"بدّنا نسقّط الهوموفوبيا"

الخميس 7 مايو 202001:23 م

"أعلنتُ ثورة على الخوف والصمت اللذين في داخلي، وفي داخل كل شخص يعتقد أنه يخوض المعركة وحده. ثورة ضد كل من يعتبر أن لديه الحق في أن يفرض آراءه ومعتقداته على الآخرين ويحد من حريتهم ويملي عليهم كيف يعيشون. ثورة على أنفسنا، وعلى كل من لا يسمح لنا بأن نكون أنفسنا". 

تعود هذه الكلمات إلى الشابة المثلية جنسياً، رنا (32 عاماً)، التي شاركت في ثورة 17 تشرين "للدفاع عن حقوق المقموعين، ومنهم مجتمع الميم". 

ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر كانت "ملوّنة". شاركت فيها أطياف المجتمع بمختلف طبقاته. ارتفعت فيها أعلام قوس قزح كأنها تُعلن بدء مرحلة لم يشهدها لبنان من قبل، مولدةً شمساً صغيرة في نفوس من فقد الأمل بوجوده في هذه البقعة من الأرض. وبيّنت الثورة أن لا مكان للصمت، ولا مجال للخضوع لما تفرضه المعتقدات السائدة التي سمحت لهذه الفئة بأن تتعرض للعنف النفسي. 

من هذا المنطلق، نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش يوم 7 أيار/مايو تقريراً متعدد الوسائط بعنوان "'إذا مش هلأ، أيمتى؟' الأشخاص الترانس (العابرون/ات جنسياً)، والكوير يستردون قوّتهم في الثورة اللبنانية"، شارحةً فيه كيف "ولّدت هذه الثورة وعياً جماعياً جديداً في نفوس الشعب، حتى أصبحت حقوق الفئات المهمشة وهوياتها جزءاً لا يتجزأ من التظاهرات". 

"حقوق مجتمع الميم دخلت في صلب الاحتجاجات"

قالت لرصيف22 رشا يونس، الباحثة في حقوق مجتمع الميم في منظمة هيومن رايتس ووتش: "حقوق مجتمع الميم، التي كانت في السابق من المحرمات ومستبعدة من المجال السياسي، دخلت للمرة الأولى في صلب الاحتجاجات كركيزة للمقاومة. وأصبحت جزءاً من ثورة لبنان". 

وأضافت: "منذ اليوم الأول من التظاهرات، استخدم الكويريون/ات والأشخاص الترانس قوة أصواتهم ووجودهم للمطالبة بحقوقهم في بلد تتحكم سلطاته بوجودهم، كما جرت إعادة تشكيل هوية وطنية جديدة من خلال تظاهرات الشارع". 

وتابعت: "بهذه الروح نفسها، وجد الكويريون/ات والترانس مساحة لإثبات وجودهم من خلال الهتافات ورسوم الغرافيتي الجريئة والنقاشات العامة، وعبر نقل كفاحهم إلى الشارع يوماً بعد يوم"، لافتةً إلى أنهم "استعادوا مساحتهم الخاصة وقوتهم ومنحوا أنفسهم الإذن للمطالبة بحقوقهم علناً".

وأشارت إلى أن "شوارع لبنان التي لا توحي بأي حرية، تُشكّل في معظمها تذكيراً حياً بالرقابة الذاتية التي يُجبر من خلالها الكويريون/ات والترانس على إخفاء هوياتهم/ن في الحياة اليومية". وأضافت: "بالنسبة إلى الأشخاص الترانس تحديداً، يدل النزول إلى الشوارع في بلد يحرمهم من حقوقهم الأساسية، وتُشكّل فيه كل نقطة تفتيش موقعاً محتملاً للعنف، على تحدي ثورة لبنان النظام السائد". 

وأكملت: "وقف شبان من طرابلس جنباً إلى جنب مع أفراد كويريين، يحمل كل منهم معاناته الفردية، لكنهم توحدوا تحت راية المطالب نفسها، الكرامة والمساواة والشفافية والمحاسبة. الناس الذين كانوا يخافون من أفراد مجتمع الميم ويكرهون اللاجئين، هتفوا ورقصوا إلى جانب الرجال والنساء الترانس الذين هربوا ذات يوم من العنف المتصل بالـترانسفوبيا في بلدانهم وبحثوا عن ملاذ في لبنان".

"حقوق مجتمع الميم، التي كانت في السابق من المحرمات ومستبعدة من المجال السياسي، دخلت للمرة الأولى في صلب الاحتجاجات كركيزة للمقاومة. أصبحت جزءاً من ثورة لبنان"

ورداً على سؤال هل هناك "خصوصية" لمجتمع الميم في لبنان مقارنة ببلدان عربية أخرى؟ أجابت يونس: "يُنظر إلى لبنان على أنه 'أكثر قبولاً' أو 'أكثر حرية' من البلدان العربية الأخرى، ولكن في الواقع، الأكثر قبولاً هي بعض 'شوارعه' و'أحيائه'، التي معظمها نيوليبرالية واستهلاكية". 

ورأت أنه من الضروري التذكير بأن العديد من أفراد مجتمع الميم في لبنان يمارسون الرقابة الذاتية لحماية أنفسهم، مضيفةً: "إذا كان هناك أي 'خصوصية' في لبنان مقارنة بالدول العربية الأخرى، فهي أن العنف والتهميش ضد مجتمع الميم أكثر تعسفية وهيكلية وتعدداً، مثل الكثير من القوى المهيمنة في هذا البلد. لذا فإن الهجوم عشوائي ولكنه قادم دائماً". 

وأضافت يونس: "برغم التفاؤل الذي زرعته الثورة في الناس، سيستمر أفراد مجتمع الميم في العيش على الهامش إن لم تلغَ المادة 534 من قانون العقوبات التي تُجرّم 'كل مجامعة على خلاف الطبيعة'، وإذا لم تعتمد الحكومة اللبنانية قوانين لحماية مجتمع الميم ضد التمييز واحترام حقوقه الأساسية وكرامته، واستقلاليته الجسدية، وحراكه الاقتصادي والاجتماعي، وحريته بالتعبير، والتجمع وتكوين الجمعيات". 

وأشارت إلى أنه في غياب الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تدعم حقوق المجموعات المهمشة، سيواجه لبنان اضطرابات اجتماعية متجددة.

ولفتت إلى أن الثورة نجحت في إطلاق احتمال سياسي جديد في الشارع، موضحة: "لم تنه الثورة الوصم والتمييز ضد أفراد مجتمع الميم، لكن أفراده يشعرون بالأمان الآن ضمن الحشود والمتظاهرين". 

ولمن فقد الأمل بأي إصلاح يتعلّق بأحوال مجتمع الميم في الدول العربية عامة، ولبنان خاصة، قالت يونس: "المقاومة ستستمر حيثما توجد هيمنة. ما بدأ الآن لا يمكن إيقافه. نشهد في بلدان كثيرة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بطرق مختلفة، رفض الوضع الراهن والمقاومة الشعبية لأشكال الحكم السائدة. ويعاد النظر في الاقتصاديات والأوساط الاجتماعية مع الاعتراف بالمساواة وحقوق الإنسان كمطالب أساسية. في لبنان، الثورة نقطة تحول، لكنها طريق طويلة وصعبة".

وختمت: "التنوع الجنسي والجندري خلال تظاهرات لبنان جزء من التمثيل الحقيقي للمجتمع اللبناني. ليس مفاجئاً حضور أفراد مجتمع الميم في جميع التظاهرات وقطع الطرق للاعتراض على أوجه الظلم نفسها التي يثور الجميع ضدها. كانوا حاضرين منذ البداية. ينبغي ألا نعود إلى الوراء. وإذا استمر لبنان في حرمان مجتمع الميم من حقوقه الأساسية وإقصائه عن الخطاب العام، فلن تنسى شوارع لبنان ونفوس الثوار مطالبه".

"حقوق الإنسان، أي إنسان، وأي فئة، ليس لها وقت مناسب ووقت غير مناسب. حقوق الإنسان أولوية في كل الأوقات، وحقوق المرأة أو العابرين أو اللاجئين أو أي فئة مهمشة هي حقوق إنسان"

لم أصدق ما سمعت

"لم أكن في لبنان في أول أيام الثورة. كنت أتابع كل الأحداث عبر مواقع التواصل الاجتماعي. سمعت في أحد الفيديوهات هتاف 'بدنا نسقط الهوموفوبيا'. لم أصدق ما سمعت. لم أتوقعه. تملكني شعور غامر بالفرح والفخر. كانت لحظة مؤثرة جداً". 

هذا ما قالته رنا لرصيف22، وهي ناشطة في مجتمع الميم، موضحةً أنها لا تعتقد بأن أفراد مجتمع الميم اتفقوا مسبقاً على المشاركة في الثورة، بل كانت هناك "تنسيقات بين مجموعات صغيرة من الأصدقاء أو الناشطين والمدافعين عن حقوق مجتمع الميم للنزول إلى الشارع واغتنام هذه الفرصة التاريخية لإيصال صوته ومطالبه".

وأضافت: "كنت أنضم وكوكبة من الأصدقاء إلى المجموعات التي نعرف أنها من مجتمع الميم أو من المناصرين. أعتقد أن الهتافات بدأت عفوية، وعندما سمع الآخرون هذه الهتافات هتفوا معنا وبدأت أعدادنا تتزايد والأصوات تعلو أكثر فأكثر في التظاهرات. كل ما تطلّبه الأمر هو القليل من الشجاعة لنثبّت وجودنا وحقوقنا في الثورة تماماً كما باقي شرائح المجتمع". 


خارج مبنى البيضة، وهو دار سينما غير مكتملة بُنيت عام 1965، وتُعتبر معلماً من معالم وسط مدينة بيروت. "لا للهوموفوبيا، لا للعنصرية، لا! نريد السلام فقط". "مشروع ليلى للوطن". "أخذتم كلّ شيء، أين إنسانيتكم؟". 22 ديسمبر/كانون الأول 2019. ©مروان طحطح لـ هيومن رايتس ووتش

وأشارت إلى أن الثورة "ولّدت لديها إحساساً بالانتماء وأعطتها شجاعة لقول ما لم تجرؤ يوماً على قوله علناً"، مضيفة: "مشاركة مجتمع الميم في الثورة هي فسحة أمل لكل من اعتقد أن معركته في لبنان لن تنجح. سمحت لي بأن أرى أننا لسنا وحدنا في هذه المعركة".

ومن الشعارات/الهتافات التي لن تنساها رنا: "بدنا نسقط هوموفوبيا/ترانسفوبيا"، "لوطي مش مسبة"، و"بدنا نرقص بدنا نغني بدنا نسقط النظام". وروت موقفاً من يوميات الثورة: "هتفت مجموعة من الشباب ضد جبران باسيل بوصفه 'لوطي'، على سبيل الإهانة. فردّت إحدى المشاركات في التظاهرة "لوطي مش مسبة!". سكت الجميع بضع ثوانٍ، ثم قالوا: 'لوطي مش مسبة يا شباب!'". 

وروت موقفاً ثانياً: "خلال تظاهرة ضد التحرش، انطلقت هتافات "بدنا نسقط (...) بدنا يفل" وجاء دور النظام والأبوية والطائفية والمتحرش، إلخ. وعندما سكتت الفتاة التي كانت تهتف عبر مكبر الصوت، رفعت مجموعة من المتظاهرين الصوت عالياً جداً 'هوموفوبيا!' واستكمل الهتاف 'بدنا نسقط الهوموفوبيا، بدنا تفل!'".

وزادت رنا: "ثورة أفراد الميم، كثورة الوطن، لن تنتهِ قبل تحقيق المطالب والحصول على الحقوق والعيش بكرامة في وطن من المفترض أن يحتضن جميع أبنائه"، مشيرة إلى أنها "أعلنت ثورة على الخوف والصمت اللذين في داخلها وفي داخل كل شخص يعتقد أنه يخوض المعركة وحده. ثورة ضد كل إنسان يعتبر أن لديه الحق في أن يفرض آراءه ومعتقداته على الآخرين ويحد من حريتهم ويملي عليهم كيف يعيشون. ثورة على أنفسنا، وضد كل من لا يسمح لنا بأن نكون أنفسنا".

"لم يعد الشارع مكان حذر وخوف"

"حينما تَجمع ثورة كل أطياف المجتمع، وأولئك الذين كانوا في يوم من الأيام يضطهدون بعضهم بعضاً بسبب اختلافهم، تحت شعار واحد، يقودهم هذا إلى إدراك أنهم متشابهون في نهاية الأمر بحاجاتهم ومتشاركون في الأهداف نفسها". 

جاءت هذه الكلمات على لسان مايا (38 عاماً)، وهي لاجئة ترانس في لبنان. قالت لرصيف22 إن "نظرتها للشارع اللبناني تغيرت. لم يعد الشارع مكاناً ملؤه الحذر والخوف، بل أصبح مصدر قوة ويمثل الحرية والتضامن".

تعليقاً على "تأجيل" المطالبة بحقوق مجتمع الميم باعتبار أن هناك ما هو "أهمّ" الآن، قالت مايا إن "حقوق الإنسان، أي إنسان، أي فئة، ليس لها وقت مناسب ووقت غير مناسب. حقوق الإنسان أولوية في كل الأوقات، وحقوق المرأة أو العابرين أو اللاجئين أو أي فئة مهمشة هي حقوق إنسان".

ومن الشعارات التي تتذكرها دوماً "كرمال العابرات رح نبقى بالساحات" و"بدنا نسقط ترانسفوبيا بدها تفل". وروت "مشهداً" لا يزال عالقاً في ذاكرتها هو "حينما نزلت إلى الشارع أول مرة ورأيت المتظاهرين متوحدين تحت علم واحد هو علم لبنان".

وأعلنت مايا "ثورة على الجوع والفقر، ثورة ضد كل من بيده السلطة ولا يحرك ساكناً لإنصاف أي فئة مهمشة"، موجهةً رسالة له: "إذا كنت لا تريد تحقيق العدالة، سلم السلطة لمن يريد تحقيقها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard