قصة الخليفة في الأرض وامتحان IQ الأول في الملأ الأعلى

الأربعاء 29 أبريل 202004:46 م

تقدّم لنا قصة خلق آدم في القرآن، صراعاً متصاعداً بين الإيمان والعلم، فهل ينتهي هذا الصراع بانتصار العلم على الإيمان أم العكس؟

تبدأ السردية القرآنية، بأن الله قد أخبر الملائكة، بأنه سيخلق خليفة في الأرض، فيأتي ردّ الملائكة مجادلاً الله: "قالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".

ما الذي نستطيع أن نفهمه من استنكار الملائكة حول هذا الخليفة؟ ومن ثمّ، لماذا قامت الملائكة بإجراء مقارنة إيمانية من طرف واحد مع هذا الخليفة/ آدم؟ على ما يبدو أن الملائكة وجدت في ذواتها الأحقية في تولي هذه الخلافة، فبعد تقييمها السلبي لهذا الخليفة الجديد بأنّه: "قالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ"، قاموا بإضافة مميزاتهم التي بموجبها يجب على الله أن يختارهم أو يضعهم في حساب مشروعه في إعمار الأرض، فقالوا: "وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ". لقد حسدت الملائكة الخليفة المزمع تكليفه بإدارة الأرض!

يأتي الردّ من الله بعيداً عن التقييم الإيماني، للحقيقة خُلقت الملائكة لهذا العمل الإيماني من الحمد والتسبيح، فذلك من طبيعتها وجوهر وجودها، ومن جهة أخرى جاءت إجابة الخالق وفق المقتضى الامتحاني الذي سيبزّ به آدم منافسيه من الملائكة وإبليس بقوله: "قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".

امتحان IQ الأول في الملأ الأعلى

دُعي تلاميذ الملأ الأعلى للامتحان، الذي سيحسم من له أحقية الخلافة في الأرض، قام الله بتعليم آدم الأسماء كلها، ومن ثم عرضهم على الملائكة: "فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ". تطرح الآية علينا تساؤلاً: لماذا يطلب الخالق من الملائكة "الصدق" وليس العلم؟ فالأحرى أن تأتي كلمة "عالمين" بدلاً من كلمة "صادقين". يكمن الجواب في الجدل الآنف الذكر، حيث اتهمت الملائكة الخليفة المفترض بالفساد، وأنها أحق بالخلافة بسبب إيمانها الكامل، والإيمان يفترض العلم وفق تصوّر الملائكة، لكننا رأينا أنهم في ذلك الأمر قد جانبوا الصواب، فهم لا يملكون هذا العلم، الذي خصه الخالق لآدم.

لقد ظن الملائكة أنهم قادرون على العلم والمعرفة بعيداً عن الخالق، لذلك نرى أن الآية تبدأ: "وعلم آدم الأسماء كلها"، لقد جاء علم آدم للأسماء نتيجة تعليم الخالق الأسماء له، التي حجب تعليمها عن الملائكة، ومن هذه النقطة جاء جواب الملائكة الإيماني: "قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ".

لم يطلب الخالق من الملائكة أن يكونوا عالمين بل صادقين، والصدق يتبع الإيمان لا العلم، ويخسر الملائكة الامتحان أمام آدم ويسجدون له إلا إبليس، لكنّهم يستدركون ذواتهم ويصطفّون خلف آدم.

لم يطلب الخالق من الملائكة أن يكونوا عالمين بل صادقين... كيف نفهم صراع المعرفة والإيمان في القصص القرآني؟ 

محاججة إبليس

في المرافعة التي يعرضها إبليس أمام الله كونه لم يسجد، لا يلجأ إبليس إلى الثيمة الإيمانية، بل ثيمة العلم، بعدما رأى كيف خسر الملائكة أمام آدم، لأن الخالق لم يمنحهم العلم المتعلق بالأسماء، ولأن إبليس يدرك أن الذهاب في محاججته نحو مسائل يعود علمها إلى الخالق سيقوّض دفوعه، لذلك اختار الجانب الآمن من العلم، ما تمّ واستقرّ واعتيد عليه، حتى لا يظن أن بعده علماً.

يستنكِر الخالق على إبليس عدم سجوده، فيأتي دفاع إبليس علمياً فيزيائياً – إن صحّ التشبيه- قائلاً: "أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ".

يستخدم إبليس القياس المنطقي والعرفي بين النار والطين ليثبت أنه خير من آدم، فها هو يستخدم العلم الذي فات الملائكة في اعتراضهم ولم ينفعهم تسبيحهم وحمدهم، وبالتالي لم يحتجّ بالإيمان الذي لن ينفعه، ففي ختام مرافعته الفاشلة أمام الخالق، لم يتنكّر إبليس للخالق بل أقسم بعزّته التي لا تطال ولا تنال، لذلك ذهب إلى الأسلوب نفسه الذي اعتمده الخالق بدحض حجج الملائكة وبإثبات أحقية آدم بالخلافة، فإذا كان العلم قد رجّح كفة آدم، فلابد أن العلم سيجعل من أدلة إبليس تتوافق مع إرادة الخالق، بأن الخليفة المستحق للأرض هو العالم والعارف، وها هو إبليس يقدّم معرفته وعلمه المنطقي إلى جانب إيمانه.

يدفع إبليس بقوة محاججته التي تقوده منطقياً بما أن النار أعلى من الطين علمياً، فهو لن يسجد لآدم وأنه أحق بالخلافة إلى جانب إيمانه الذي لم ينقضه طوال المرافعة الجهنمية التي تقدّم بها في المجلس العلمي للخالق، فلماذا خسر إبليس في مرافعته العلمية؟

العزيز أحد أسماء الله

العزيز يعني المنيع مطلقاً، الذي لا يمكن أن يُعتلى حيطه. يظهر قسم إبليس بعزّة الله دبلوماسية فائقة، أمّنت له أن يكون من المنظرين إلى يوم الدين، أو لنقل إن محاججته أمام الله قد نقلها إلى ساحة خصمه الأبدي آدم، كي يثبت أن المعرفة والعلم اللذين اختص بهما آدم لن ينفعاه وأنه أحق منه بالخلافة والعلم والمعرفة.

حذر الله آدم من غواية إبليس له، بعدما أصبح شيطاناً بإخراجه من الجنة. وفي شكل ومضمون الغواية التي جاء بها الشيطان إلى آدم، نجد العلم والمعرفة، فعندما أخبر الشيطان آدم أن منعه من الاقتراب من الشجرة يعود إلى فهمه المغلوط لأمر الله، قائلاً: "مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ".

في تحليل إجابة الشيطان على آدم، لا نجد ما هو مخالف للمعلوم الثابت لدى آدم، فهو ليس من الملائكة وليس من الخالدين وهذه كانت حركة "كش ملك" من قبل الشيطان، وكانت الحركة الأخيرة على صعيد النية أي الإيمان، كي لا يبقى في دخيلة آدم أي شكّ في مراد الشيطان، فلقد قاسمهما – آدم وحواء- أنه من الناصحين، أي حلف لهما بالله أنه لا يكذب ولم يكن وفق العلم والمعرفة السائدة في الملأ الأعلى من خالف هذه القاعدة، أي أن يقسم كذباً بالله. وبناء على ذلك، تبدّى الشيطان لآدم صادقاً وفق المنطق المعرفي، وكأنه تناسى خطاب الله للملائكة بقوله لهم بأن يكونوا صادقين لا عالمين، فالصدق العلمي والمعرفي يفترض بأن علم كل الملأ الأعلى ليس تاماً ولا كاملاً، لذلك قالت الملائكة بأن علمهم يستند إلى الله وكان الأحرى بآدم أن يعترف بجهله قياساً على أنّه متعلّم عند الله وليس عالماً، والأجدى للتلميذ العودة إلى معلّمه في المسائل التي تشكل عليه.

نال الشيطان مراده وعصا آدم وغوى، والغواية نقيض للعلم والمعرفة وقال لآدم: "كش مات".

ربح الشيطان معركة لكنه لم يربح الحرب.

إبليس ومحاججته  أمام الله

في ختام المرافعة يقسم إبليس بعزّة الله، وقد قلنا إن العزيز لا تثريب عليه، وهو الحاكم المطلق في ملكه، واعتبرنا هذا القسم مناورة من إبليس كي ينقل وقائع معركته القضائية من محكمة الله إلى محكمة الإنسان، لعلّه يفوز! لكن هذا القسم له دلالة أخرى، من حيث لم يشأ إبليس!

تفترض الألوهية ألا يُسأل الله عمّا يفعل، وبالتالي، إذا كان العلم هو النهر الذي يتدفّق من ينابيع الخالق، فهذا يعني أن للخالق وفق منطق الربوبية الحق بإنشاء علم آخر وفق إرادته ومشيئته، وليس من أحد له حق الاعتراض. وكما رأينا في مسألة الأسماء كيف صمت إبليس، فهو لا يعلم الأسماء، مثله مثل الملائكة، فلم يتلقّوا تعليماً بذلك.

وذهبنا بأن لجوء إبليس إلى محاججته على أساس علمي كي يضرب من حيث ضرب الله ولكي يُخرج نفسه من الامتحان الذي وضِع فيه الملائكة، بقوله إنه مخلوق النار، ووفق القواعد العرفية السائدة بأن النار أعلى من الطين، ما يفترض أحقيته بالخلافة من حيث القيمة ومن حيث الطرح المعرفي. إلا أننا نجد في طرح إبليس العلمي مقتله المعرفي! لأن الطرح العلمي يؤكّد أنّ مصدرية العلم تأتي من الله، لا أحد غيره، وهو وحده من يقيم القوانين أو ينقضها، لأن العلم وفق المفهوم الألوهي خاضع لله، له أن يغيّره أو يثبته. والشيء الآخر، إن احتجاج إبليس بالعلم بعيداً عن مصدريته أي الله، هو كفر صريح وخروج مطلق عن طاعة الله، بأن جعل العلم مصدراً مطلقاً خارجاً عن كلية الله، فخطأ إبليس كان معرفياً وإيمانياً، وهذا الأخير ما تداركته الملائكة.

لكن لنا أن نجادل بخطأ إبليس المعرفي، فإقراره بأن الله خلقه من النار، والنار أعلى من الطين، لا نجد له قاعدة في كل المقول الإلهي، أي أن الله لم يثبته، كما أثبت علمية الأسماء التي علّمها لآدم، بل هذه مقولة إبليس التي لم يردّها الله عليه، لا إثباتاً ولا إنكاراً، بل ردّه كان منحصراً بناحية معرفية أخرى رفضها إبليس وهو يطرح حججه العلمية. وهذه الناحية متعلّقة بأحدية الله ووحدانيته وأنه علم كلّه، هذا هو خطأ إبليس المعرفي الذي نَقض من حيث الشكل والمضمون دفاعه العلمي، الذي يكاد أن يكون لغير المدقّق حجة دامغة.

لا ريب أن ردّ إبليس إشراك لن يسامح عليه، وهذا الإشراك مقتل الإيمان، لكنه أجّل الحكم النهائي عليه حتى يوم يبعثون! في الوقت نفسه تحصلنا نتيجة قضية "الخليفة" على تعادل كفتي الجدل بين العلمي والإيماني، فالسرد القرآني يناصف بين العلم والإيمان بحيث تكثر كلمات: يعلمون ويعقلون إلى جانب يؤمنون، حتى تكاد تكون تلك الكلمات لازمة في نهايات الآيات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard