طمعاً بمال أو بعمل أو بهجرة... أبناء قبائل وجدوا أنفسهم مرتزقةً في قوات حفتر

الاثنين 23 مارس 202007:38 م

تشكل منطقة الجنوب الليبي أحد أكثر المناطق احتضاناً لعدد من المجموعات الأفريقية المسلحة تنتمي منها لقبائل شاركت في الاقتتال الداخلي الذي تشهده المنطقة منذ سنوات، ومن أبرزها مجموعات تشادية، وأخرى من النيجر والسودان.

قبائل التبو هي الأكبر حضوراً، وذلك نظراً لأنها تعتبر من القبائل الحدودية والتي لها تواجد في ليبيا وتشاد والنيجر ومالي، فكثيراً ما تكون القبائل الحدودية التي تنتمي لدولتين متجاورتين، خاصة عندما تكون ذات إثنية عرقية واحدة، محل جدل كبير، وهذا ما ينطبق على قبيلة التبو التي ينقسم أبناؤها بين تبو ليبيين وتبو تشاديين.

وكذلك هو الحال مثلاً في السودان التي تضم في نسيجها الديموغرافي (السكاني) قبائل مشتركة مثل الرشايدة والزغاوة والمسيرية مع تشاد، وقبائل مثل الأشولي والأنفي مع إثيوبيا.

مؤخراً، صدر تقرير عن خبراء تابعين للأمم المتحدة يتحدث عن وجود كبير لمجموعات من المرتزقة السودانيين والتشاديين تعمل وتقاتل مع قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

وتشير مصادر أمنية ليبية خاصة لرصيف22، رفضت الكشف عن اسمها، إلى أن وجود الفصائل السودانية والتشادية المعارضة على الأراضي الليبية موضوع قديم يعود إلى ما قبل الثورة الليبية عام 2011، إذ كان نظام القذافي أحد أكبر الداعمين لعدد من الفصائل الأفريقية كما حين كان الصراع دائراً في دارفور، فدَعَم قوات الدعم السريع السودانية المعروفة باسم "الجنجاويد" التي كانت تعارض الحكومة وتقتل السكان المحليين.

وتُذكّر المصادر بأن قادة الفصائل السودانية والتشادية المعارضة كانوا يقيمون في طرابلس وفي فنادقها، وكان القذافي يدعمهم بالسلاح والأموال ويسهّل نقل الذخائر والعتاد إلى مناطقهم من ميناء طرابلس إلى ميناء بنغازي ثمّ في شاحنات إلى عاصمة الجنوب الشرقي الليبي التي تُعرف بمدينة الكفرة، وبعدها إلى إقليم دارفور.

عندما بدأت الأحداث في ليبيا عام 2011، بادر الرئيس السوداني عمر حسن البشير إلى الاعتراف بالثورة الليبية لقلقه من القذافي، بعدما دعم الزعيم الليبي المعارضة في الجنوب السوداني، وتحديداً في دارفور.

مجموعات وفصائل سودانية وتشادية

استطاعت قوات حفتر استقطاب مجموعات وفصائل في عملياتها العسكرية، خاصة في معارك طرابلس الأخيرة ضد القوات المحسوبة على حكومة الوفاق في طرابلس، لا سيما بعد توقيع الأخيرة اتفاقيتي تعاون أمني وبحري مع تركيا، ما فتح المجال أمام تدخل مباشر أكبر لأنقرة في ليبيا، وهو ما اعتبره حفتر مبرراً للاستعانة بقوى إقليمية وتعزيز حضور أطراف أخرى أكثر في معركته مع "الوفاق".

وتأتي على رأس المجموعات التي تعمل مع قوات حفتر:

من التشاد، الحركة من أجل الديمقراطية والعدالة، ويتكون عناصرها من قومية وقبائل التبو، انتقلت غالبية كوادرها للعمل في جنوب ليبيا كناشطين من التبو، وجبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد وأغلب وجودها في بلدة أم الأرانب والجبال السوداء في الجفرة، وسط ليبيا.

أما المجموعات السودانية فيأتي على رأسها جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، وهما المجموعتان الثوريتان الأساسيتان في منطقة دارفور المضطربة في السودان، ويحتفظان بوجود في الجنوب الليبي.

تضم قبائل التبو، وهي من أكثر القبائل الأفريقية التي تتلقى الدعم، مرتزقة في صفوف قوات حفتر غالباً ما يتم تجنيدهم من فرع المحاميد المتواجد في ليبيا وتشاد والنيجر ومالي... قبائل حدودية أخرى يشارك أبناؤها كمرتزقة أيضاً، لأسباب مختلفة

هنا، يلفت المتحدث باسم مليشيات صبراتة عادل بنوير في حديثه لرصيف22 إلى أن جيش تحرير السودان كان يقاتل مع حفتر في بنغازي عندما كان البشير في الحكم، ولم يكن الأخير وحفتر على وفاق. وكان البشير يضرب بشكل متكرر تلك المنطقة بالطيران.

وبعد سقوط نظام البشير في السودان، دعمت الإمارات قائد قوات الدعم السريع في السودان محمد حمدان دقلو (حمديتي)، سياسياً وعسكرياً، لتعزيز حضوره على الساحة السودانية، وذلك مقابل أن يقوم بدعم قوات حفتر على الأرض وأن يرسل عناصر من قواته إلى ليبيا.

وتضم قبائل التبو، وهي من أكثر القبائل الأفريقية التي تتلقى الدعم، مرتزقة في صفوف قوات حفتر غالباً ما يتم تجنيدهم من فرع المحاميد ويتواجدون في ليبيا وتشاد والنيجر ومالي.

ويلفت بنوير إلى أنه في احتفالات هذه القبائل يمكن رؤية امتلاك أفرادها لأفخر أنواع السيارات التي يصعب لمجتمع قروي رعوي أن يصل إليها عادة، وهذا يرجع برأيه إلى الدعم المالي غير المحدود الذي يتلقونه من جهات يُرجّح أن تكون فرنسية وإماراتية.

ويوضح بنوير أن قبائل التبو كان من بين أبنائها معارضون للقذافي، وهناك كتائب كانت تحت أمر القذافي باسم لواء المغاوير (القوة الضاربة للقذافي في الجنوب)، مشيراً إلى أن التبو ليست مع حفتر كمكون متكامل ولكن تمّ تجنيد كتائب مسلحة وشراء ولاء الكثير من أفرادها بالمال.

الفئة الأخرى الأكثر دعماً لقوات حفتر تتمثل في الجنجاويد، وهم من القبائل العربية الوافدة التي تداخلت وانصهرت مع بعض القبائل الأفريقية كالزغاوة والبرتي والداجو وغيرهم، ويقطنون في جنوب السودان.

يُذكر أن الدولة السودانية في السنوات الأخيرة قررت هيكلة هذه القوات الشعبية وتحويلها إلى قوات قومية، فجعلتها تحت اسم قوات الدعم السريع، بإشراف جهاز الأمن السوداني، وألغي الطابع القبلي لها بإدخال أبناء مختلف القبائل السودانية، من الشرق والغرب، فيها.

الترابط مع تجار الهجرة الغير شرعية

تتشابك إشكالية المرتزقة الأفارقة الذين يقاتلون في صفوف حفتر مع إشكالية تجار الهجرة غير الشرعية في ليبيا بشكل واضح.

وحول هذه النقطة، تشرح الباحثة في الحقوق المدنية أحلام بن طابون، وهي كانت مديرة علاقات وزير الإعلام الليبي سابقاً، بأن قصة وسبب حضور المرتزقة الأفارقة تعود إلى أن ليبيا تعد أرض عبور للهجرة غير الشرعية منذ القدم.

وتشير بن طابون، في حديثها لرصيف22، إلى أنه نتيجة للصراعات التي تفاقمت في ليبيا، تمّت الاستعانة ببعض المرتزقة وببعض المهاجرين الأفارقة عبر شرائهم لصالح قوات حفتر، بينما تحولت بعض المناطق في ليبيا إلى مناطق لتجارة البشر والهجرة غير الشرعية.

وتلفت إلى ما وثقته العديد من الجهات والفصائل الليبية في المنطقة الغربية من ليبيا عندما أسروا مجموعة من المقاتلين التي ينتمون إلى الجنسيات التشادية والنيجيرية والسودانية.

وتوضح بن طابون أن هناك شركة إماراتية تعمل في مجال الحراسات الأمنية ادّعت أنها بحاجة لحراس أمن من السودان، وبالفعل تمّ استقطاب المئات منهم على أساس العمل في الإمارات لكن تمّ التغرير بهم ليجدوا أنفسهم في ليبيا يقاتلون في صفوف قوات حفتر كمرتزقة.

إضافة إلى ذلك، تمّ أسر مقاتلين من جنسيات تشادية ونيجيرية من قبل الجهات الأمنية التي تعمل في المنطقة الغربية من ليبيا، وتحديداً في طرابلس، وهم كانوا في الأصل يرغبون بالهجرة إلى أوروبا لكنهم وقعوا ضحية في أيدي تجار البشر حيث تمّ شراؤهم واستخدامهم كمقاتلين مرتزقة لصالح حفتر.

قبائل التبو والزغاوة تمّ استقطاب عناصر من بينهم لصالح قوات حفتر مقابل المال، بحسب بن طابون التي تقول إن هناك حالات كذلك تمّ أسرها أثناء الهجوم الأخير على طرابلس من قوات حفتر، وتحديداً في شهر نيسان/ أبريل وأيار/ مايو 2019، واعترفوا بأنهم سمعوا أن الهجوم على طرابلس يدخل في إطار الحرب على الإرهاب وعلى التنظيمات الارهابية كداعش، ومن بين هؤلاء من انسحب ومن هُدد بالقتل فلم يتمكن من الانسحاب.

وترى بن طابون أن الكثير من المرتزقة الأفارقة الذين كانوا يرغبون بالهجرة إلى أوروبا تمّ إغراؤهم بالحوافز المادية للانضمام لقوات حفتر، ويتقاضى الكثير منهم ما بين 3000 و4000 دينار ليبي أي ما يعادل الألف دولار شهرياً، إضافة إلى تأمين السكن والمعيشة، منوهةً إلى أن هؤلاء غرضهم الأساسي الحصول على المال ولا تهمهم هوية الجهة التي يقاتلونها.

"مافيات مختصة بالاتجار بالبشر فاقمت مشكلة المرتزقة المقاتلين مع حفتر، وهي تتلقى حماية من بعض القبائل التي تقطن في المناطق الحدودية"... قبائل يشارك أبناؤها كمرتزقة في صفوف حفتر طمعاً بالمال أو بعد وعود لهم بعمل أو بالهجرة

وفي السياق ذاته، تكشف بن طابون أن مقاتلين من حركة العدل والمساواة ومن قوى تحرير السودان كانوا مشاركين في الحرب الأخيرة على طرابلس وتم أسر بعضهم، مشيرةً إلى أن أهالي عناصر مع قوات حفتر بعد اعتقالهم من قبل الجهات الأمنية في طرابلس خرجوا للإعلام وعبروا عن صدمتهم من وجود أبنائهم في ليبيا بعد أن تعرضوا لابتزاز وخداع من بعض الجهات والشركات الخليجية.

وقال هؤلاء إن المفترض أن يكون أبناؤهم في الإمارات لكنهم وجدوا أنفسهم مشاركين في الحرب الليبية وتستخدمهم قوات حفتر كجنود على جبهات القتال.

من ناحية أخرى، تذكر بن طابون مافيات مختصة بالاتجار بالبشر فاقمت مشكلة المرتزقة المقاتلين مع حفتر، وهي تتلقى حماية من بعض القبائل التي تقطن في المناطق الحدودية الليبية مع تشاد والسودان والنيجر، مشيرةً إلى أنّ هناك بعض الأفراد من قبائل معروفة في ليبيا يعملون منذ فترة طويلة في الاتجار بالبشر والرقيق والهجرة غير الشرعية.

وتعتبر الباحثة في الحقوق المدنية أن البُعد القبلي يقف حجر عثرة في مكافحة هذه الظاهرة فالقبيلة تؤمّن الغطاء الاجتماعي، مطالبةً برفع الأخير حتى تتمكّن الدولة من مواجهتهم.

وحول الإجراءات القانونية والحقوقية التي يمكن اتخاذها للحد من ظاهرة المرتزقة الأفارقة في ليبيا، تشير بن طابون إلى أن مجموعة من الحقوقيين والقانونيين الليبيين مكونة من عشرة أشخاص رفعت قضية في أمريكا على حفتر باعتباره مواطناً أمريكياً، بتهمة العدوان على مدنيين في المنطقة الغربية في ليبيا بعد جمع عدد من العائلات المتضررة من جراء العدوان، والقضية لا تزال مرفوعة حتى هذه اللحظة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard