"لن يغني لنا الحادي مجدداً"... وفاة المنشد الحلبي الشيخ حسن حفّار

الاثنين 23 مارس 202007:17 م

"يغني لنا الحادي فيشبعنا سُكراً بذكرى حبيب منه تنفعنا الذكرى

وتأخذنا الأشواق من كل جانب لا بدعوى الأشواق أرباها سكرا

فلولاه لم نهو العيون ولا الظبي ولولاه لم نعشق هلالاً ولا بدرا".


بإمكاننا في التسجيل السابق سماع صوت المحظوظين ممن حضروه، يتأوهون طرباً مع إنشاد الشيخ حسن حفّار، كأنه حادٍ يدلّ قوافل المحبين في سيرهم، وتأخذهم الأشواق من كل جانب. لكن يبدو أن الحادي لن يغني لنا مجدداً، إذ تلقى محبوه اليوم خبر وفاته بكثير من الحزن.

توفي المنشد الحلبي صباح اليوم عن عمر ناهز 77 عاماً، والذي قضى أكثر من ثلاثة أرباعه في الإنشاد، الغناء ورفع الآذان بالمسجد الأموي الكبير، بمدينته حلب.

إذ بدأ فيها المنشد الحلبي الكبير رحلته عبر مدارس التحفيظ والتجويد، فتعلّم الإنشاد، المقامات والتجويد وأحسنها، ليتمكن من الصعود إلى مئذنة جامع حلب الكبير مؤذناً خمس مرات يومياً. لفتت قوة صوته، اتساع طبقاته وتمكنه من المقامات والتنقل بينها، أنظار أساتذة الإنشاد الكبار في حلب، ومنهم الأستاذ صبري مدلل، الذي تولاه وتبنى طاقاته.

من حلب، بدأ الشيخ حسن حفّار رحلته عبر مدارس التحفيظ والتجويد، فتعلّم الإنشاد، المقامات والتجويد وأحسنها، ليتمكن من الصعود إلى مئذنة جامع حلب الكبير مؤذناً خمس مرات يومياً.

ذاكرة قدود حلبية

تمتع حفّار بذاكرة قوية، والتي كانت بمثابة مكتبة موسيقية شعرية حافلة بالقدود، الموشحات الحلبية والمدائح النبوية، اعتاد إنشادها وارتجالها في حفلاته وجلساته، وتمكّن الشيخ الراحل من تأسيس فرقته الخاصة، من منشدين وعازفي آلات موسيقية قرعية، كالدفوف والمزاهر، وراح يُحيي الأمسيات الطربية في حلب.

لكن صيته وصوته القوي لم ينحصرا في مدينته السورية، ولا في سوريا كلّها، إذ خرج منها لينشد في كثير من المحافل، ومن أبرز حفلاته خارج حلب، نذكر زياراته الثلاث إلى فرنسا، برفقة معلِّمه صبري مدلل، ما بين 1975 و1999، حفله الباريسي عام 1995، وحفله البيروتي ضمن مهرجان "موسيقى ــ1" بدعوة من جمعية "عِرَب" في نيسان/ أبريل 2006، يومها أطرب الحضور قبل أن يستدعي دراويش المولوية، لتدور وترقص على إيقاعات صوته وتنقلاته الارتجالية بين المقامات.


ارتجالات لعوب بالأزمنة

في هذا التسجيل الذي ينشد فيه من أشعار ابن معتوق "خفرت بسيف الغنج"، يبدؤها بـ"يا ليل" قبل أن ينشد الأبيات من الشعر الأندلسي، حتى إذا ما شارف على الانتهاء ببيت "أقلامَ مرجانٍ كتبنَ بعنبرٍ بصحيفةِ البلّورِ خمسة أسطرِ"، يبدأ في وصلة أخرى من "يا ليل"، لكن من أغنية جديدة معاصرة، هي شمس الأصيل: "أنا وحبيبي يا ليل غايبين عن الوجدان"، لكن هنا ينقطع التسجيل.

وحده حفّار الذي يمكنه إيجاد هذا التناغم والترابط بين موشح أندلسي قديم وبين أغنية معاصرة نوعاً ما، والربط بين ابن معتوق الأندلسي وبين محمود بيرم التونسي، بهذا القدر من السلاسة.

سانده في هذه الارتجالات المحببة ذاكرته القوية، إجادته المحسنة للمقامات والتنقل بينها، صوته الرخيم العذب وميله للإطراب، فقد اعتاد حسن حفّار التلاعب بهذه الألحان المتقاربة، ليقدم وصلات مشتركة في مقام الحجاز مثلاً، أو الارتجال اللعوب ليقدم وصلة يجمع فيها بين أغنيات أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب.


منشد المدح والخمر والغزل

ربما يمكن اعتبار حفّار مداحاً نبوياً بالدرجة الأولى، ومنشداً حلبياً، لكن سيمثّل هذا تجاهلاً لتراثه الغزلي والخمري، ففي أسطواناته "وصْلات حلب" التي سُجلت وصدرت في باريس، العام 1999، يؤدي حفّار مع فرقته 11 وصلة غنائية، معظمها من الموشحات القديمة مجهولة المصدر، سواء لكاتب الشعر أو اللحن، وبعضها من ألحان عمر البطش، سيد درويش وأبي خليل القباني، وتتناول الأشعار التي جمعها حفّار في وصلاته، العشق الإلهي، المدح النبوي والتغزل في الحبيب والخمر.

وهو في عزّ نجمه الغنائي في التسعينيات، أصبح حسن حفّار ضيفاً دائماً لجمهور معهد العالم العربي في باريس، أقام عدة حفلات وجلسات غنائية وأنتج مع المعهد ألبوماً متنوعاً حمل عنوان "وصلات حلب"، صدر عام 1999، وجاء في ثلاث أسطوانات، قدم فيها حفّار فن الغناء الحلبي عموماً، ومختاراته وارتجالاته، حسب مزاجه الغنائي بشكل خاص.

قدم حفّار 11 وصلة موسيقية، اتبعت كل وصلة من هذه الوصلات مقاماً نغمياً مشتركاً، من بينها المقامات المتداولة في الموسيقى العربية الشرقية: "نهاوند، راست، حجاز، كُرد، عجم، سيكاه، بياتي، صبا"، وحتى المقامات قليلة الاستخدام: "زنجران، بستنكار، نكريز".


تمتع حفّار بذاكرة قوية، والتي كانت بمثابة مكتبة موسيقية شعرية حافلة بالقدود، الموشحات الحلبية والمدائح النبوية، اعتاد إنشادها وارتجالها في حفلاته وجلساته في حلب وخارجها

نعي بقلوب مطمئنة

بعد حياة عامرة بالإنشاد والغناء ورفع الآذان، فارقت روح حفّار هذا العالم، لكن آثاره الغنائية والإنشادية لا زالت محفوظة عبر محبيه، ممن حضروه واستمعوا له، أو عبر ذاكرتنا الجمعية، البصرية والصوتية عبر الإنترنت.

تلقى تلامذة ومحبو الشيخ الراحل خبر رحيله بحزن، لكن بنفوس مطمئنة مثلما كانت ابتسامة المدّاح الراحل، إذ كتب المنشد والقارئ السوري، معتصم العسلي، عبر حسابه على فيسبوك: "بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره أنعى إليكم وفاة عميد الانشاد ومداح رسول الله ﷺ المنشد حسن حفّار، تغمده الله بواسع رحمته واسكنه فسيح جناته".

فيما نشرت صفحة الجامع الأموي بحلب نعياً لمؤذنه القديم: "وفاة سيد الإنشاد الديني ورائد الإبداعات فيه، ومكتبة يكاد لا ينتهي ما فيها من نشيد، الأستاذ المتقن المحب... وقد كان مؤذناً للجامع الأموي الكبير بحلب.. المرحوم حسن حفّار".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard