"لا أؤمن ولا أعتبر نفسي ملحداً"... مصريون يتساءلون عن الله

الاثنين 4 مايو 202004:21 م

يحدث أن يقف الإنسان بين منطقه الخاص الذي صنعه وعيه، وبين ما يحاول المجتمع أن يفرضه عليه منذ ولادته، يقولون له: "ليس منا من يختار أبيه، أمه، اسمه أو وضعه الاجتماعي والمادي، حتى الدين"، حتى بات من الكفر أو الجنون بالنسبة للعديد من قطاعات مجتمعاتنا العربية، مجرد التفكير في وضع منطق لأي أمر من الأمور الدينية أو محاولة فهم أسباب القيام ببعض الطقوس، وتكون الإجابة دائماً على أي تساؤل حول أمر غير منطقي: "دى حاجات ملهاش سبب، بنعملها عشان ربنا قال عليها وبس".

هذا الرد تحديداً يثير في عقول بعض المصريين أسئلة أخرى مثل: وما الذي يؤكد لي أن الله قال هذا؟ بل ومن أين يأتي اليقين بأن الله موجود؟ وتظل هذه الأسئلة تساور عقول هؤلاء خفية دون إعلام أحد عنها شيئاً مرة ثانية، حينئذ تعيش بشخصيتين: شخصية يعرفونها ويفضلونها لكونها تشبههم وتؤمن بما يؤمنون به، وأخرى لا يعلمون بولادتها.

"بحثي عن الله مستمر"

ينتمي مايكل عادل (27 سنة)، بكالوريوس هندسة الجامعة الحديثة للتكنولوجيا والمعلومات، لعائلة مسيحية كاثوليكية من صعيد مصر، انتقل مع أسرته للعيش في الغردقة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وكانت الكنيسة الوحيدة في الغردقة في ذلك الوقت أرثوذكسية.

"بعد استقرار أسرتنا في الغردقة، أصر والدي أن نداوم على الذهاب للكنيسة الأرثوذكسية، وعندما كنا نعود لقضاء إجازات الصيف في الأقصر، كنا نزور الكنيسة الكاثوليكية، والتي هي طائفتنا في الأساس، وبعد عدة أعوام بُنيت كنيسة كاثوليكية في الغردقة، ورغم اعتياد أهلي وقتها الذهاب للكنيسة الأرثوذكسية، لكننا أحياناً كنا نزور الكنيسة الكاثوليكية، وكان لوالدي وجهة نظر في هذا، فكان يقول إن الله موجود في كل مكان أياً كانت طائفة الكنيسة، أرثوذكسية أو كاثوليكية، ومع ذلك كان لدى والدي بعض الاعتراضات على أي طائفة غير هاتين الطائفتين"، يقول عادل لرصيف22.

"كان لنقاشات الفيسبوك بين المؤمنين والملحدين أثر كبير في نفسي؛ فكان التعليم الكنسي يشرح لنا كيف نجادل غير المؤمنين بردود محفوظة، لكن لم يحدث ذلك في الواقع، فكان الارتباك والتساؤل الجاد الحقيقي"

بدأت الاختلافات الدينية بين مايكل وأهله تظهر في سن السابعة عشر، قبل التحاقه بالجامعة في محافظة القاهرة، أي في مرحلة الثانوية العامة، يقول لرصيف22: "كانت أسرتي كاثوليكية محافظة، وجاءت بداية اختلافي معهم أنني لم أكن على اقتناع تام بتلك الطائفة، ولكنهم أصروا أن أبقى على طائفتهم، وخضعت لذلك لأنني كنت أعيش معهم في ذلك الوقت، ولم تكن لدي رفاهية الانتقال إلى طائفة أخرى خارج الكاثوليكية أو الأرثوذكسية، كالإنجيلية مثلاً".

شكّل انتقال مايكل للعيش في القاهرة بسبب التحاقه بكلية الهندسة، فرصة أكبر للانتقال بين الطوائف المختلفة لـ"البحث عن الله"، على حد قوله.

أثناء فترة الدراسة في الجامعة تردد مايكل على الكنيسة الكاثوليكية ثم الأرثوذكسية، ورآها "أكثر انفتاحاً" مقارنة بمثيلاتها في الغردقة، لذا قرر خوض التجربة مرة أخرى.

"زرت الكنيسة الإنجيلية، وبعدها انتقلت لطوائف أخرى مثل روم أرثوذكس، وبعد هذه الفترة من التجريب والانتقال بين الطوائف، فقدت قناعتي بأن الدين المسيحي هو "الدين الصحيح" أو بمعنى أدق أن يكون هو الدين الذي أرغب في اعتناقه، فجميع الطوائف تؤمن بالكتاب نفسه وإنما الاختلافات فقط في التفاسير، ومع ذلك أنا لا أعتبر نفسي ملحداً بل أنا في رحلة بحث عن الله منذ عدة سنوات".

يشعر مايكل أن ما انتهى إليه في النهاية هو الشك وعدم الثقة في المعتقدات التي تربى عليها، ومداومة "البحث عن الله"، ويصف وضعه ذلك بـ"الصعب والخطير" للدرجة التي تمنعه أن يخبر به أحداً، معلقاً: "رغم أنه قد يظهر من حديثي أمام البعض أنني ملحد، لكن بشكل صريح، لا يعلم أهلي أو أصدقائي شيئاً عما يدور برأسي، أمثّل في البيت أنني مسيحي يؤمن بجميع معتقداتهم، خاصة أن أهلي، كما ذكرت، متحفظون للدرجة التي تمنعني من الحديث معهم حول أفكاري".

وينهي مايكل حديثه قائلاً: "أؤمن بأنّ الإنسان لا يمكن أن يعتنق ديناً دون الانتماء لطائفة بعينها فيه تحدد هويته، فمؤخراً بت أسمع أناساً يزعمون أنهم مؤمنون بالكتاب، ولكن دون الانتماء لأي طائفة، وهو أمر غير مقبول بالنسبة إلي، فلابد للإنسان أن يتخذ صبغة معينة، وهو ما يشكل جزءاً مهماً من هويته".

"أريد حياة منفتحة ومتسامحة"

"أؤمن بوجود إله لكني غير مقتنع بأنه تكلم مع البشر بشكل مباشر، ونصوص الأديان المركزية هي نتاج بشري"، هذا ما توصل إليه بولا رؤوف (34 سنة)، محاسب من القاهرة، خلال فترة دراسته وتعمقه في الأديان في عشرينياته.

ينتمي بولا لأسرة تقليدية كاثوليكية، علاقتهم بالدين علاقة عادية، فليسوا أسرة متزمتة أو العكس، بل يسيرون في المنتصف مثل كل الأسر المصرية.

قال بولا لرصيف22: "في بداية عشرينياتي زاد اهتمامي بالدين، وبات عندي شغف لأن أصبح أكثر تديناً، من هنا بدأت أدرس الدين وأتعمق فيه، وقتها اكتشفت أن الأمور ليست كما تبدو عليها من الخارج".

"الأمور الدينية من الداخل ليست كما تبدو من الخارج".

كان هذا أحد العوامل المهمة التي شككت بولا في حقيقة إيمانه الديني، ثم أشار إلى العامل الثاني الذي ساهم في تشكيل هذه الفكرة لديه، فقال: "عندما كانت تُعقد نقاشات بين المسلمين والمسيحيين، كان المسلمون يتصيدون الأخطاء في الدين المسيحي، والعكس صحيح، وينطبق ذلك على الديانات الأخرى أيضاً، ما كشف لي حقيقة أن الواحد معمي عن لا معقولية معتقداته رغم أنه يراها بوضوح عند غيره".

كان للانفتاح الذي حدث بفضل مواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) دور في ترسيخ االشك في نفس بولا، يقول لرصيف22: "كان لنقاشات الفيسبوك بين المؤمنين والملحدين أثر كبير في نفسي؛ فكان التعليم الكنسي يشرح لنا كيف نجادل غير المؤمنين بردود محفوظة، وكأنه بمجرد ذكرها سُيسحق الطرف الآخر، فيمتنع عن الجدل بعدها، لكن لم يحدث ذلك في الواقع بالطبع، فكان الارتباك والتساؤل الجاد الحقيقي حول تلك الأمور هي الناتج، إلى جانب سخرية الصفحات الأجنبية اللاذعة في ذلك الوقت من التعاليم والآراء الدينية، والتي مع الوقت وجدتها أموراً تستحق التهكم والسخرية فعلاً".

لم تكن تلك العوامل وحدها هي ما أثرت على نظرة بولا للدين، وإنما يبقى العامل الحاسم وهو أن الدين فرق بينه وبين محبوبته المسلمة، وقتئذ تساءل: "كيف للدين الذي يدعونا أن نحب كل الناس أن يقف عائقاً بيني وبين بقائي مع من أحببت؟!"، منذ ذلك الحين اختلفت رؤية بولا للدين، قائلاً: "أصبح الدين عائقاً لي في حياتي، بدلاً من أن يكون هو المساعد كي أعيش حياة أكثر إنسانية وانفتاحاً وتقبلاً للآخر على اختلافه دون تعالٍ"، على حد تعبيره.

قرر بولا أن يحتفظ بما توصل إليه من قناعات دينية في زاوية مغلقة تشمل أصدقاءه ممن يتقبلونه، هذا في ظل إخفاء حقيقة أمره أمام الأهل والأصدقاء الآخرين.

"كفرت بكل شيء"

"أصبحت لا أعبأ بفكرة وجود إله من عدمها، لأنه إذا كان موجوداً فهو ظالم، وإذا لم يكن موجوداً فلا داعي لعبادته".

هذه هي القناعة الدينية الشخصية لأحمد علي (28 سنة)، طبيب بشري من الإسكندرية، ينتمي لأسرة مصرية مسلمة، وما يعرفه أهله والمحيطون به أنه شاب مسلم عادي، لكن ما لا يعلمونه، هو ما توصل له أحمد بعد رحلة من الشك والتفكير في الأمر دامت سنتين.

"عندما كانت تُعقد نقاشات بين المسلمين والمسيحيين، كان المسلمون يتصيدون الأخطاء، والعكس صحيح، ما كشف لي حقيقة أن الواحد معمي عن لا معقولية معتقداته رغم أنه يراها بوضوح عند غيره"

يعود أحمد لبداية قصته مع الدين، حيث الطريقة التي تربى عليها، يحكي لرصيف22: "ولدت في أسرة مسلمة، وتربيت منذ الصغر على الصلاة وحفظ القرآن، حتى أني عندما بلغت من العمر 14 سنة أصبحت حافظاً للقرآن كله، طيلة سنوات حياتي الماضية كنت أصلي بانتظام، وأصوم أيضاً رغبة مني أن أصبح إنساناً جيداً".

"خلال سنوات دراستي الأولى في الجامعة، بدأ العالم من حولي يشغلني أكثر من ذي قبل، أرى انعدام العدل، وتتجلى أمامي قسوة الحياة في بعض الأحيان بلا داع، واستمريت على حالة الشك هذه لمدة سنتين تقريباً، كنت أحاول خلالها العودة مرة ثانية لصفوف الإيمان، وخلال هذه الفترة قرأت كتباً عدة تجيب على تساؤلاتي، وحاولت إقناع نفسي بصحّة هذه الأجوبة، كما كنت أشاهد مناظرات كثيرة تدور حول أفكاري ولكن دون جدوى"، يقول أحمد.

كان لأصدقاء أحمد من ذوي "الفكر المتحرر" دور في تشجيعه على التفكير بحرية أكثر دون النظر لأي قيود دينية أو مجتمعية، ومن خلال قراءات أحمد واطلاعه على مصادر مختلفة تدرج الأمر لديه، والذي من خلاله مر بمراحل تصاعدية إلى أن وصل لما هو عليه الآن، يقول أحمد معبراً عن مراحل حياته النفسية مع الدين: "في البداية تولد لدي إحساس بالعداء تجاه هذا الإله المتسبب فيما يحدث من هراء في العالم، من فقر، مرض وظلم، ثم بعد ذلك بدأت أشكك في الدين وقوانينه غير المنطقية والظالمة في أحيان كثيرة، وبالتدريج بت أفقد إيماني بالمعجزات والحكايات الدينية التي نؤمن بها منذ الصغر، والآن أصبحت أكثر منطقية، وكل شيء لا أتمكن من ملامسته بيدي لا أعتقد بوجوده".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard