقول: "نردّ على من يتهمنا بذلك بأن الصلاة عليه هي من أصل ديننا، فلو تفننا بالصلاة عليه شعراً ونثراً فذلك من باب أنه أصل ديننا ولأن الله أمرنا بآية (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً)".

جاءت للأولياء عن طريق الإلهام

ورداً على سؤال من أين جاءت الصيغ التي تظهر في صلوات الصوفيين على النبي محمد، يقول الشيخ الهشهش إنها جاءت للأولياء عن طريق الإلهام الذي هو أصل العلم على وجه الأرض، وجاء الإلهام في خلواتهم، حتى أن هناك عبارات وصيغاً تشابهت على ألسنة أولياء، رغم أنهم لم يكونوا يعيشون في نفس البلد أو المدينة، لكنها تشابهت بسبب توارد الخواطر في الإلهام، مثل التشابه في نصوص دعاء "الحراسة" لكل من الإمام أحمد الرفاعي والإمام عبد القادر الجيلاني.

ويختم حديثه عندما تطرقنا إلى الأعداد التي يستخدمها المتصوفون خلال صلواتهم على النبي، فيقول: "العدد في الذكر من أصل الدين ومن التشريع النبوي، مثل التحميد والاستغفار 33 مرة بعد الصلوات، لكن الأعداد فيها سر لا يسأل عنها، لأن هناك أوامر توقيفية في الشريعة لا تسأل عنها"، لافتاً إلى أنه كلما جاءت النصوص في الصلوات على النبي إلهامية كلما كانت الأعداد في الصلاة فيها إلهامية.

بيد أن الأعداد في الصلوات على النبي، وفق رأي الشيخ المتصوف مصطفى أبو رمان، في حديثه لرصيف22، فهي أسرار، كذلك الحروف في هذه الصلوات هي أسرار أيضاً، مثل أسرار الكواكب والنجوم.

ويقول الشيخ أبو رمان عن صلوات الصوفيين بصيغ مختلفة على النبي محمد: "الصلاة على النبي من الأوراد الصوفية، جعلها الأولياء أولوية ووضعوا للمريدين أوراداً تكون لهم سبيلاً للسلوك الصوفي، بحيث ينتقلون من حالة النفس الأمارة إلى اللوامة إلى الملهمة إلى الزاكية إلى المطمئنة إلى الراضية إلى المرضية".

ومن الصلوات على النبي لدى الصوفيين، هي الصلاة "النارية" بحسب أبو رمان، وهي منسوبة للإمام أحمد الرفاعي وتقال 4444 مرة لقضاء الحاجة، وهي: "اللهم صل صلاة كاملة، وسلم سلاماً تاماً على سيدنا محمد، الذي تنحل به العقد وتنفرج به الكرب وتقضى به الحوائج، وتنال به الرغائب وحسن الخواتيم، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم"، لافتاً إلى أنها سميت بالصلاة النارية لأنها "تطفئ نار الفتنة".

خلال أزمة كورونا، كانت أكثر صلوات أبناء الصوفية في الأردن هي  الصلاة النارية، والصلاة اللطيفية: "يا لطيفاً بخلقه، يا عليماً بخلقه، يا خبيراً بخلقه، ألطف بنا يا لطيف يا عليم يا خبير يا الله، يا من لطفت بخلق السماوات والأرض ولطفت بالأجنة في بطون أمهاتها ألطف بنا لطفاً يليق بكرمك يا أرحم الراحمين"

"مبالغة في تعظيم النبي"

يقال إن هناك مبالغة في تعظيم النبي محمد حد تأليهه من قبل الصوفيين، سألت الشيخ أبو رمان، وأجاب: "ليس هناك مبالغة لكن هناك تعظيم له استجابة لما ورد في القرآن الكريم: لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه"، وأضاف: "فاقد الشيء لا يعطيه هم يقولون ذلك بسبب جهلهم عن التصوف، والتصوف أذواق وليس ما كتب عنه في الأوراق".

وسألت الشيخ أبو رمان عن الصلوات التي يستخدمها المتصوفون في الظروف الاستثنائية، مثل ما هو حالياً في ظلّ أزمة فيروس كورونا، وأجاب أن أكثر ما لاحظه من أبناء الصوفية خلال هذه الفترة هي الصلاة النارية، والصلاة اللطيفية: "يا لطيفاً بخلقه، يا عليماً بخلقه، يا خبيراً بخلقه، ألطف بنا يا لطيف يا عليم يا خبير يا الله، يا من لطفت بخلق السماوات والأرض ولطفت بالأجنة في بطون أمهاتها ألطف بنا لطفاً يليق بكرمك يا أرحم الراحمين".

أي نعم، إن الغاية من إعداد التقرير كانت البحث عن أسباب وجود صيغ مختلفة ومتنوعة في الصلاة على النبي محمد لدى المتصوفين، لكن يبدو أن البحث في ذلك هو سر أيضاً، كما هي الأعداد والحروف في صلواتهم بحسب ما ذكروا، وهو ما يظهر جلياً في كتاب "المتمم بأمر المعظم" الذي ذكر فيه: "لو شرحنا فوائد وعوائد ونتائج وثمار صيغ الصلاة على النبي بأرقامها وقراءاتها لاحتجنا آلاف المجلدات، لكنها مفاتيح لخيري الدنيا والأخرى، ولمن أراد أن يعطيه الله فوق ما يتمناه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard