بـ 100 وش... لا كاسا دي بولاق أبو العلا

الثلاثاء 19 مايو 202001:38 م

في الأيام الأولى لعرض مسلسل "100 وش"، بطولة آسر ياسين ونيللي كريم، وإخراج كاملة أبو ذكرى، والذي يدور حول عصابة تقوم بأعمال النصب، انتشرت صورة تربط أبطال المسلسل المصري، بالمسلسل الإسباني الشهير "لا كاسا دي بابل"، مع تعليق ساخر: "لا كاسا دي بولاق أبو العلا"، نسبة إلى الحي الشعبي المصري.

صناع المسلسل الإسباني، اختاروا أن ينجو البروفيسور ورفقته من الشرطة، بينما نترقّب بقلق كمشاهدين، آملين ألا تفسد المتعة وأن تصادف العصابة المصرية الحظّ الحسن لمثيلتها الإسبانية.

في مسلسل "الأسطورة" لمحمد رمضان، بعد صعوده كمجرم إلى قمة النفوذ، يُعدم البطل على عكس النهاية الأصلية، وقد صرح رمضان وقتها أن فريق العمل "تعرض لضغوط رهيبة لتغيير النهاية" وقبل أكثر من أربعة عقود، نال اللص الظريف عادل إمام، في مسلسل "أحلام الفتى الطائر"، والذي سرق لصوصاً أكثر إجراماً، جزاءه بالقتل مسحوقاً تحت وطأة أحلامه، وهو يلقي جملته الأخير: "كان نفسي أبقى محترم يا أخي".

على عكس العصابة الإسبانية، لا يبدو الذكاء هو السمة الأساسية لعصابة بولاق أبو العلا، بل الحماقة، وإن اتفقا على الأسباب: النجاة الفردية.

دخول المجرم إلى السجن أو التوبة أو موته مقتولاً، هي النهاية المثلى لدراما المجتمع العربي، حيث كل شيء من وجهة نظر الرقابة، بل وأفراد هذا المجتمع نفسه، يمثل خطراً على أخلاقه، حيث على الحدود الفاصلة بين الخير والشر أن تظل واضحة وصلبة.

الذكي والأحمق والأرستقراطي

على عكس العصابة الإسبانية، لا يبدو الذكاء هو السمة الأساسية لعصابة بولاق أبو العلا، بل الحماقة، وإن اتفقا على الأسباب: النجاة الفردية.

الذكاء في المسلسل الإسباني ينبع من الثقافة، تحديداً عقل المخطط والزعيم والملقب بالبروفيسور، سمته الأساسية ومرجعيته التي تجعله أوسع حيلة ودهاء من الشرطة، هي نهمه للقراءة ومحبته للفنون، كأن الثقافة من وجهة نظر صنّاعه، هي المعبر الوحيد لتجاوز وهزيمة المنطق الأمني، القادر على خلق فضاءات من التطويق المحكم، وهي ثقافة تحوز الذكاء والشفقة ولا تمنع نفسها من خطيئة الحب، أما باقي أعضاء الفريق، فيتفقون مع أفراد عصابة "100 وش" في الاندفاع العاطفي والتمايز الذي قد يصل إلى حد غرابة الأطوار، باستثناء "برلين"، الوجه الآخر الفاشي والمستبد للثقافة، الذي لا يؤمن بالإنسانية قدر إيمانه بالتضحية بالفرد، بما فيه ذاته، من أجل نجاح الهدف.

في المقابل ينبع ذكاء أفراد لاكاسا دي بولاق أبو العلا من تضامن مهاراتهم الهشة لا الثقافة. هم بمفردهم، حتى عمر وسكر، محض حمقى، مغفلون، لا يمكن لأحدهم النجاح بمفرده إلا على نطاق ضيق، محدودو الأفق، حتى عمر الذي يبدو أكثر ألمعية من رفاقه، كان خياله حبيس ابتزاز الرجال، كانتقامه من أبيه الذي سرق أمه ثم هجرهما معاً. يتغير كل شيء بعد اللقاء العشوائي لأفراد العصابة، ينجلي الطموح، وتنكشف لدى عمر عورات الطبقة التي خذلته، والتي تحيا على تصورات أرستقراطية متخيلة تتمحور حول المظاهر، بينما يعيد اكتشاف نفسه وسط عصابة الحمقى التي طالما احتقرها، وجاهد في تمييز نفسه عنها.

ينبع ذكاء أفراد "لاكاسا دي بولاق أبو العلا" من تضامن مهاراتهم الهشة لا الثقافة. هم بمفردهم، حتى عمر وسكر، محض حمقى، مغفلون، لا يمكن لأحدهم النجاح بمفرده إلا على نطاق ضيق، محدودو الأفق، حتى عمر الذي يبدو أكثر ألمعية من رفاقه، كان خياله حبيس ابتزاز الرجال، كانتقامه من أبيه الذي سرق أمه ثم هجرهما معاً

من الغريم؟

يطل سؤال أخلاقي في مسلسل "100 وش": ممن تسرق العصابة؟ لا أبطال هناك، بل منتفعين يتجاوزون كل حد، دون أخلاق أو مرجعية ما، لا يبررون الأمر لأنفسهم بأي ادعاءات سوى الطمع في المال، نحن من نجد المبرر، في خفة دمهم تارة، وفي ثقل ظل أعدائهم تارة أخرى.

لم نعتد ذلك في الدراما العربية من قبل والتي تصوّر المجرم إذا ما تموضع في موقع البطل، كضحية لشخص ما، منتقم من جماعة أكثر بطشاً، أو لص يسرق لصوصاً، تلك التيمة طالما نجحت وحققت التوازن والتعاطف المطلوب.

أبطال "100 وش"، لا يميزون أنفسهم عن الفساد المحيط، لأنهم جزء أصيل منه، وبدلاً من مقاومته يسعون للتكيف معه، إيجاد ثغرة للنفاذ إلى طبقة أعلى، لا يمررون لأنفسهم شعارات من أي نوع، ولا يستعيرون لسرقاتهم مسوحاً كاذبة للمقاومة، كما فعل المسلسل الإسباني.

اخدعني من فضلك

السرقة الأولى التي تجمع العصابة، تظهر في البداية كعملية موجهة ضد ثري عجوز بلا حول ولا قوة، لكن وفاته وظهور الأقارب الأحق شرعياً بالإرث، لكن الأكثر انتهازية من العصابة نفسها، تجعل من السرقة موجهة للطبقة الوسطى العليا، أو الطامحة لتكون كذلك، كأغلب السرقات التالية، والتي تصطاد ضحاياها عبر شهوة الاستحواذ والامتلاك، ومن ثم الاستعراض الفج بما تملك.

عندما تتحول تلك المظاهر إلى سلوك فارغ من المعنى، يكون من الطبيعي أن تقع ضحية لعصابة من النصابين تعكس الكذبة على هيئة خدعة، يصطادونهم في الأساس عبر محاكاة سلوكهم، ومن ثم تحفيز الطمع، كعملية بيع السيارات الفارهة المؤجرة، حيث تصرخ سيدة: "لما يبقى نفسي في حاجة لازم اشتريها"، العقار الفخم، مكاتب الزواج التي تسمح لمن كوّنوا ثرواتهم في الخليج بالاختيار السريع المتعجل للعروس، كسوق نخاسة، حتى أن "سكر"، التي لا تجيد الألمانية على سبيل المثال، تنجح في إقناع تلك الفئة عبر التعالي والغطرسة المتقنة، وترديد بضع كلمات ألمانية، أنها مديرة حضانة إنترناشيونال.

عمر نفسه، قبل انتمائه الكامل للعصابة، وإدراكه أنهم قد يكونون عائلته وأصدقائه، يتمسك بسيارته الأنتيكة التي لا تصلح لأي شيء سوى لتذكيره وتذكير الآخرين أنه ينتمي لطبقة أرستقراطية في الأساس، أول مبلغ كبير يحصل عليه من عمليات العصابة، ينفقه على استكمال المظاهر التي تعيده إليها: اشتراك نادي الجزيرة.

يطل سؤال أخلاقي في مسلسل "100 وش": ممن تسرق العصابة؟ لا أبطال هناك، بل منتفعين يتجاوزون كل حد، دون أخلاق أو مرجعية ما، لا يبررون الأمر لأنفسهم بأي ادعاءات سوى الطمع في المال، نحن من نجد المبرر، في خفة دمهم تارة، وفي ثقل ظل أعدائهم تارة أخرى

"في الغابة... ناس شبه بعض"

بينما تدور أغلب المسلسلات في عوالم تلك الطبقة، وكذلك الإعلانات الموجهة إليها، والتي تروي حكاية أخرى عن "ناس شبه بعض "يعيشون في كومباوندات أشبه بالقلاع، مهووسة بتأسيس أرستقراطية بلا معنى ولا أساس، تظهر تلك الطبقة في مسلسل "100 وش" كغريم، عارية من مكياجها، كمحض لاهثين في سيرك، لذا ربما لا نتعاطف معهم، أو ربما نكتشف سوأة الطموح عينه فينا كمشاهدين، ربما لا نضحك مع العصابة بل على أنفسنا.

بعد النجاح المتتالي، يوجهون المدفع بعد تردد طويل إلى أغنياء حقيقيين، يملكون المليارات بدلاً من الملايين (الأرستقراطية التي تطمح الطبقة الوسطى العليا للتشبه بسلوكها)، ممثلة في غريم عمر، والذي سبق أن استولى على حبيبته، لا لشيء إلا لإشباع شهوة الامتلاك، حتى أنه يكرر نفس المحاولة مع سكر، بعد أن يدرك أنها حبيبة عمر الحالية، ولا يجد ما يعرف به نفسه أمامها سوى أنه عاش عمره كله في حي الزمالك الراقي، فتسأله سكر ببساطة: أمك منين؟ فلا يعرف الإجابة، فثروته ونفوذه ورثهما عن أب فاسد، ثم دعم الابن ذلك الإرث بزواج من عائلة أخرى كبرى، في تحالف شبهه عمر، بالغابة.

في قلق الحلقات الأخيرة، لا نعرف هل ينجحون في العبور من طبقة المليونيرات إلى المليارديرات؟ هل يمنحنا اختراقهم الظريف للغابة شيئاً من التنفيس؟

الأكيد، أننا قضيا معهم وقتاً ظريفاً ومسلياً، ورأينا في حماقاتهم وضعفهم، شيئاً يرفعهم إلى مصاف الصحبة الطيبة، كل ما نأمله ألا تفسد المتعة، أن تنجو العصابة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard