تباينات في فعالية الإجراءات... هل نجحت الدول العربية في السيطرة على كورونا؟

الجمعة 17 أبريل 202011:37 ص

منذ منتصف شباط/ فبراير 2020، بدأت المنطقة العربية تشهد إصابات بفيروس كورونا المستجد، لكنّ حكومات المنطقة اعتمدت مقاربات مختلفة للحدّ من انتشار الوباء.

المعطيات الكمية والنوعية المتوفرة حول هذه المقاربات توحي بوجود تباين في نجاعة القرارات المتخذة إلى حد الآن، وفي ما قد تؤول إليه الأوضاع مستقبلاً.

ونظراً للاختلافات الكبيرة في الإمكانات المادية بين الدول الخليجية وبقية دول المنطقة، وانعكاسات تلك الاختلافات على سياسات مكافحة الوباء، سنركز مبدئياً على الدول العربية غير الخليجية فقط.

أهم المؤشرات الكمية

أهم القرارات التي اتخذتها حكومات المنطقة منذ بداية تفشي الوباء تعلقت بفرض الحجر الصحي ومنع التجوّل، فقد أعلن لبنان منذ 15 آذار/ مارس "حالة طوارئ طبية"، ثم لحقته كل من الأردن وتونس والمغرب بقرارات حظر تجوّل وحجر صحي عام يوم 20 آذار/ مارس.

هذا التوافق العربي خرجت عنه الجزائر التي اتخذت قرارات مرحلية بدأت بفرض حظر تجوّل ليلي في العاصمة، ووضع ولاية البليدة في الحجر الصحي يوم 23 آذار/ مارس، ثم وسّعته بعد أربعة أيام ليشمل تسع ولايات أخرى، وبعد ذلك عممته على كامل البلاد بداية من 5 نيسان/ أبريل.

ورصدت حكومات المنطقة ميزانيات مختلفة لمواجهة الوباء، فقد أعلنت مصر عن تخصيص 6.38 مليار دولار "لخطة الدولة الشاملة للتعامل مع أي تداعيات محتملة لفيروس كورونا المستجد"، بينما أنشأ المغرب صندوقاً احتياطياً بقيمة مليار دولار "لتأهيل الآليات والوسائل الصحية" ودعم "القطاعات الأكثر تأثراً بفعل انتشار فيروس كورونا".

أما في تونس، فقد خصصت الحكومة 850 مليون دولار للتعامل مع تداعيات الوباء، وأنشأت حساباً للتبرعات الوطنية أضاف حوالي 28 مليون دولار للاعتمادات المخصصة للمستشفيات الحكومية.

وفي لبنان، عدّل مجلس الوزراء اتفاقية قرض مع البنك الدولي لتخصيص جزء منه (39 مليون دولار) لتجهيز المستشفيات ومعالجة المصابين بالفيروس، بينما حصل الأردن على قرض بقيمة 139 مليون دولار من صندوق النقد الدولي في مطلع نيسان/ أبريل، سيتم تخصيص جزء منه لمجابهة الوباء.

أما في الجزائر، فقد أعلن رئيس الجمهورية في 22 آذار/ مارس عن تخصيص مبلغ 100 مليون دولار لاستيراد المواد الطبية اللازمة.

هذا التباين في الميزانيات التي خصصتها الحكومات العربية لمجابهة وباء كورونا يقابله تباين آخر في عدد الاختبارات التي تجريها وزارات الصحة لتشخيص الإصابات والكشف عنها. وإذا أخذنا في الاعتبار الاختلاف الكبير بين الدول العربية من حيث عدد السكان، سنلاحظ أن نسب العيّنات التي شملتها الاختبارات غير متقاربة بالمرّة.

التشخيص المكثّف للإصابة له أهمية كبرى في مواجهة الوباء ومحاولة السيطرة عليه، لكن معظم حكومات المنطقة لا تبدو واعية كثيراً لذلك. النسب التي حققها لبنان والأردن هي الأفضل في مجموعة الدول المدروسة، لكنها تبقى دون النسب المسجلة في الدول الأوروبية.

أما بالنسبة إلى المغرب ومصر وخاصة الجزائر، فإنّ عدد الاختبارات يبقى ضعيفاً جداً مقارنة بعدد السكان، ولن يساعد كثيراً في احتواء الوباء والسيطرة عليه.

وإذا احتسبنا النسبة المئوية للإصابة بالفيروس من مجموع الاختبارات التي أجريت في كل بلد، ستكون النتائج كما يلي:

ـ الجزائر: 64.30 بالمئة

ـ المغرب: 19.74 بالمئة

ـ مصر: 10.02 بالمئة

ـ تونس: 5.93 بالمئة

ـ لبنان: 3.81 بالمئة

ـ الأردن: 1.95 بالمئة

التشخيص المكثّف للإصابات بالكورونا له أهمية كبرى في مواجهة الوباء. نسب الاختبارات التي أجراها لبنان والأردن مقبولة لكنها تبقى دون النسب المسجلة في الدول الأوروبية. أما في المغرب ومصر وخاصة الجزائر، فإنّ عدد الاختبارات ضعيف جداً

عندما تتأكد الإصابة بالفيروس في أكثر من نصف الحالات التي خضعت لاختبارات (الجزائر) أو حتى خمسها (المغرب)، فإنّ ذلك مؤشر على ضرورة تكثيف هذه الاختبارات وتوسيعها بشكل كبير. وإذا نظرنا إلى الدول التي نجحت في السيطرة على الوباء نسبياً، رغم انتشار الفيروس مبكراً فيها، مثل كوريا الجنوبية، سنلاحظ أنها أجرت اختبارات على نطاق واسع جداً، وبصفة استباقية حالت دون تكاثره بسرعة.

الخطاب الرسمي

رغم أن كل المؤشرات المذكورة أعلاه تؤكد وجود قصور في التعاطي مع الوباء في أغلب الدول المذكورة، فإن التصريحات والبيانات العامة ما انفكت تمدح السياسات المعتمدة، وتصوّر الوضع على أنه تحت السيطرة.

فعلى سبيل المثال، أكد وزير الصحة المغربي خالد آيت الطالب، يوم 14 نيسان/ أبريل، أن "الوضعية الوبائية في المغرب تحت السيطرة". كما أعلنت وزيرة الصحة المصرية هالة زايد يوم 27 آذار/ مارس أن "تكاتف أجهزة الدولة والقيادة السياسية" جعل الوضع تحت السيطرة.

أما في الجزائر، حيث بدأت الأخطاء باعتماد إجراءات مرحلية، وحيث يبقى عدد الاختبارات ضعيفاً جداً مقارنة بعدد السكان، فقال الرئيس عبد المجيد تبون يوم 13 نيسان/ أبريل: "إننا مسيطرون على الوضع، وقد واجهنا هذا المرض بفضل الإيمان والإرادة"، علماً أن الجزائر سجلت حتى الآن 336 وفاة بسبب الفيروس، وهي أكبر نسبة في المنطقة العربية وإفريقيا.

على أرض الواقع، يبدو الأردن الأقرب إلى تحقيق نتائج ملموسة في احتواء الوباء، فقد فرض حظراً شاملاً للتجول لمدة 48 ساعة، من منتصف ليل العاشر من نيسان/ أبريل، وهو مستمر في الحجر الصحي التام منذ 21 آذار/ مارس، وبصدد فحص 1500 شخص يومياً.

أما في لبنان وتونس، فالمجهودات المبذولة إلى حد الآن لم تنجح في تقليص الإصابات إلى مستويات تقارب الصفر، لكن ارتفاع عدد الإصابات حافظ على وتيرة غير عالية نسبياً، تتراوح في أغلب الأيام بين 5 و25 إصابة.

أي مشهد بعد كورونا؟

المقارنة بين سياسات دول المنطقة في التعامل مع الوباء تستوجب أيضاً استشراف سيناريوهات الخروج من الأزمة وتكلفتها الاقتصادية. وبغضّ النظر عن مدى اقتراب كل دولة من السيطرة الفعلية على الوباء، فإنّ توقّف حركة الإنتاج في بلدان تعاني أصلاً من ركود اقتصادي واضطرابات اجتماعية، مثل تونس والجزائر ولبنان، سيزيد حتماً من معاناتها، وقد يصل بنسب البطالة إلى مستويات غير مسبوقة.

رغم أن كل المؤشرات تؤكد وجود قصور في التعاطي مع وباء الكورونا في مصر والمغرب والجزائر وتونس ولبنان، ونسبياً الأردن، فإن التصريحات والبيانات العامة ما انفكت تمدح السياسات المعتمدة، وتصوّر الوضع على أنه تحت السيطرة

ففي تونس على سبيل المثال، قدّر الخبير الاقتصادي حكيم حمودة عدد الذين سيفقدون وظائفهم بسبب الوباء بـ158 ألفاً، لترتفع نسبة البطالة من 14.9 بالمئة في الوقت الحالي إلى 18.8 بالمئة بعد أسابيع من الآن.

ورغم أنّ المعطيات الكمية أكّدت وجود تباين بين الدول المعنية في السياسات المعتمدة لمكافحة الوباء، فإن التوقعات الخاصة بالفترة اللاحقة للأزمة قد تكون مغايرة للتباين الحالي.

تكفي الإشارة إلى أن اقتصادات المغرب وتونس ومصر ولبنان تستفيد كثيراً من حركة السياحة، التي تشهد شللاً تاماً في الفترة الحالية، ما سينتج عنه خسائر مادية واجتماعية كبيرة في البلدان الأربعة. أما الجزائر، التي تؤكد المعطيات الكمية أنها الأقل انخراطاً في مكافحة الفيروس حالياً، فإن عدم اعتماد اقتصادها على السياحة قد يجعل الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة أقلّ خطورة.

التحدّي الأوّل والأكيد الذي ستجد الدول العربية نفسها في مواجهته في المستقبل القريب هو الحاجة إلى رفع الحجر الصحي وحظر التجوّل، ولو جزئياً، واستئناف الحركية الاقتصادية تدريجياً، خاصة مع اقتراب شهر رمضان.

لن تتحمل الدول المذكورة أعباءً اجتماعية أكبر، ولن يكون بوسعها توفير حاجات الناس لحثهم على البقاء في المنازل. والمغامرة برفع جهود التباعد الاجتماعي المبذولة إلى اليوم قد تعصف بما تحقق من مكاسب، على صغرها، وقد تزيد من تفشي الوباء في المنطقة.

التحدي الكبير الثاني هو إيجاد الحلول لإنهاء العام الدراسي الحالي مع الحفاظ على قدر محترم من التحصيل العلمي. رغم وجود محاولات لاستخدام التعليم عن بعد كبديل للتعليم المباشر من أجل إنهاء المقررات الرسمية، إلا أنها تبقى محاولات محتشمة بالنظر إلى الصعوبات اللوجستية التي يواجهها طلاب الأرياف والأماكن الأقل ارتباطاً بالإنترنت. سيحافظ الناس على أملهم في سرعة انتهاء الوباء حتى يعود أطفالهم إلى مدارسهم، لكن أملهم قد يطول أكثر من اللازم.

سؤال العودة إلى المدارس هذا، وسؤال الوضع الاقتصادي والاجتماعي بعد الأزمة، وغيرها من الأسئلة الحارقة ستبقى بلا أجوبة في المستقبل القريب، وسيضطر الناس إلى انتظار ما ستؤول إليه معركة العالم مع هذا العدو الخفي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard