الترويج لاعتراف القضاء التونسي بزواج مثلي... "توقيت خطير على مجتمع الميم"

الاثنين 27 أبريل 202007:50 م

طوال اليومين الماضيين، أثار نبأ اعتراف القضاء في تونس بزواج مثليين جدلاً واسعاً حتى صدر نفي رسمي من وزارة الشؤون المحلية في البلاد ورئاسة بلدية تونس.

وكانت جمعية "شمس" المعنية بالدفاع عن حقوق المثليين قد روّجت للخبر قبل يومين عبر حسابها في فيسبوك بالقول: "سابقة هي الأولى في تونس والعالم العربي، بعد زواجهما، فرنسي وتونسي، يتم الاعتراف بعقد زواجهما (الذي أبرم وفق القوانين الفرنسية) في تونس وإدراج هذا الزواج المثلي في مضمون الولادة التونسي"، معتبرةً ذاك "استحقاقاً تثمنه جمعية شمس ترسيخاً لمبدأ الإرادة الحرة للفرد/المواطن ولمبدأ المساواة وعدم التمييز".

جدل ونفي وتوضيح

خلّف الخبر الذي تناقلته عدة صحف ومواقع محلية ضجة واسعة محلياً وعربياً، حتى مساء 26 نيسان/أبريل حين أعلن النائب عن ائتلاف الكرامة يسري الدالي، عبر حسابه في فيسبوك: "كما توقّعنا، وبعد اتصالنا بالسيد وزير الشؤون المحلية (لطفي زيتون)، والسيدة رئيسة بلدية تونس (سعاد عبد الرحيم)، فإنّنا ننفي ترسيم أي زواج ‘لواطي‘ بتونس"، مضيفاً "أصدقائي، صديقاتي: إنّهم يريدون سحبنا لمواقعهم العفنة، لا تندفعوا. نحن معكم من أجل هويّتنا العربية الإسلامية…".

في حديث لرصيف22، أوضح المخرج التونسي الناشط في الدفاع عن حقوق المثليين جنسياً بسام بن إبراهيم ملابسات الجدل، قائلاً: "الخبر ليس كاذباً، إنما يتعلق بخطأ إداري وقع في السجل المدني التونسي".

ولفت إلى أن مثل هذا الخبر لم يكن مفترضاً أن يحدث تلك الضجة أو أن يُصدق لأنه "مستحيل يصير هالشي في وقت ما تزال المثلية الجنسية مجرمة فيه" في البلاد.

وأشار المدير التنفيذي لجمعية "موجودين" الفاعلة في المجتمع الكويري في تونس علي بوسلمي إلى أنه وضع ثلاثة احتمالات فور سماع الخبر، نظراً إلى تاريخ "شمس" الطويل مع نشر الأكاذيب، على حدّ تعبيره.

الاحتمالات، حسب كلام بوسلمي لرصيف22، هي: "أن يكون كاذباً تماماً، أو غير دقيق ويتعلق بشخص عابر جنسياً أو مثلي الميول، أو ناتجاً من خطأ إداري".

وأوضح أنه بعدما تبين أن توقعه الثالث صائب لم يُفاجأ، لأن مثل هذه الأخطاء "كثيرة في تونس، لكن لا يجري الحديث عنها لأنها تُعدّ حوادث فردية".

وأعرب بوسلمي عن أسفه لـ"اتخاذ الخبر على محمل الجد بعدما روّج له بعض الصحافيين من دون التثبت من دقته"، لافتاً إلى أنه "ليس ممكناً تصديق الخبر في ظل وجود القانون 230 من المجلة الجزائية التونسية (الخاص بتجريم المثلية)، وقانون الفحوص الشرجية".

توقيت خطير على مجتمع الميم

رأى بوسلمي أن توقيت نشر هذا الخبر خطير ويترك أثراً سلبياً على مجتمع المثليين بينما يعاني الكثير منهم التعنيف والانتهاكات في ظل الحجر المنزلي، على خلفية التدابير الوقائية للحد من تفشي فيروس كورونا.

ونبّه إلى تقرير لموقع "نواة" التونسي الذي تحرى الواقعة، ونقل عن رئيس "شمس" منير بعطور قوله إنه يعد الممثل القانوني للزوج التونسي (26 عاماً) المتزوج من فرنسي (31 عاماً) والذي طلب إثبات الزواج لمنح زوجه العربي فيزا عائلية لدخول فرنسا.

روّجت جمعية "شمس" التونسية المدافعة عن الأقليات الجنسية لخطأ إداري على أنه "سابقة بالاعتراف قضائياً بزواج مثليين" في البلاد... اعتراض من مثليين على الخبر الذي يعرّضهم لرسائل كراهية وخطاب تحريضي

اللافت أن بعطور رفض إطلاع الموقع على إذن الزواج الذي أعلنته جمعيته، متذرعاً بأن "البلدية (التي يسكن في ربوعها العريس التونسي) صغيرة جداً، وأن هناك خطراً في الكشف عن هوية الزوج التونسي"، موضحاً أنه يعتزم المطالبة بإلغاء الزواج من شهادة ميلاد التونسي لأنه "يخشى أن تعلم عائلته أنه متزوج من رجل".

وقال بوسلمي: "منير بعطور معترف أن هناك خطأ سيجري تصحيحه خلال يومين، ورفض الكشف عن هوية الزوج التونسي حتى لا يعرضه للخطر! إذا كنت بالفعل تخشى عليه وتحترم خصوصيته، فلماذا أحدثت كل هذه الضجة ووضعته في خطر وسلطت الضوء عليه؟ لماذا فعلت ذلك وهو محتجز في ظل أزمة كورونا لا يستطيع حتى مبارحة منزله؟".

مخاوف من تكرار سيناريو المغرب

أما بن إبراهيم، فاعتبر أن توقيت الترويج لخبر اعتراف القضاء بزواج مثلي خطير بسبب وضع المثليين في المغرب وهجمات التشهير واعتداءات الكراهية التي يتعرضون لها حالياً، والمخاوف من انتقال مثل هذه الحوادث إلى تونس.

ومنذ منتصف الشهر الجاري، يتعرض المثليون في المغرب لحملات تشهير بعد دعوة واحدة من مشاهير السوشيال ميديا في البلاد، العابرة جنسياً صوفيا طالوني التي يتابعها أكثر من 600 ألف شخص، النساء إلى التخفي خلف حسابات زائفة ودخول مواقع مواعدة خاصة بالمثليين لكشف هذه الفئة في محيط العائلة والأصدقاء.

وفي 27 نيسان/أبريل، نددت "هيومن رايتس ووتش" بالحملة التي تنتهك خصوصية المغاربة المثليين جنسياً ومزدوجي الجنس على نحو قد يعرضهم للضرر الجسدي والملاحقة القضائية والتدابير التمييزية، داعيةً السلطات المغربية إلى حماية هذه الأقليات الجنسية وفرض الحق في الخصوصية الذي يكفله دستور البلاد، وإلغاء تجريم العلاقات بين الجنس نفسه.

"توقيت الترويج لخبر اعتراف القضاء بزواج مثلي خطير بسبب وضع المثليين في المغرب وهجمات التشهير واعتداءات الكراهية التي يتعرضون لها حالياً، والمخاوف من انتقال مثل هذه الحوادث إلى تونس"

بالعودة إلى المثليين في تونس، فقد لفت بن إبراهيم إلى حظر بعض المحاولات الحديثة للتشهير بأشخاص من المجتمع الكويري عبر إنستغرام.

وأشار إلى خطورة صعود منشورات تحريضية ضد المثليين شاركت فيه شخصيات بارزة وعامة، مثل منشور التكذيب للنائب الدالي، ومنشور الإعلامي التونسي سمير الوافي الذي كتب فيه: "الذي سرّب إشاعة السماح بعقد زواج مثليين في تونس هو شخص غبي ومن صدقوه هم أغبى منه. الإشاعة ليست مجرد تسلية أو تهريج، بل هي كالعادة وسيلة لصنع فتنة وإلهاء الناس وإثارة بلبلة. وهناك ماكينة اشتغلت لترويجها بمساعدة المرتزقة ومعهم الحمقى".

وأضاف: "هذا النوع من الزواج سيظل ممنوعاً في تونس حتى لو حكمها (الفنان الاستعراضي التونسي) شمس الدين باشا شخصياً، مع احترامي لشخصه". وحذف الوافي منشوره لاحقاً بعد استياء الباشا الذي أعلن اعتزاله الفن، ورده عليه.

وقال بن إبراهيم إن الوافي استشهد بالباشا تحديداً لأن مظهره أنثوي بعض الشيء، معتبراً أن هذا التحريض نجم عن الخبر الذي روجت له "شمس".

وختم بوسلمي مشدداً على أن "الوقت لا زال طويلاً للحديث عن منح المثليين حق الزواج لأن عدداً وافراً من الحقوق الفردية الأساسية لا يزال غير مكفولاً. وضع المثليين في تونس عموماً سيتطلب خطوات (إصلاحات) عديدة، ربما تأتي عقب انتهاء أزمة كورونا، إذ يتطلب الأمر تدخلاً من الجانب السياسي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard