إذا لم تكن لديك هذه الذكريات… فلا ريب أنك بخير

الأربعاء 1 أبريل 202003:05 م

كثيرة هي المواقف الحلوة والمرّة التي نمر بها في الحياة، وبينما نحاول الاحتفاظ بالحلو منها في ذاكرتنا واسترجاعه من حين لآخر، نعوّل على مضيّ الزمن أن يمحي المرّ منها إلى الأبد، كما لو أنها لم تحدث قط. إلا أن هذه المواقف تكون قد انسلّت إلينا وتحولت إلى ذكريات تتراكم وتتجذّر وتأبى الرحيل، وتتجلى لنا بين الفينة والأخرى، فاتحة الباب لعودة إحساسها القديم، تثقلنا به كما لو أنها تحدث الآن، سانحة الفرصة للماضي، مهما كان بعيداً، للتسلّل إلى حاضرنا. وبما أن للذكريات القدرة على عبور الزمن، ماذا لو حاولنا التسلل بها إلى المستقبل؟ فهل تتذكر...

إدراكك أنك لست الولد المفضّل لدى أحد والديك، أو كليهما؟

معرفتك أن أحد والديك، أو كليهما، لم يكن سعيداً بولادتك؟

إدراكك أن رأيك، حتى بالأمور التي تخصك، لا يعني والديك وربما لا يحترمانه أيضاً، ومن ثم اتخاذك قرار الاحتفاظ به لنفسك؟

منعك من قبل أحد والديك، أو كليهما، عن فعل الأشياء التي تحبها، قراءة كانت أو رياضة أو رسماً أو موسيقى أو أي شيء من هذا القبيل؟

معرفتك أن هناك أماكن أخرى في العالم، لا يتعرض فيها الأطفال للضرب مثلك؟

معرفة أحد والديك، أو كليهما، بعلاقة عاطفية سرية لك، وكانت ردة الفعل سلبية، وربما وصلت إلى الضرب؟

معرفتك أن هناك أماكن أخرى في العالم، لا يجبر الأطفال فيها على العمل مثلك، سواء أكان هذا العمل داخل البيت أم خارجه؟

أول مرة تعرضت فيها للظلم ولم تتمكن من ردعه عنك؟

أول مرة كنت فيها بريئاً لكنك تعرضت للعقوبة فقط لأنها عقوبة جماعية، وأدركت حينها أن سلوكك الحسن لا ينفعك أحياناً ولا يعفيك من العقوبة؟

تواصلك بالسر مع صديق لك، تحبه وتتفق معه، لمجرّد أن أحد والديك، أو كليهما، لا يريده لك صديقاً؟

أول مرة تعرضت فيها للتحرش الجنسي اللفظي أو الجسدي في الشارع أو الأماكن العامة؟

تعرضك للتحرش الجنسي في غير الأماكن العامة، من قبل المعارف أو الأقارب وربما المحارم، أو في أماكن العبادة، وخاصة من قبل رجال الدين، وعدم تمكنك من إبلاغ أحد، ولا حتى والديك؟

تعرّضك للتحرش الجنسي في المدرسة أو الجامعة، من قبل المعلم أو دكتور الجامعة، وعدم تمكنك من إخبار أحد ولا الشكوى، لأن النظام في مجتمعك، سواء التعليمي أو القضائي، برمته فاسد؟

أول مرة شعرت فيها أن ميولك الجنسية مختلفة عن الآخرين، ولم تجرؤ على إخبار أحد، ولا حتى والديك، لأنك مجتمعك يرفض ذلك، وربما تورطت لاحقاً في علاقة زوجية وأنجبت أطفالاً؟

إدراكك أن هناك عنصرية وطائفية وطبقية في مجتمعك، وأنها تقع عليك أنت نفسك، بسبب لونك، جنسك، دينك، طائفتك، قوميتك، المستوى الاقتصادي لعائلتك أو توجهها السياسي؟

أول مرة لم تقدر فيها على تناول الطعام وأنت سليم الجسم، أو اندفعت لتناوله بنهم؟

نعوّل على مضيّ الزمن أن يمحي المرّ منها إلى الأبد، كما لو أنها لم تحدث قط. إلا أن هذه المواقف تكون قد انسلّت إلينا وتحولت إلى ذكريات تتراكم وتتجذّر وتأبى الرحيل، وتتجلى لنا بين الفينة والأخرى، فاتحة الباب لعودة إحساسها القديم، تثقلنا به كما لو أنها تحدث الآن

أول مرة قضيت فيها الليل تَتأرّق ولم تنم، بدون أي سبب مباشر تعرفه؟

أول مرة اختبرت فيها الجاثوم أو شلل النوم (بالعامية يسمى الكابوس)، وهو مختلف عن الأحلام المزعجة العادية؟

أول مرة صرت فيها تخشى النوم لأنك تخاف كوابيسك؟

أول مرة أردت فيها النهوض من الفراش ولم تتمكن من ذلك، رغم أنك نمت وقتاً طويلاً وأنك لست مريضاً؟

أول مرّة اضطررت فيها إلى الكذب لإخفاء الحب عن أهلك أو الآخرين (وليس عن الحبيب)؟

معرفة أحد والديك، أو كليهما، بعلاقة عاطفية سرية لك، وكانت ردة الفعل سلبية، وربما وصلت إلى الضرب؟

أول مرة كذبت فيها بخصوص علاقاتك العاطفية السابقة، لمجرّد أن شريكك ومجتمعك لا يقبل بذلك؟

تعرضك للابتزاز من قبل شخص تحبه وتربطك به علاقة عاطفية، لأن عائلتك ومجتمعك يرفضان هذه العلاقات، وعدم تمكنك من إخبار والديك ليحرراك منه؟

تخليك عن شخص تحبه، فقط لأن أحد والديك، أو كليهما، لا يريده لك؟

تخلي شخص يحبك عنك، فقط لأن أحد والديك، أو كليهما، لا يريدك له؟

ارتباطك بشخص لا تحبه، فقط لأن أحد والديك، أو كليهما، يريده لك؟

دراسة فرعٍ لا تطيقه، فقط لأن والديك فرضاه عليك، أو لأنه فُرِض عليك بحكم نظام قبول الجامعات للطلاب في بلادك، وليس بحكم رغبتك؟

تعلم وممارسة مهنة لا تطيقها، فقط لأن والديك فرضاها عليك، أو لأنك لم تحظ بفرصة لتعلم المهنة التي تحب؟

متى اضطررت أول مرة للابتسام في وجه شخص لا تطيقه ولا تحترمه، أو ربما مجرد السلام عليه، سواء أكان من الأقارب أم المعارف، فقط لأن والديك يجبرانك على ذلك؟ بعبارة أخرى، هل تذكر متى بدأت بممارسة النفاق الاجتماعي؟

متى أدركت أن رئيس دولتك ونظامها فاسدان، وأنه عليك، رغم يقينك بذلك، أن تظهر الولاء بالعلن؟ بعبارة أخرى، هل تذكر متى بدأت بممارسة النفاق السياسي؟

متى توقفت في قرارة نفسك عن الإيمان بدينك أو بطائفتك، ولم يكن بإمكانك التصريح بذلك علناً؟ بعبارة أخرى، هل تذكر متى بدأت بممارسة النفاق الديني؟

إدراكك أن بعض ما تنطقه، بشكل اعتيادي ودون انتباه، عنصري وعليك أن تتوقف عن ترديده كببغاء؟

إن كنت تذكر واحدة منها على الأقل، فلا بد أنك استرجعت هذه الذكرى التعيسة الآن، ولإيقاظها أعتذر لك. لكن لا تحزن لما مررت به، فلا بد أن هذه التجربة، رغم ما سببته لك من ألم في الماضي، وربما مازالت تفعل حتى الآن، إلا أنها صقلتك، وجعلت منك إنساناً أسمى خُلُقاً

إن كنت لا تذكر أي شيء مما سبق، فلا بد أنك شخص سعيد ومتفائل إلى حد ما، يعيش حياة مقبولة ويمارس هواياته في وقت فراغه وصحته جيدة، وأرجح أن وزنك ثابت تقريباً ونومك هانئ، وربما تمارس الرياضة أيضاً. لا بد أنك لا تزور طبيباً نفسياً ولا تلتهم الأدوية صباح مساء، ولا تزور محللاً نفسياً بانتظام، وغالباً أنت لا تدخن ولا تشرب الكحول بنهم ولا تتعاطى أي نوع من المخدرات.

صديقي، لا بد أنك بخير.

أما إن كنت تذكر واحدة منها على الأقل، فلا بد أنك استرجعت هذه الذكرى التعيسة الآن، ولإيقاظها أعتذر لك. لكن لا تحزن لما مررت به، فلا بد أن هذه التجربة، رغم ما سببته لك من ألم في الماضي، وربما مازالت تفعل حتى الآن، إلا أنها صقلتك، وجعلت منك إنساناً أسمى خُلُقاً، أغزر معرفة، وأكثر قدرة على التصرف وحل المشاكل، وبالتالي فأنت أقوى وأقدر على مواجهة الحياة. ولا بد أن مداركك توسعت ونفسك نَبُلت، حد التعلم من التجربة وتجنيبها للآخرين. وهكذا فقد جعلت تجاربك منك، أو ستجعل، والد/ة متفهّماً ومربياً ناجحاً، يحبك أطفالك ويتعلّقون بك أكثر مما أحببت أنت والديك. لبُّ الأمر هو ما امتلكت في لُبّك، وربما باكراً جداً، من آلية ومنهجية التفكير والتعامل مع الصعوبات، لذا على الأرجح أنك، وحياتك أيضاً، في تحسن مستمر وستصير أفضل بعد. أوليست "الذكريات مفتاح المستقبل، لا الماضي"، كما قالت كوري تن بوم؟ إذاً فقد آن الأوان كي تنظر إلى هذه الذكريات المؤلمة على أنها مجرد تجارب تعلمت منها الكثير، فتتحرر من ثقلها وتتركها ترحل.

صديقي المتعَب، لا تقلق، فرغم كلّ ما حدث معك، أنت أيضاً بخير!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard