التفكير السحري وعلاقته بالمفاهيم... لماذا نستخدم كلمة "جائحة"؟

الأربعاء 8 أبريل 202003:13 م

يتم تداول لفظ جائحة للدلالة على انتشار فيروس كورونا، أو ربما للدلالة على الوباء أو المصيبة، الحقيقة أن المعنى مبهم وراء استعمال هذا اللفظ، وتحويله من مجرد اسم إلى ما يشبه مصطلحاً حصرياً للدلالة على وباء كورونا وانتشاره، الملفت للاهتمام أنني وجدته في مقالات كثيرة لأساتذة وباحثين في العلوم الإنسانية وغيرها من العلوم الدقيقة (الذين يستخدمون ما يتوفر من قِبل أقرانهم الإنسانيين)، فلماذا استعمال هذا اللفظ دون غيره؟ هل هو فعلاً مناسب للدّلالة على المعنى المستجلب لأجله؟ على الأرجح يكون أول استعمال للفظ جائحة بمعنى "الانتشار الوبائي العام" بعد ترجمة إعلان منظمة الصحة كوفيد-19 حالة وبائية عالمية "Pandemic/ Pandémie"، بتاريخ 11 آذار/ مارس 2020، لكن لماذا ترجمة اللفظ بجائحة دون غيرها؟

لماذا استعمال هذا اللفظ دون غيره؟ هل هو فعلاً مناسب للدّلالة على المعنى المستجلب لأجله؟

حسب معجم الدوحة التاريخي، يكون الشاعر الجاهلي هناءة بن مالك الأزدي، أول من استعمل هذا اللفظ ليدلّ على هلاك أملاك والده في مدينة العلا، بسبب جائحة لا يذكر ما هي، لكن بالعودة إلى أقدم قاموس في اللغة العربية "كتاب العين" لم أجد ما يؤيّد المعنى المستحدث لها، إذ الدلالة الأولى بل والوحيدة فيه لهذه اللفظة هو السَّنة الجدبة (الخليل بن أحمد).

المعنى ذاته ذكره الصاحب بن عبّاد في محيطه، كما يسميها في مقام آخر بالهرنكس، أي الجمع بين الهرس والنكس، أضاف هذا الشرح مرتضى الزبيدي في تاج العروس، ثمّ سيكرر ابن منظور هذه المعاني في قاموسه لسان العرب، جامعاً إليها إضافات أخرى تراكمت من خلال استعمالات في حقول أخرى. وأصلها الجوح وهو الاستئصال والاجتياح (لسان العرب).

هذه المعاني اللغوية الأُوَل التي تعنيها الجائحة أو الحالات التي تدلّ عليها، إلا أن علماً آخر سيعتمد على هذا اللفظ ليتحوّل فيه إلى مصطلح لا يمكن فصله عنه بأي حال من الأحوال، وهو الفقه.

للفقهاء باب الجوائح، وهو باب في المعاملات أحياناً لا يكون قائماً بذاته، بل متصلاً بأبواب أخرى كالبيوع، الرهون أو الإيجار، وهي كلّها تأخذ بعين الاعتبار الجائحة والمعاوضات المالية التي تنجم عنها، هنا تحوّل المعنى تماماً، لينتقل من الزرع تصيبه مصيبة فتتلفه إلى التعويض، أي أن الفقيه عند ذكره الجائحة لا يذكرها لشرح حال الزرع، بل ليحدد مقدار العوض المادي الذي يجب على البائع للمشتري في تلك الحالة.

أما الأمور التي يصنّفها الفقهاء من أسباب الجائحة فهي:الجفاف، المطر، البرد، الريح، الحرارة الشديدة المتلفة للزرع والجراد، أي عوامل الطبيعة، يضيف إليها ابن تيمية حرب الكفار، يعني إذا داهم جيش من الجيوش أثناء الحرب على المسلمين أرضاً مزروعة كان ثمرها الذي ستنتجه محل اتفاق بيع وفسد وجبت الجائحة، أي اعتبار مرور الجيش نازلة سماوية أوجبت العوض المادي للمشتري.

هذه هي الأسباب المُتلفة للمال الداخلة ضمن الجائحة، والمعتبرة من الأمور السماوية التي ليس للبشر تصرف أو تحكّم فيها، إذن، من المنظور الفقهي الجائحة أمر سماوي سبب ضرراً وأتلف مالاً (من زرع)، بينما في حالات نادرة جداً يذكر الفقهاء الجائحة (من جوع أو مرض)، أي تطبق إثر وباء يصيب الحيوان، لأن المرض في الحيوان ظاهر أثناء المعاملات، إلا إذا انتشر فجأة بعد البيع وقبل التسليم.

 الجائحة معتبرة من الأمور السماوية التي ليس للبشر تصرف أو تحكّم فيها، إذن، من المنظور الفقهي الجائحة أمر سماوي سبب ضرراً وأتلف مالاً (من زرع)، بينما في حالات نادرة جداً يذكر الفقهاء الجائحة (من جوع أو مرض)، أي تطبق إثر وباء يصيب الحيوان، لأن المرض في الحيوان ظاهر أثناء المعاملات، إلا إذا انتشر فجأة بعد البيع وقبل التسليم

هذا مجال تطبيق الجائحة ولا يُعرف لها مجال آخر، فلماذا إذن تُستقدم الآن للدلالة على وباء يصيب الإنسان؟ رغم وجود مصطلحات طبية قديمة أنتجها أطباء مسلمون بداية من ترجمتهم للتراث اليوناني، وصولاً إلى إنتاجهم الطبي الخاص، عندما نقل حنين ابن اسحاق مثلاً، شَرْح جالينوس للمقالة الثانية من كتاب أبقراط المسمى إفيديميا، محتفظاً بالاسم اليوناني نفسه الذي منه اشتقت التسمية في اللغات الأوروبية الحديثة، ثمّ في مرحلة ثانية ترجمها بالأوبئة، كذلك الأمر في كتب التاريخ القديمة، عندما تحدّث المؤرخون عن الأوبئة لم يذكروها إلا باسمها الطبي لا الفقهي، فواحد مثل ابن حزم، رغم كونه فقيهاً، إلا أنه عندما ذكر خبر بني إسرائيل ونهاية دولتهم، ذكر الوباء ولم يسمِه "الجائحة" (الفصل في الأهواء والملل والنحل)، والأمثلة كثيرة جداً عن ذلك، سواء في الفترة الكلاسيكية أو الحديثة، مثل عند عبد الرحمن الجبرتي، أمّا تفسير هذا الاستعمال المعاصر في نظري فله ثلاثة أوجه:

الأوّل هو الفقر اللّغوي، أقصد به الاعتياد على المفاهيم الفقهية واستعمالاتها المختلفة، حتى وإن كانت لا تتصل بالسياق الحقيقي لتطبيقها، إذ أصبحت اللغة العربية المستعملة حديثاً تعجّ بالألفاظ المستجلبة من الفقه، كلما استجدّ أمر كان الملجأ الأيسر والأقرب هو القاموس الفقهي وليس الفقه، لأن الفقه علم مستعص على الإدراك عند غالبية المسلمين والناطقين باللغة العربية، هذا الاعتماد على اللغة الفقهية يشير بشكل ملفت إلى الفقر الذي تعانيه اللغة العربية الحديثة، فقر لا يمكن فهمه إلاّ بالنظر إلى التراجع الفكري والثقافي لمستعملي هذه اللغة، لأن اللغات لا تتطوّر إلا بتطوّر المستوى الفكري للناطقين بها، وفي تاريخ تطوّر اللغة العربية وجمعها دليل وافر على ذلك.

التفسير الثاني سحري، أي طغيان التفكير اللاهوتي الديني الفقير جداً على التفكير العقلي، بحيث تتوقف الأسباب لتحل محلها المعجزات والخوارق والإيمان بالغيبيات، من مظاهر ذلك الدعاء المستمر، تكرار بعض الجمل كتعويذات سحرية "des formules magiques" من دونها لا تتم الأمور، مثل "إن شاء الله"، "بعون الله" و"بإذن الله" وقد تتجاوز ذلك إلى حد منع الضرر ورفعه بتكرار "ما شاء الله"، والدعاء والرّقية وغيرها كثير. أمّا من جهة أخرى، وتماشياً مع نفس الرؤية السحرية الغيبية أثناء بداية الحديث عن انتشار الفيروس، فسّر كثير من المسلمين الأمر بانتقام إلهي بسبب اضطهاد السلطات الصينية للأقلية المسلمة، وألّفوا الكثير من الأقوال ولجأوا إلى التاريخ الأسطوري الذي يقوم على وقوف الله إلى صف المسلمين في كل مكان، ليتحوّل، حسب هذا التفسير السحري نفسه، الفيروسَ من مادة للعلم إلى مادة للتكهن والدجل، ويصبح فجأة جندياً من جنود الله الذين يقفون في جيش المسلمين أمام أعدائهم.

التفسير الثالث تطهيري، قائم على فكرة أن هذا الفيروس ما هو إلاّ مصيبة سماوية كنوع من التطهير الإلهي، بسبب فساد الناس في الأرض، العقاب الذي لابد منه، لأنّ الابتعاد عن الدين سبب من أسباب غضب الله، عرف هذا في الديانة اليهودية، وكان سبباً لفكّ العهد بين الله وشعبه مرات عديدة، ليستمر أيضا في الإسلام ويكون سبباً في سوء الأحوال وتردي الوضع المالي والجفاف، كغضب يتمظهر بأحوال شتّى، وجدت مثالاً جيداً في كتاب أخبار أبي نواس ما يعبّر عن هذه الحالة: بعد أن قال أبو نواس بيتين من الشعر ينتقد فيهما القدر والجبر، انتفضت جماعته وردّوا عليه: "إنا نخاف أن ينزل الله بنا قارعة أو تصيبنا جائحة إذا رضينا بقولك وأصغينا إليك ولم نعدّلك"، وليس هذا المثال الوحيد عن ذلك، بل هناك مئات الأحاديث التي تحذّر من غضب الله وعاقبة الأمور. تمثل هذه النظرة البشر في أضعف حالاتهم عندما يواجهون موقف الحشر الذي لا يُعفى منه أحد، ليكفّر الجميع مهما كانوا عن ذنوبهم، وفق نظرة انتقامية لا تترك مجالاً للفعل الإنساني، كما لا تستثني أيّ بشري في الأرض إلا ووصله هذا التطهير، وبالتالي لا حول للناس إلا التسليم للمصيبة الإلهية والترحيب بالانتقام بالقبول والتوبة، أي العودة إلى الله.

في عصرنا عدد الهائل من المتعلمين الذين لا يطرحون أي سؤال عن منبع الأفكار التي يرددونها كأنّها مسلمات لا يمكن معها أي نقاش. وفق هذا التفكير، يصبح فيروس كورونا الذي هو واحد من مئات الفيروسات، مصيبة سماوية إلهية تصيب الإنسان بالعقاب، كأي جائحة تصيب الزرع فتتلفه وتهلك مال مالكه

هذا التفكير ليس عشوائياً ولا تلقائياً، بل له أصوله في الفكرية العريقة، برفض الأشاعرة لمبدأ الطبيعة واستبداله بمبدأ العادة (ابن أبو الفراك، مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري)، فالطبيعة بلا قوانين ولا سببية فيها، بل أنها تعمل وفق العادة، ومتى أراد الله، خرق العادة وأحدث فيها حوادث لا أسباب واضحة لها.

والواقع، إن التحليل الأشعري متناغم مع نظريتهم العامة لعلاقة الله بالزمان والمكان والأرض والإنسان، ولم يكن انتصارهم ممكناً لولا أن الجهل فشا وغلب العقل بعد تحالفهم مع المحدثين. في عصرنا لا يكاد ينظر في هذا الأصل، لأنه أصبح هو الحقيقة الوحيدة رغم تطوّر التقنية، ورغم العدد الهائل من المتعلمين الذين لا يطرحون أي سؤال عن منبع الأفكار التي يرددونها كأنّها مسلمات لا يمكن معها أي نقاش. وفق هذا التفكير، يصبح فيروس كورونا الذي هو واحد من مئات الفيروسات، مصيبة سماوية إلهية تصيب الإنسان بالعقاب، كأي جائحة تصيب الزرع فتتلفه وتهلك مال مالكه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard