"قنبلة الرجل الفقير"... المولوتوف نجمة المعارك غير المتكافئة في رحلتها من فنلندا إلى العرب

الأربعاء 29 أبريل 202008:31 م

رداً على مشهد حرق بضعة فروع للمصارف في لبنان، انتشرت بعض العبارات والصور الساخرة، كتلك التي تسأل "الزبون" كيف يحب درجة "طهو المصرف"، وتلك التي تقول "أحب المصرف well done (مطهواً بشكل جيّد)" وغيرهما.

هذه العبارات تضمنت كماً من السخط والغضب إزاء تعنّت وقح أوصل الناس إلى الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وقد حمّلوا تبعاته للمصارف وأصحابها وللمصرف المركزي والطبقة السياسية.

سخط تُرجم في "قنبلة مولوتوف" (الزجاجة الحارقة) تنطلق من يد أحدهم لتشتعل في واجهة مصرف ما، فالمعركة بين الناس ومن هو مسؤول سياسياً ومالياً عن تجويعهم غير متكافئة، و"المولوتوف" كقنبلة سهلة التصنيع وقليلة التكلفة، لطالما عُرفت بأنها سلاح الطرف الأضعف في كل معركة غير متكافئة.

الانتقام

دقيقتان وأربع وثلاثون ثانية من فيلم "ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبينغ، ميزوري" الأمريكي قد تختصر دينامية عدم التكافؤ بين أطراف صراع ما، وكيف يمكن لـ"المولوتوف" أن يُحدث التعادل.

باختصار، يُجسّد الفيلم شخصية والدة اسمها ميلدريد هايز خسرت ابنتها في جريمة اغتصاب بشعة. تحاول الأم بطرائق عدة أن تسترد حق ابنتها لكنها تُواجَه بتقصير أمني ومحاولات تستّر على الجاني وبيروقراطية مرهقة. تعتمد هايز على ثلاث لوحات إعلانية ضخمة خارج البلدة، تستأجرها وتُخبر من خلال الأولى عن سبب مقتل ابنتها وفي الثانية تسأل عن الجاني، وفي الثالثة توجه السؤال إلى رئيس شرطة البلدة.

استنفدت الأم الغاضبة التي لم تذرف دمعة طوال الفيلم جميع الطرائق لتحصيل حقها وسط مضايقات الشرطة وتحوّل شفقة أهل البلدة عليها (حين بدت عاجزة) إلى كره وغضب (حين بدأت بالتحرك). بعد هذا كله قررت اللجوء إلى المولوتوف.

في ليلة سوداء تُشبه ما عكفت الأم على ارتدائه بعد موت ابنتها وما آلت إليه روحها، اتجهت إلى المبنى المقابل لمبنى الشرطة. لا شيء في المشهد سوى عينيها الغاضبتين الموجهتين إلى المبنى وما يُمثله من إمعان في قهرها، وأربع قنابل مولوتوف بدأت ترمي بها الواحدة تلو الأخرى. تسمع انفجار القنبلة ثم ترى إحدى زوايا المبنى مشتعلة، فترمي بالقنابل الباقية تباعاً حتى يشتعل المبنى كله.

هذا المشهد الهوليوودي يُشبه مشاهد سجّلتها العديد من المواجهات العربية قبل سنوات طويلة، وأبرزها ما حصل في انتفاضة الفلسطينيين الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي، ثم عاد المولوتوف أكثر حضوراً عربياً بعد عام 2011.

سهولة تحضير وتكلفة منخفضة

تُجرّم عدة دول تصنيع قنبلة المولوتوف، وتفرض عقوبات في حال ضبطها مع أحدهم أو استخدامه لها ضد أفراد، كما تصنف رميها على الممتلكات ضمن أعمال الشغب والإضرار بالمال العام والخاص التي يُعاقب القانون مرتكبيها.

مع ذلك، فإن سهولة تصنيع هذه القنبلة وتكلفتها القليلة جعلتاها سلاحاً رائجاً، لا سيما في أيدي الأقل حيلة الممتلئين غضباً تجاه انتهاك/ تفقير/ ظلم ممنهج. وقنبلة المولوتوف معروفة كذلك بأنها "قنبلة الرجل الفقير".

المعركة بين الناس ومن هو مسؤول سياسياً ومالياً عن تجويعها غير متكافئة، و"المولوتوف" كقنبلة سهلة التصنيع وقليلة التكلفة، لطالما عُرفت بأنها سلاح الطرف الأضعف في كل معركة غير متكافئة

في بحث عاجل، يمكن إيجاد العديد من الفيديوهات والإرشادات لكيفية تصنيع القنبلة وجعلها أكثر فعالية، بدءاً باختيار الزجاجة التي يجب أن تكون قوية لئلا تنكسر في يد مستخدمها، وفي الآن نفسه هشة بعض الشيء حتى تتحطم عند اصطدامها بالهدف.

تنتقل الإرشادات إلى ضرورة إحكام إغلاق الزجاجة بالشريط اللاصق كي لا تتسرب المادة المشتعلة قبل إلقائها، ومن ثم وضع المادة القابلة للاشتعال داخل الزجاجة كالبنزين والكحول، وقطعة قماشٍ مبللةٍ بسائلٍ مشتعل في عنق الزجاجة مع ترك جزءٍ منها خارجاً.

ثم تُمزج المادة المشتعلة بمواد أخرى مثل القطران الذي يُحدث دخاناً أسود عند الاشتعال، أو زيوت المحركات التي تجعل المادة أكثر اشتعالاً وتلتصق بالسطح الذي تصطدم به، وهذا ما يجعل إخمادها صعباً.

بعد إشعال القطعة ورمي الزجاجة، تتحطم الأخيرة وتتسبّب بحريق صغير أو كبير حسب المكان المستهدف وعدد القنابل المرمية.

وفيما تكون المعركة غير متكافئة بين المتظاهرين والشرطة كما حدث في التظاهرات التي شهدتها دول عربية عدة، حيث تحضر أسلحة القوات النظامية المتطورة، تبقى قنبلة المولوتوف سلاحاً لا يمكن الاستخفاف بإمكان تسببه بدمار تام في الهدف الذي يُرمى عليه.

ولا تزال هذه القنبلة تتمتع بفعالية ملحوظة في إشعال الحرائق، ولها أثر نفسي على الطرف الذي يستخدمها من جهة وعلى خصومه في جهة أخرى، وقد باتت خياراً معتمداً لدى مجموعات غير نظامية، اختلفت تسمياتها بين ثوار ومشاغبين وميليشيات. 

"كوكتيل مولوتوف"

ولأن بدايات كل سلاح لقي رواجاً أو يُستخدم في إطار محدد قد تكون مثيرة للاهتمام، فالأمر ينطبق كذلك على بداية المولوتوف وسبب تسميتها بهذا الاسم.

تختلف الروايات بشأن بدء استخدام هذه القنبلة بشكلها البدائي الأول. أُشيع أنها رُصدت أولاً مع نساء مؤيدات للحكومة الاشتراكية الثورية التي رفضت سلطة الحكومة الفرنسية، وقد أشعلن بها مناطق في باريس احتجاجاً على دخول الجيش المدينة وإنهاء الكومونة.

بعد ذلك، ظهرت المولوتوف مع الجيش الإيرلندي في العشرينيات من القرن الماضي، ثم في الحرب الأهلية الإسبانية مع قوات فرانكو ضد الجمهوريين. أما القنبلة بشكلها الحالي، فتبلورت عام 1940 خلال الحرب بين الاتحاد السوفياتي وفنلندا، على خلفية مطامع سوفياتية بالجزر الفنلندية.

أُدرج المصطلح للمرة الأولى في قاموس "ميريام ويبستر" الشهير عام 1940، تحت اسم "كوكتيل مولوتوف" (Molotov Cocktail). وعرّف القاموس هذه القنبلة كالآتي: "قنبلة بدائية مصنوعة من زجاجة مملوءة بسائل قابل للاشتعال (مثل البنزين) ومزودة عادة بفتيل (مثل خرقة مشبعة) يتم إشعالها قبل إلقاء الزجاجة مباشرة".

تُجرّم العديد من الدول تصنيع المولوتوف، كما تعتبر رميها على الممتلكات ضمن أعمال الشغب... لكن سهولة تصنيعها وتكلفتها القليلة جعلتها سلاحاً رائجاً، لا سيما في أيدي الأقل حيلة الممتلئين غضباً، فسُميت بـ"قنبلة الرجل الفقير"

أما أصل استخدام كلمة "كوكتيل" وربط القنبلة باسم مولوتوف، فيعود إلى أن وزير خارجية الاتحاد السوفياتي آنذاك كان يُدعى فياتشيسلاف مولوتوف. وبحسب تقارير عن تلك المرحلة فإن الطائرات السوفياتية كانت تقصف العاصمة الفنلندية وتدعي أمام المجتمع الدولي أنها ترمي لهم المساعدات الغذائية لمحاربة الجوع.

وقتذاك، سمّى الفنلنديون قنابل السوفيات التي تسقط عليهم "سلال خبز مولوتوف" (نسبة لوزير الخارجية)، وانتشرت روايتان بشأن "كوكتيل مولوتوف" واحدة تقول إن الفنلنديين أعلنوا عن نيتهم تقديم "كوكتيل" شهي يناسب "خبز السوفيات"، وأخرى ربطت الاسم بتصريح مزعوم لمولوتوف قال فيه إنه متيقن من تناوله الغداء في هيلسينكي غداً، لأن كرم الضيافة الفنلندي يُحتّم على الفنلنديين تقديم كوكتيل شهي له.

وكان الجيش الفنلندي، الأقل جهوزية من السوفيات، قد صنع أكثر من نصف مليون قنبلة بين كانون الأول/ ديسمبر وآذار/ مارس، استخدمها ضد الجنود السوفيات، وقد أثبتت فعالية في تعطيل محركات دباباتهم.

رسائل يأس وسخط وعنف

وفي العقود الأخيرة، ظهر المولوتوف مراراً في فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي، كما ظهر في الثورات العربية بعد عام 2011، ومنها في مصر ضد القوى الأمنية التي قمعت المتظاهرين.

وفي البحرين استُخدمت ضد قوات الشرطة، وفي تونس توالت الأخبار خلال الثورة عن ضبط قنابل مولوتوف حارقة، كما حضرت في اليمن، وتقريباً في جميع الدول العربية التي شهدت انتفاضات وثورات. كانت قنبلة المولوتوف تظهر غالباً في مرحلة لاحقة لعنف الأجهزة الأمنية، ويبرر المنتفضون استخدامها بالدفاع عن أنفسهم والرد على عنف السلطات.

في فنلندا مثلاً، نجح السوفيات في فرض شروطهم على الجيش الفنلندي بعدما تغلبت الأسلحة المتطورة على كوكتيل مولوتوف، لكن الكوكتيل ومولوتوف بقيا عالقين في الذاكرة، وانتقلا إلى العالم حيث استُعملا في معارك أخذت أشكالاً مختلفة، كانت فيها "قنبلة الرجل الفقير" حاملةً لرسائل يأسٍ وسخط وعنف. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard