علي الحجار... رغم الغيظ من تجربته فإنه يجسّد الغناء الحلو

السبت 4 أبريل 202011:31 ص

رغم كل هذا الغيظ من تجربة لم تكتمل كما أردنا، لكن صوت علي الحجّار يظل إجابة عن سؤالنا الكبير عن مفهوم الغناء الحلو.

لا يزال مخبز حنجرته مشتعلاً، هجّاماً حتى بعد أن وصل إلى عمر الـ66... كل عام وهو بخير، لكنه لا يزال يغيظني.

لا يخلو صوته من انسيابية تزحلق الحرير على الحرير، له قوة الحرير وملاسته في آن، لكنك لا تملك وأنت تحبه إلا أن تمتلئ منه غيظاً.

هو الحاصل على صفر في مادة الحفاظ على المواعيد، "أحسن واحد يضرب مواعيد"، بحسب صديقه الكاتب الصحفي محمد العسيري، وهذه في حد ذاتها تجعل دماء من يتعاملون معه تغلي، من الغيظ طبعاً.

في جلباب الأب ينشأ الابن الأكثر موهبة بين أبنائه، تشرّب الخجل الريفي من أبيه، لكنه خرج عن مسار الأب وغامر كثيراً.

هو المصنوع والموهوب معاً، المحظوظ وسيئ الحظ في آنٍ، هو المعترف بخطاياه والمتطهّر من عبثياته، ليكن هذا شيئاً راقياً وعظيماً، لكنك كمُحب له تسأل: "ألم يكن في وسعك أن تُكمل المثال يا عليّ؟".

قد يكون آخر مطرب تربّى تربية شيوخ: لا يبدو ذلك في ملابسه، بل من صندوقه السحري المعلّق في رقبته، والموزّع بين القرار الراسخ المُخيف والجواب الطائر إلى عالم لا يقلد فيه طيران أحد، إنه صوت الفَجْر العفيّ، الذي تشتبك مع جمالياته، وتريد لو كان أكثر ذكاء وأقل أخطاء.

هو الوريث الذي رد الاعتبار لاسم "الحجّار"، بعد أن طلب محمد حسن الشجاعي، مسؤول الموسيقى والغناء بالإذاعة المصرية، في خمسينيات القرن العشرين، أن يغيّر أبوه "إبراهيم" اسمه الفني ليلغي لقب "الحجّار" من الوجود، وهو ما رفضه "الحجّار الكبير"، فمُنع إثر ذلك من الغناء في الإذاعة بأمر "الشجاعي".

يقول إنه "جرّب كل شيء"... لكن كثيراً من العسل ربما يصير سُمّاً يا عليّ! كل عام وهو بخير، لكنه لا يزال يغيظني

سلام على "إبراهيم" إذن

من الأب تبدأ حكاية الابن: في الأيام الأولى لعام 1922 وُلد إبراهيم الحجار، والد "علي"، في بني سويف، أول الصعيد المصري. وُلد لأبوين كفيفيْن، كان سندهما بعد أن توفي إخوته الستة ولم يبق غيره. حفظ القرآن ثم التحق بمدرسة المعلمين، وفي سن العشرين انهالت عليه عروض الغناء في الموالد والأفراح نظراً لحلاوة صوته.

ذات يوم دُعي إبراهيم الحجار للغناء في حفل بمدينة أسيوط، ولم يعد إلا بعد شهر كامل بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، فزاد قلق أهله عليه حتى جاءهم خبر كاذب بأنه توفي في سقوط قذيفة على العوامة التي كان يحيي الحفل بها، فأقيم له سرادق عزاء، وتصادف أن عاد في ذات الليلة ليدخل السرادق المنصوب لتلقي العزاء فيه، ويكتشف الناس أنه لا يزال حياً فيهنئونه بعودته سالماً، ليجلس "إبراهيم" مكان مقرئ القرآن ويغني على عوده.

في جلباب الأب ينشأ الابن الأكثر موهبة بين أبنائه، تشرّب الخجل الريفي من أبيه، لكنه خرج عن مسار الأب وغامر كثيراً، وردّته التوبة في وقت متأخر. كان يجلس أمام أبيه ليقلد أداء الموسيقار محمد عبد الوهاب، فيلقنه الأب أول الدروس: "لا تقلد أحداً".

هنا تولد شخصية حنجرة عليّ بصوت عريض المساحات، صحيح أن هذا الدرس لم يكن كافياً ليكون مطرباً لا مثيل له، لكن الدروس بالتأكيد ستتوالى، وسيخدمه الحظ في أحيان كثيرة بوجوده بين عباقرة، كبليغ حمدي وعمار الشريعي، وكان عليه فقط أن ينتبه إلى خدمات القدر وألا يضيّعها، لكنه للأسف، طالما ضيّعها وضيّع مجداً على نفسه كان يمكن أن يصنع منه "فلتة غنائية". وهذا بالتأكيد ما يقف وراء كم الغيظ الذي يخلفه في قلوب المنحازين له، فمَن يقول إن مطرباً مثله، بخامة صوته متعددة المهارات، فذة العضلات الاستعراضية، يكتفي بأن يكون واحداً من جيل ما بعد عبد الحليم حافظ، وهو الذي كان يمكنه أن يصبح عصراً غنائيا بأكمله؟ إنه التيه الذي نزل فيه عليّ ولم يعد إلا بعد أن خسر الكثير.

تاه في الأرض، تلهَّى بأشياء عابرة عن أشياء خالدة مخلدة في ذاتها، انشغل بالفوضى، ساق موهبته في اتجاه الخسارة أحياناً، تزوج 5 مرات، لكنه في النهاية ندم، وبعد سنوات طويلة قال إنه كان يتمنى لو لم يفعل ذلك.

يقول إنه "جرّب كل شيء"... لكن كثيراً من العسل ربما يصير سُمّاً يا عليّ!

اعترف بأنه كان مدمناً لشرب الكحوليات في مرحلة ما من حياته، إلا أنه أقلع بسبب حزن وغضب والده من سلوكه هذا، إذ حكى خلال استضافته بأحد البرامج أنه أقلع عن الخمور بعدما سأله والده عن سبب عدم صلاته، فاعترف له، فحين انتهى عليّ من عزاء والده، عاد إلى بيته فلم يجد أي صورة لإخوته مع أبيهم على الحائط كالمعتاد، عدا صورة له وحده، سأل والدته فأخبرته بأن والده فعل ذلك بنفسه قبل رحيله، ففهم عليّ الرسالة ليتخذ قراراً بالبعد عن الخمور نهائياً.

صوت علي الحجّار يظل إجابة عن سؤالنا الكبير عن مفهوم الغناء الحلو... هناك 60 ثانية كفيلة بأن توقفنا عن البحث، مُعطيةً تعريفاً موجزاً لكل ما يحمله الغناء من روحانية المقدس

استقامة مستعارة... لكن أين مشروعه الفني؟

لن تعرف إجابة محددة لهذا السؤال: هل هو مهتم بالفلكلور البدوي أو السيناوي أو الصعيدي أو الريفي؟ هل هو مهتم بغناء الدراما حسبما استغله عمار الشريعي وغيره؟ هل هو امتداد لمدرسة عبد الحليم، الجامعة بين الرومانسية وما يسمونه "غناء وطني"؟ هل هو مطرب شعبي يتميز بالمعاصرة؟

ربما يكون هو المطرب الذي أدى كل أشكال الغناء، يصعب تصنيفه ووضعه على رف من رفوف المكتبة الغنائية. ربما يكون عيباً ضخماً، ويكون في عيبه ذاك ألف ميزة، لكن الثابت أن علي الحجّار كان كالقطار "القشّاش" الذي يقف في محطات ثانوية كثيرة، يغني كل ما يأتيه، لا يُفلتر كـ"عبد الوهاب"، يغامر بلا حسبان بعكس "عبد الحليم"، يهتم بعلم الغناء المستقَى من آخرين لا عن ثقافة ذاتية. مخزونه الكلامي في لقاءاته يشبه كل من عاشوا أواخر المرحلة الناصرية وميوعة المرحلة الساداتية: أراد أن يكون المطرب المنتمي للمثقفين والدولة معاً. غنى كلمات اليساري سيد حجاب، وغنى للنسر المصري الذي "شق السما"، في إشارة ضمنية للرئيس المصري الأسبق مبارك، في أحد احتفالات نصر أكتوبر، غنى كلمات الفيلسوف الشاعر فؤاد حدّاد، وها هو يُنهي حياته بشعراء عامية، شباب في السن عواجيز في التجديد.

لا يمكن لـ"علي" وحده أن يقود نفسه، لقد كان مربوطاً بمن سبقوه، وفجأة رحل بليغ حمدي ومحمد الموجي، رحل صلاح جاهين، الأبنودي، سيد حجاب وعمار الشريعي، لم يبق حبل واحد يعلّقه بمصادر قوته أو يستثمر حنجرته المذهلة... صار تائهاً كمركب يحاول ولأول مرة، في عمر الستين!، الاعتماد على نفسه، في خضم بحر كبير، فهل فات الوقت؟ نرجو ألا تكون الإجابة نعم.

هذا هو الغناء

رغم كل هذا الغيظ من تجربة لم تكتمل كما أردنا، لكن صوت علي الحجّار يظل إجابة عن سؤالنا الكبير عن مفهوم الغناء الحلو، أو الغناء عموماً، يُسهب كثيرون في تعريفاتهم، لكن أحداً لا يصل إلى تعريف جامع مانع لهذا المنتج الروحي العجيب، إلا أن مقطعاً غنائياً واحداً مدته 60 ثانية، أداه ضمن دراما "الأيام" عن سيرة عميد الأدب العربي طه حسين، كفيل بأن يوقفنا عن البحث، مُعطياً تعريفاً موجزاً لكل ما يحمله الغناء من روحانية المقدس.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard