"الهوتة"... شهادات حول مقبرة جماعية كانت يوماً منتزهاً طبيعياً في سوريا

الاثنين 4 مايو 202006:47 م

"رأيت جثة عالقة على حافة بارزة".

"شاهدت عائلة تسحب جثة قريبها من الحفرة".

"رأينا جثثاً تطفو على المياه، ست جثث تطفو وظهرها للأعلى في مواقع مختلفة".

"ذهبت باحثاً عن جثة قريب لي، فوجدت عدداً من الجثث حول حافة الحفرة، العديد منها بزي عسكري".

"كنت مكلفاً بتوفير الأمن لقافلة شاحنات قلابة نقلت عشرات الجثث لأفراد عشيرة الشعيطات (المعارضة لداعش) إلى الهوتة، بينها جثث لأطفال ونساء".

وردت هذه الشهادات وأكثر في تحقيق مطول بعنوان: "في الهاوية: مقبرة الهوتة الجماعية في شمال سوريا" لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية، نُشر في 4 أيار/مايو. التحقيق الذي انطلق عام 2015، سعى إلى كشف حقيقة ما جرى في الحفرة المعروفة باسم "الهوتة"، والتي تقع على بعد 85 كيلومتراً شمالي مدينة الرقة السورية والتي يُعتقد بقوة أن تنظيم داعش وتنظيمات مسلحة أخرى استغلتها لدفن جثامين قتلاها.

تعتقد المنظمة أن "الجثث في الهوتة قد تقدم بعض الإجابات" بشأن مصير المفقودين من مختطفي داعش بين عامي 2013 و2019.

وجاء تحقيقها مسترشداً بمقطع فيديو مروّع يظهر سبعة رجال ملثمين يرمون جثة رجل في وادٍ سحيق، حيث تتدحرج الجثة على منحدر ويبدو أنها تصطدم بجثة أخرى كانت هناك، لتسقطا معاً عن حافة، وسط صيحات الابتهاج من الرجال الذين يقول أحدهم: "جرجق".

و"جرجق" تعبير محلي يعني "فزنا، لنكمل اللعب خلال لعب البلي أو الكلة". 

عقب 30 ثانية، يعود هؤلاء الرجال إلى إلقاء جثة أخرى في الهاوية، لتصطدم، مثل سابقتها، بجثة عالقة على الحافة وتهويان معاً إلى الأسفل.

دفع هذا الفيديو الذي تسرّب من حاسوب أحد أفراد داعش، حين ذهب لإصلاحه في بلدة تل أبيض السورية عام 2014، ونشره موقع إخباري سوري في 26 حزيران/يونيو من العام نفسه، "هيومن رايتس ووتش" إلى البحث في صور الأقمار الصناعية والخرائط الجيولوجية، ومشاهدة مقاطع فيديو غامضة من الحرب، ومطاردة الخيوط في سوريا وتركيا وفرنسا.

أثبت التقرير إلقاء جثث في الحفرة التي كانت سابقاً منتزهاً عائلياً ومعلماً طبيعياً في المنطقة، وإن كانت المنظمة أقرّت ببقاء أسئلة كثيرة عن الهوتة دون إجابة، ما يستدعي مزيداً من التقصي.

مقبرة لـ"المرتدين"

وفق التحقيق، تزامنت القصص حول استخدام الهوتة كمكان لإلقاء الجثث مع بداية النزاع السوري في آذار/مارس عام 2011. وأُبلغ عن أول حالة في أيلول/سبتمبر عام 2012، حيث قال اثنان من السكان المحليين إن مقاتلي جماعة إسلامية متطرفة مسلحة تدعى "كتيبة القادسية" أخبروهما بإلقاء جثث جنود حكوميين في الهوتة، رغم عدم وجود شخص شاهد هذه الحادثة.

وأوضح أحد المصدرين أن الجماعات التكفيرية، مثل كتيبة القادسية، استخدمت الهوتة لإلقاء جثث من تعتبرهم "مرتدين، لا يجوز دفنهم مع المسلمين".

علاوةً على قتل جنود حكوميين، تحدث سكان محليون عن قتل "القادسية" بعض المدنيين الذين اتهمتهم بالتعاون مع الحكومة السورية.

"جثث ملقاة على الحافة وفي القعر"... الهوتة في شمال سوريا تحولت من متنزه عائلي إلى مقبرة تعاقبت التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها داعش، على إلقاء قتلاها بها

ودلّل أحدهم على ذلك بقتل شخصين من قرية خربة الفرس الصغيرة (قرب تل أبيض) وإلقاء جثتيهما في الهوتة، كونهما "من الأقلية الدينية الإسلامية الإسماعيلية، ومتعاونين مع الحكومة السورية".

وزعم أحد سكان قرية قريبة من الهوتة أن "القادسية"، التي انحلت بعد فترة وجيزة من استيلاء جماعات مسلحة أخرى على تل أبيض قبيل أيلول/سبتمبر عام 2012، ليست الجماعة المسلحة الوحيدة التي ألقت جثثاً في الحفرة.

نهج اتبعته الجماعات الإرهابية

وعندما استولت جماعات مسلحة معارضة للحكومة السورية على مدينة الرقة، في آذار/مارس عام 2013، بينها جماعات إسلامية متطرفة مثل "أحرار الشام" وجبهة النصرة و"كتيبة حذيفة بن اليمان" وجماعات تابعة للجيش السوري الحر، وعقب سقوط المدينة، قتل المهاجمون عدداً غير معلوم من الجنود وعناصر الأمن الحكوميين، وآخرين ولا يزال مصيرهم مجهولاً.

لكن، وبعد نحو شهر من ذاك التاريخ، نشر ناشط إعلامي محلي مقطعي فيديو على فيسبوك يتحدث فيهما عن وجود "مئات الجثث" لجنود حكوميين وأعضاء من الأجهزة الأمنية في الهوتة. ولم يُظهر المقطعان أي جثث.

ولاحقاً، في أيلول/سبتمبر 2013، قال الناشط الحقوقي السوري عبد القادر الدهون، عبر فيسبوك، إن جثث نحو 200 من الجنود الحكوميين والشبيحة (القوات شبه الحكومية) أُلقيت في الهوتة، من دون تفاصيل إضافية أو تحديد مصدر معلوماته.

مع تعزيز داعش سيطرته على الرقة، بحلول كانون الثاني/يناير عام 2014، وتنفيذ الإعدامات العلنية وترك الجثث معروضة لأيام، ظلّت وجهة الجثث غير معلومة.

اشتبه سكان الرقة حينها بإلقاء داعش بعض الجثث في الهوتة، لكن أحداً منهم لم يجرؤ على الاقتراب والتحقق من الأمر.

وبرزت بعض الأدلة التي تدعم هذا الاعتقاد، حيث قال ناشط محلي، يُدعى منير، اعتقله داعش حينذاك، إن أحد المحققين هدده بأنه: "إذا لم تتعاون، سنأخذك إلى الهوتة".

جثث ملقاة حديثاً تطفو في الهوتة، بعد أكثر من ثلاث سنوات على رحيل داعش من المنطقة، تثير تساؤلات حول هوية أصحابها ومن ألقى بهم فيها... تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش" يتعقّب قصص الحفرة المخيفة على مدى خمس سنوات

وأوضح أحد السكان، ويُدعى حسن، كان قد اعتقل داعش عمته نفس الفترة لرفضها ارتداء النقاب، أن عنصراً من التنظيم قال له: "انسوها، ألقيناها في الهوتة"، حين ذهب للسؤال عنها.

بالتزامن، نشر أول مقطع فيديو يظهر عناصر داعش يلقون جثثاً في الهوتة، تحديداً في 26 حزيران/يونيو عام 2014، والذي نشره موقع "مسارات" الإخباري السوري المناهض لداعش والمُقفل حالياً.

وثق الفيديو إلقاء جثتين في الحفرة بعد إعدام صاحبيهما في بلدة سلوك. وأبلغ الشخص الذي قدم اللقطات إلى "مسارات" لـ"هيومن رايتس ووتش" أنه نسخ الفيديو سراً من الحاسوب المحمول للداعشي لدى الذهاب لإصلاحه.

ورغم ثبوت استخدام داعش الهوتة لرمي الجثث، ظلت وتيرة هذه العملية ونطاقها مجهولين، بينما أفاد سكان محليون برؤية عناصر داعش يقودون بانتظام شاحنات إلى الموقع.

اللافت أن زيارة فريق تحقيق "هيومن رايتس ووتش" إلى الهوتة في عام 2018 كشفت عن مشاهدة "جثث تطفو على المياه، ست جثث تطفو وظهرها للأعلى في مواقع مختلفة". بتحليل الصور، أكد خبير الطب الشرعي ستيفان شميت أن حالة التحلل تشير إلى أن الجثث ألقيت في الحفرة قبل أسابيع قليلة من الزيارة.

ويثير اكتشاف جثث ملقاة حديثاً في الهوتة، أي بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على مغادرة داعش المنطقة، أسئلة عديدة أبرزها عن الجهة التي أقدمت على هذا الفعل.

وفسّر مراقبون أمنيون محليون لفريق التحقيق بأن الضحايا ربما قضوا إثر "عمليات القتل الانتقامية بين السكان المحليين"، وبقيت ملابسات وفاتهم وإلقائهم في الحفرة مجهولة.

توصيات ومطالبات

في ختام تقريرها، لفتت المنظمة الحقوقية إلى أنه أياً كانت السلطة التي تسيطر حالياً على المنطقة، التي تعاقب عليها جميع أطراف الصراع في سوريا تقريباً، "فهي ملزمة بحماية الموقع والحفاظ عليه، وتسهيل جمع الأدلة التي تساعد في مساءلة عناصر داعش عن الجرائم التي ارتكبوها، وكذلك أولئك الذين ألقوا جثثاً في الهوتة بعد مغادرة داعش".

وطالبت: "أولاً، على السلطات المحلية بمساعدة حلفائها الدوليين، التعامل مع الهوتة كموقع جريمة، وتأمين وتطويق الموقع حتى لا تُتلف الأدلة المحتملة، ووقف إلقاء مزيد من الجثث في الحفرة. ثانياً، تجفيف الحفرة للسماح لعمال إزالة الألغام بمسح الموقع. ثالثاً، على خبراء الطب الشرعي المدربين والمجهزين النزول إلى الحفرة واستخراج تلك الجثث والبدء في العمل المضني المتمثل في التوثيق".

ونبّهت المنظمة إلى أنه بينما لا تعرف هويات الجثث الموجودة في الهوتة، فإن حصر أعدادها أو تحديد كيف وصلت إلى هناك، واكتشاف ما حدث في الهوتة والمقابر الجماعية الأخرى في شمال شرق سوريا، يعد "خطوة أساسية لتحديد مصير آلاف الأشخاص الذين أسرهم وأعدمهم تنظيم داعش، ولمحاسبة عناصر داعش عن الجرائم التي ارتكبوها". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard