تشريع زراعة الحشيش في لبنان... مشاركة الدولة في الأرباح لا تحسين حياة المزارعين

الأربعاء 22 أبريل 202006:03 م

شرَّعوها؟ مهلاً. هذا ليس صحيحاً تماماً. أجلّوا احتفالاتكم إنْ كنتم من المحتفلين. فرغم أن البرلمان اللبناني أقر قانوناً لزراعة الحشيش (القنّب الهندي)، إلا أنه يتيح هذه الزراعة فقط لأغراض طبية وصناعية.

وهذا القانون، مثل أي قانون، يحتاج تنفيذه إلى آليات. ولكن قبل ذلك، تحتاج الصناعة إلى مصانع، والأغراض الطبية إلى مختصين، كما يحتاج التمييز بين الأصناف إلى إجراءات عملية معقّدة. وقبل هذا القانون، ثمة تاريخ طويل للمطلب.

سيطرة الدولة على الأرباح

حسب المشرّعين، وظيفة هذا القانون هي جني الدولة أرباحاً قد تعود عليها من تنظيم هذا القطاع. لكن هل هناك مَن هو مستعد فعلاً للتخلي عن العلاقة مع الأرض، وعن تصريف الإنتاج لحسابه الخاص، وفق عملية طويلة، لكي يشارك أرباحه مع "الدولة"؟ هل هذا القانون بصورته الحالية يهتم بالمزارعين، أم بمشاركة الأرباح مع التجار الكبار؟

الإجابة تحتاج إلى تقصٍ طويل، لكن جولة قصيرة قد تدل على طريق الإجابات. قبل كل شيء، العلاقة بين سهل البقاع اللبناني، الموجود على الحدود اللبنانية-السورية، بحاجة إلى مدخل "تعريفي" بسيط، لمَن لا يعرفه. قد يوصف بتكساس البلاد، وقد يقال إن أوصاف الجرود تنسحب عليه. ما هو مهم في موضوعنا هذا، هو أن زراعة الحشيش، ومنذ وقتٍ طويل، تحدث هناك، في البقاع تحديداً. ويجب التوضيح، أيضاً، أن سكان المنطقة، متروكون لمواجهة مفتوحة مع أمزجة الجرد: لا مصانع، ولا فرص عمل، ولا خدمات. صورة نموذجية عن الهوامش المهملة من الناحية الجغرافية، وعن أثر العشيرة في هذا الحيّز، بالمعنى الأنثروبولوجي للكلمة. كل ما تُرك للمزارعين، هو سهولهم التي تخرج منها "النبتة المباركة" كما يسمّيها البعض.

حسب الإحصاءات، وقبل أزمة الدولار الأخيرة في لبنان، كان الدونم (ألف متر مربع) الخصب المروي الواحد يعود على المزارع بمبلغ لا يتجاوز الألف دولار أمريكي. أما إذا كان الدونم غير مروي بالماء، أو نوعية تربته غير جيّدة، فإن محصوله من نبتة الحشيش لن يتجاوز نصف هذا المبلغ.

قد تتحسن هذه الأرقام قليلاً، ربما في قرى تربتها أكثر "خصوبة" مثل اليمونة، بغالبيتها المؤيدة لحزب الله، وجارتها دير الأحمر، معقل القوات اللبنانية في قضاء بعلبك. لكن بالأرقام، علينا أن نتفق، منذ البداية، على أن المزارعين لا يحصلون على أرباح "خيالية"، كما يتخيّل كثيرون. فهم يبيعون محصولهم، ودورة الإنتاج تتخذ شكلاً آخر. الأرباح الفعلية، هي من حصة التجار، على اختلاف أحجامهم.

بالنظر إلى المادة الرابعة من المشروع الذي وافق عليه البرلمان اللبناني، ستنشأ هيئة لمراقبة وتنظيم جميع الأنشطة المتعلقة بالحشيش: من غرس، زراعة، حصاد، إنتاج، حيازة، تصدير، تخزين، تسويق، وتوزيع القنب ومشتقاته. ما الذي يعنيه هذا؟ الحديث عن "هيئة" في لبنان، يذكّر بالمحسوبيات، المحاصصة، التوزيع الطائفي، تقاسم الأرباح بين أحزاب المنطقة، إلخ. وهذا ليس رأياً خاصاً. هذا ما يقوله المزارعون.

بالدرجة الأولى، يسأل بقاعيون: "ما هي الدولة؟ أو مَن هم الذين يمثلون الدولة؟". لديهم تصورات عن المؤسسات الأمنية، وعن النواب، والإدارات الرسمية. مبدئياً، هذه هي الدولة. يمكن الدخول إليها، الخروج منها، والاشتباك معها. لديهم تصوراتهم أيضاً عن العلاقة الشائكة بين صورة الأحزاب التي تهيمن على منطقتهم (حزب الله، حركة أمل) عندما تكون أحزاباً تمثلهم كجماعات طائفية في مجتمع طائفي، وعن الأحزاب نفسها عندما تصير هي الدولة. اليوم، ينظرون إلى المشروع بحذر. وبمعزل عن موقف حزب الله الرافض لأسباب معلنة وأخرى غير معلنة، وهو أكبر الأحزاب عملياً في المنطقة، لدى الناس المقيمين هناك ما يقلقهم فعلاً.

لوقت طويل، كان لبنان أكبر موردي الحشيش في المنطقة. يذكر مارتن بووث في كتابه "تاريخ الحشيش" أن الحشيش اللبناني كان أشبه بعلامة تجارية، توضَّب بعناية في أكياس من القطن الأبيض أو الكتان، وتطبع عليها رموز مثل الأسد، الهلال والنجمة، أو أرزة لبنان

أولاً، شبعوا كلاماً عن الحرمان، وينتظرون أفعالاً. هم يعرفون أن الإنماء لن يحدث في هكذا ظروف. القانون بالنسبة إليهم واضح: هدفه الاستفادة من أراضي البقاع لخدمة مصالح تُسمى تمويهاً بالدولة، وليس أن يستفيد المزارعون. يدللون على ذلك بعدة علل: كثيرون من أصحاب الحقول الذين سيحتاجون إلى تراخيص مطلوبون بموجب مذكرات توقيف. يعني هذا أن القانون، من دون "عفو عام"، سيكون في مصلحة فئة قليلة، لحسابات غير جماعية. إلى ذلك، يسألون عن التمييز بين "الطبي" و"غير الطبي". لا يضمنون أن تذهب المحاصيل إلى الأشخاص المناسبين، بل يمكن أن يحدث "تهريب"، وهم يعرفون هذه العملية جيداً. والأهم من هذا كله، بالنسبة لهم، هو المردود الذي سيحصلون عليه من التشريع، حتى في حال حصولهم على تراخيص. هل هو مردود مثل مردود مزارعي التبغ في جنوب لبنان مثلاً، بحيث تتراكم الأرباح في أماكن أخرى، ويحصل المزارعون على الفتات؟

ما لا يعرفه المشرّعون

تقنياً، زراعة االحشيش، لأسباب طبية تعني إنتاج الكانابيديول (Cannabidiol). بلا مبالغة، المزارعون يعرفون النبتة أكثر مما يعرفون الشمس. لكنهم لا يكترثون لهذا التمييز، ويهمهم بيع المحصول بسعر جيد. طبعاً، لديهم تقدير "اجتماعي" للنبتة التي تزيّن سهولهم، وتعود عليهم بالخير، لكن هذا مبحث آخر.

ما نتحدث عنه هو الاقتصاد، أو الجانب الاقتصادي في القانون المقترح. الحشيش، يُستخرج منه التتراهيدرو كانابينول (Tetrahydrocannabinol) وهو معروف بـ (THC)، وهذا ما لحظه القرار. لكن ما لم يلحظه، هو أن استخراج هذه المادة، مسألة معقدة تماماً، إنْ كان ذلك للاستخدام الطبي، أو للاستخدامات الأخرى.

ما يعرفه المزارعون أيضاً، ولا يعرفه المشرّعون، على ما يبدو، أن زراعة البذور لأغراض طبية، هي بذور لها طبيعة الغزو، وبالتالي، ستقضي تدريجياً على البذور الصافية، والخالية من أي تهجين، وهذا سيعني القضاء على هذه الزراعة في لبنان. والمزارعون لن يقبلوا بذلك.

لوقت طويل، كان لبنان أكبر موردي الحشيش في المنطقة، خلال ستينيات وثمانينيات القرن الماضي. يذكر مارتن بووث في كتابه المرجعي "تاريخ الحشيش" أن الحشيش اللبناني كان أشبه بعلامة تجارية، توضَّب بعناية في أكياس من القطن الأبيض أو الكتان، وتطبع عليها رموز مثل الأسد، الهلال والنجمة، أو أرزة لبنان. "الذهب اللبناني". هكذا كان اسمه في الغرب.

قبل ذلك، في مطلع الخمسينيات، كان لبنان وسوريا ينتجان معاً ما يبلغ ثلاثمئة طنّ من الحشيش سنوياً. لطالما كان لهذه العملية حساباتها. عودة الدولة وأحزابها لن تكون سهلة، إنْ كان ذلك للتنظيم فعلاً (ولا أحد يصدّق ذلك من المزارعين) أو إنْ كان للمشاركة في الأرباح.

خلال حرب أكتوبر، نفّذ الموساد عملية حملت اسم "لاهاف" بيع خلالها الحشيش اللبناني لتجار مصريين بالقرب من القواعد العسكرية للجنود، بهدف إضعاف الجيش المصري

في مقال قديم، نشر في "التايمز"، عام 1996، هناك قصة لافتة في هذا الإطار. تحدثت المجلة عن خطة وضعها الموساد خلال حرب أكتوبر (حرب الغفران)، لشراء الحشيش من لبنان وتوزيعه في مصر. يقول المقال إن الحشيش اللبناني بيع فعلاً لتجار مصريين بالقرب من القواعد العسكرية للجنود، وكان الهدف إضعاف الجيش المصري، في عملية حملت الاسم الرمزي "لاهاف".

استمرت العملية مباشرة خلال الحرب الأهلية اللبنانية. حدث الأمر أحياناً بالمقلوب. يشير أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني الأسبق، جورج حاوي، في حديث سابق، إلى أن "المقاومة الفلسطينية" نجحت في تمرير كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر عبر أحد نقاط التفتيش الإسرائيلية، خلال اجتياح بيروت عام 1982، بعد رشوة جنود الحاجز بكميات كبيرة من الحشيش. في لحظة تاريخية، النبتة أدت دوراً وطنياً كبيراً، لم يقم به معظم المشرعين على الأرجح.

تجارب قديمة

بالنظر إلى حسابات القانون، ينظر المزارعون وسكان المنطقة إلى المستجدات على ضوء التجارب القديمة، وانطلاقاً من فهمهم لكيفية تعامل الدولة معهم كسكان من الأطراف، وكيفية تعاملهم معها كسُلطة. بعد كل شيء، يحاول المزارعون أن يكونوا موضوعيين.

في ما مضى، جاءت الأمم المتحدة وفرضت عليهم برامج لاستبدال محاصيلهم بزراعات أخرى، مثل التبغ والبندورة والبطيخ والقمح. ولم يموّل أحد تكلفة هذه الزراعات، في أرض غير قادرة على إنتاجها. جرّب جزء منهم، وبذل جهداً فوق طاقته، وانتهى إلى مراكمة الخسائر.

وحتى اليوم، الحديث عن المزارعين ما زال إطلاقياً إلى درجة التعسف، لأنه بالدرجة الأولى يجمع بينهم وبين التجار، ولأن التجار أيضاً ينالهم جزء من التعسف، ليس لأن النظر في القانون الذي يجرّم تدخين الحشيش ويساوي بينه وبين المخدرات يحتاج إلى تعديلات جذرية وحسب، وليس لأن التجار على صورة "دون كورليوني" الذي رفض نفسه في "العراب" الانتقال من القمار إلى الحشيش التركي، إنما لأنهم، بدورهم، جزء من نسيج المنطقة، ومن تاريخها، أو تاريخ الإهمال فيها.

لم يتح للتجار الخوض في تجارب مختلفة دائماً، من دون أن يعني ذلك، انتفاء الحاجة إلى دراسة العلاقة بين العشيرة والحيز الجغرافي، وتغليب الربح الاقتصادي على أي مراعاة للتاريخ السوسيولوجي للمنطقة. هذه المعالجات من وظائف المشرع الذي يجب أن يستند إلى دراسات عميقة، لا أن يشرّع قوانين "غب الطلب" تهدف إلى الهيمنة على الأطراف أكثر مما تهدف إلى مساعدتها في النمو، وتهدف فقط إلى مشاركة الدولة للتجار في الأرباح من العائدات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard