المساجد وانتشار الأوبئة... جولة سريعة على تاريخنا القريب تثبت الترابط بينهما

الثلاثاء 7 أبريل 202005:01 م


منذ ظهور إصابات بفيروس كورونا في الدول العربية، ثار جدل حول قرارات إغلاق دور العبادة، لا سيما المساجد، بعد إعلان الجهات الطبية أنها يمكن أن تتسبب في تفشي الوباء والحؤول دون السيطرة عليه.

انطلق الرفض من أسس دينية ترفض إغلاق بيوت الله، ولكن المسألة لا علاقة لها بالدين، بل هي مسألة مرتبطة بمنع التجمعات، أياً كان شكلها، وسبق أن لعبت المساجد والمناسبات الدينية في تاريخنا القريب دوراً في تفشي أوبئة.

"لنا في التاريخ عبرة"، يقول أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة الأزهر عبد المقصود باشا لرصيف22. يبيّن أن الدين الإسلامي أوجد بدائل للصلاة في المسجد، وقت الأوبئة، فالمسلم يمكنه أداء الصلاة في أي مكان، سواء في المنزل أو الشارع، ويمكن أن يصلي وهو جالس أو راقد، أو بجفن العين إذا لم يستطع الحركة.

واستشهد باشا بالطاعون الذي وقع في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وأودى بحياة 300 من الصحابة، ففر الناس إلى الجبال وكانوا يصلّون هناك.

مولد أبو المعاطي والكوليرا عام 1883

كان مولد الشيخ أبو المعاطي، في دمياط، البؤرة الأولى لتفشي وباء الكوليرا عام 1883، وساهم في الأمر مسجدان يأتي إليهما الناس من كل حدب وصوب، الأول هو جامع أبو المعاطي، وفيه ضريح الشيخ ومدافن أخرى، والثاني هو جامع البحر الذي يقع علي ضفة النيل الشرقية، وفيه كانت تقام الموالد.

ويعطي الباحث في وحدة البحوث والدراسات الوثائقية في دار الوثائق القومية، راضي محمد جودة، في كتابه "دمياط في التاريخ الحديث (1810-1906)، صورة واضحة عن مولد أبو المعاطي الذي ساهم في تفشي الوباء.

ففي أول يوم يجتمع "مشايخ السجادات" (شيوخ الطرق الصوفية) في جامع أبو المعاطي، وتنعقد حلقة ذكر يشارك فيها نحو ألفي شخص، من العصر حتى الغروب، ثم يتوجهون إلى جامع البحر لتبدأ ليالي المولد ويلتزم كل فرد من أكابر التجار بإحداها، وتُذبح الذبائح وتُمَدّ الموائد وتليها أطباق الحلويات، وتستمر من الثامن حتى الـ15 من شهر شعبان.

ويشهد المولد مشاركة أعداد غفيرة من البشر، لأنه يتضمّن تقديم ولائم للحضور، بل تذكر الوثائق أن محافظة دمياط كانت تصرف لبعض الفقراء والنقباء الحاضرين مبالغ مالية بعد انتهائه، كما يحضر كثيرون للتسلية ومشاهدة فقرات ترفيهية تقام على الهامش. هذا يعطي صورة حية للوضع في 22 حزيران/ يونيو 1883.

ويكشف مدرس التاريخ الحديث في قسم التاريخ في كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر صلاح السيد علام، في بحث كتبه في العدد 31 من المجلة العلمية في الكلية، عن قدوم الحالة "صفر" إلى مولد الشيخ أبو المعاطي، وكانت هناك وجهتا نظر واحدة تبناها رجال الصحة المصريون وتفيد بأن العدوى وصلت في كانون الأول/ ديسمبر 1882، مع الحجاج العائدين، وثانية تبنّاها رجال الحجر الصحي الإنكليز ومفادها أن المرض دخل مع أحد وقادي السفن المصابين وقدم من الهند إلى بورسعيد ثم إلى دمياط. ولكن الإصابات ظلت قليلة حتى تفشت في المولد.

وبيّن السيد علام أنه عقب انتهاء المولد بأيام، ظهرت الحالات الأولى في دمياط، في الثالث من تموز/ يوليو، وأصيب 27 شخصاً توفي ستة منهم فوراً، وفي بورسعيد في 27 حزيران/ يونيو، وفي المنصورة وسمنود والإسكندرية في الثاني من تموز/ يوليو ، ووصل إلى القاهرة في 15 تموز/ يوليو، ليزهق وباء الكوليرا أرواح ما بين 80 و100 ألف شخص، منهم 36 ألفاً في الوجه البحري المحيط بمكان المولد.

"الأوبئة تبحث عن أماكن التجمعات". بهذه الكلمات يعلّق الباحث والمؤرخ أيمن عثمان على تفشي الوباء في المولد، وفي الموالد يلتصق الناس ببعضهم، أثناء الذكر والحضرة، ويتناولون الطعام من مكان واحد.

يصبح المقام أثناء المولد بيئة مثالية لانتشار الفيروسات. فعدا التجمع الكبير لأشخاص يأتون من أماكن مختلفة، يلقي الدراويش بأجسادهم على المقام، وتقبّله سيّدة لا تنجب وتمسك فتاة تبحث عن زوج بحديده وتزحف على الأرض...

وذكر عثمان لرصيف22 أسباباً أخرى ساهمت بنقل العدوى، منها استقرار الأسر التي تأتي إلى المنطقة قبل المولد في خيم، ومنها ثقافة الاستنجاء (التطهّر من النجاسة بعد قضاء الحاجة)، إذ يقصد المولد سنوياً آلاف الزوار وهؤلاء يحتاجون إلى مياه كثيرة، وهي غير متوفرة، والمقام فيه ثلاثة أو أربعة حمامات فقط، ولذلك يتم الاستعاضة عن الماء بحجر أو بحائط غير معلوم أن شخصاً آخر استخدمه.

هكذا، يصبح المقام أثناء المولد بيئة مثالية لانتشار الفيروسات. ولا ننسى إلقاء الدراويش بأجسادهم على المقام، أو تقبيل الضريح من سيّدة لا تنجب أو تمسك فتاة تبحث عن زوج بالحديد وزحفها على الأرض. ومن المراسم الوشم بالإبرة، وهي طريقة بدائية تخلو من أي نوع من التعقيم وتساهم في انتقال الأمراض بين الأشخاص.

بعد كل ذلك، يعود الزوار المغتربون إلى محافظاتهم حاملين المرض، بحسب عثمان.

الكوليرا تخترق الأزهر

رغم خطورة الاختلاط بالمصابين، إلا أن هناك حوادث تدلّ على رفض ثقافة العزل الصحي، ومنها حادثة عُرفت باسم شغب الكوليرا في الأزهر، وذكرها أحمد شفيق باشا، مستشار الخديوي عباس حلمي الثاني في كتابه "مذكراتي في نصف قرن".

وقعت هذه الحادثة داخل جدران الجامع الأزهر في الثاني من حزيران/ يونيو 1896. فعندما أصيب أحد طلبة رواق الشوام في الأزهر بالكوليرا، وأراد رجال الصحة نقله من الرواق، أبى رفاقه تسليمه وقاوموا الفريق الصحي، ووقعت اشتباكات أوقعت إصابات، فاضطر حكمدار البوليس أن يأمر بإطلاق الرصاص على الطلبة داخل الجامع، فقتل أحدهم وجرح أربعة.

هزّت الحادثة مصر. وفي تقرير رسمي عنها، أعدّه المحافظ، ورد أن الطلبة واصلوا إلقاء الحجارة حتى لم يعد هناك مجال لاستعمال اللين الذي قد يضر بالأحوال الصحية والأمن العام. وقرر الخديوى نفي ستين طالباً من رواق الشوام ومحاكمة 14، وإقفال الرواق.

وقعت الحادثة وقت ذروة انتشار الكوليرا في منطقة مصر القديمة بشكل واسع، وفتك الوباء حينذاك بـ17 ألف شخص.

أساليب التشييع وكوليرا 1902

في كتابها "الأوبئة والأمراض في المجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين"، تحدثت نسمة سيف الإسلام سعد عن وباء الكوليرا الذي انطلق من قرية موشا القريبة من أسيوط ثم انتشر في مصر.

ولعبت المساجد دوراً في نشر الوباء، وعلى الرغم من الشدة والصرامة التي كان يتعامل بها رجال الصحة مع المصابين، إلا أن طرق الدفن وتشييع الجنائز صعّبت عملية احتوائه.

الطريق إلى مسجد الإمام الشافعي، شرق القاهرة، كان أحد دروب الموت بالكوليرا، فالمتوفى بالمرض كان يوضع في تابوت مكشوف ويطاف بجثمانه في الأحياء وأحياناً يضعه الحمالون على الأرض للاستراحة ويلتف حوله أهله لوداعه، حتى تصل الجثة إلى مقام الإمام الشافعي ليصلى عليه.

"شغب الكوليرا في الأزهر"... عندما أصيب أحد طلبة رواق الشوام في جامع الأزهر بالكوليرا، عام 1896، وأراد رجال الصحة نقله من الرواق، أبى رفاقه تسليمه وقاوموا الفريق الصحي، ووقعت اشتباكات أوقعت إصابات

هذه العادة أدّت إلى انتشار العدوى بين الأهالي والمارة، حتى أن أحد الأطباء قال: "أنا أضمن للقاهرة زوال الداء إذا ضمن لي رجال الصحة حبس الناس عن المأتم"، حسبما ورد في عدد صحيفة الأهرام الصادر في 22 آب/ أغسطس 1902. حصدت الكوليرا خلال عدة شهور 40 ألف إصابة و34 ألف قتيل.

تؤكد سعد لرصيف22 أن "العادات الخاطئة في المسجد سر انتشار الوباء". وتوضح أنه حينذاك أغلقت المساجد ولم تفتح أبوابها إلا بعد استيفائها للشروط الصحية لتجنب نقل الوباء، إذ ذكر عدد الأهرام الصادر في الأول من آب/ أغسطس 1902، أن الأوقاف خصصت 4000 جنيه لتلبية شروط صحية طلبتها الصحة من المساجد التي وافقت على فتحها.

دورات مياه المساجد والتيفوس 1934-1942

نقرأ في كتاب "الأوبئة والأمراض" أن دور المساجد في تفشي الأوبئة عاد مع وباء التيفوس عام 1934، إذ وجّه التقرير السنوي العام لمصلحة الصحة العمومية في ذلك العام أصابع الاتهام إلى دورات المياه في المساجد، وذكر نصاً أنها أحد أهم مصادر انتشار الوباء، ولذلك خصص 1500 جنيه لإصلاح بعضها وطلب إصلاح عدد من المراحيض، وأوكل التنفيذ للأوقاف.

وعندما ظهرت بعض الإصابات بالتيفوس في الإسكندرية عام 1941، شكلت لجنة لمتابعة الوضع وقررت منع زيارة ضريح "سيدي صالح". وبلغت الإصابات بالتيفوس 22 ألفاً قُتل منهم 4411 شخصاً.

كوليرا 1947 ومنع الحج

بعد اختفاء الكوليرا لما يقرب من 40 عاماً، عادت وظهرت عام 1947. وبحسب عثمان، تعاملت الحكومة المصرية مع الوباء بلا هوادة منذ اكتشاف الحالة الأولى، فوزعت تعليمات صحية على المواطنين، ثم بادرت إلى منع مناسبات دينية أبرزها الحج الذي منع بقرار حكومي، في 30 آب/ أغسطس 1947. ورغم ذلك لم يخبُ الوباء إلا بعد أن أمر وزير الصحة بحظر التجوّل بين المحافظات، إلا بأمر كتابي، والتبليغ عن الحالات، ووصل الأمر إلى تفتيش البيوت، لينتهي الوباء بعد سنة وشهر مخلفاً 10 آلاف قتيل.

في تلك المرحلة، يوضح عثمان، أغلق كل تجمع لخمسة أشخاص، وصدر قرار في 22 أيلول/ سبتمبر 1947 بأن تكون من مهام الأطباء مراقبة دورات المياة في المساجد وإغلاق أي دورة يشك فيها طبياً.

يؤكد الدكتور مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة، أن الفيروسات تنتقل عن طريق التجمعات، ولا يمكن تخفيف الإصابات إلا بعزل الأشخاص المصابين. ولذلك، يمكن للتجمعات الدينية أو دور العبادة أن تساهم في نشر العدوى و"هذا سبب ما حدث فى إيران التي أصبحت بؤرة لانتشار الكورونا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard