"أبواب جهنّم"... شهادات من مصر توثق تعذيب قوات الأمن للأطفال وإخفائهم قسراً

الاثنين 23 مارس 202002:32 م

في كانون الثاني/ يناير عام 2016، دهمت مجموعة من الرجال بزيّ مدني منزل عائلة كريم حميدة في الجيزة. عرّف الرجال عن أنفسهم بأنهم "أمن وطني" قبل أن يلقوا القبض على كريم البالغ من العمر آنذاك 17 عاماً. لأكثر من شهر، كانت عائلته تجهل مكانه، وبعد ثلاث سنوات حكمت المحكمة على كريم بالإعدام بتهمة "حيازة متفجرات والإضرار بمنشآت عامة".

استندت القضية، الضالع فيها 26 مدعى عليهم بينهم 11 طفلاً آخرين، آنذاك إلى تظاهرة في منطقة الهرم في الجيزة، أشعل فيها المتظاهرون ألعاباً نارية وخرّبوا واجهة فندق في المنطقة. ورغم أن الحادثة لم تتسبّب بإصابات أو وفيات حسب وزارة الداخلية، إلا أن كريم واجه الإخفاء القسري والتعذيب وصولاً إلى حكم الإعدام. لاحقاً، خفّف القاضي الحكم إلى عشر سنوات سجن، زاعماً أنه لم يكن يعرف أن المحكوم عليه طفل.

وردت قصة كريم بالتفصيل مع قصص 14 طفلاً تعرضوا للتعذيب أثناء الحبس الاحتياطي في مصر، والذي يكون عادة خلال الاستجواب، إلى جانب حالتين إضافيتين تعرض فيها طفلٌ لتهديدات لفظية كي يعترف بجرائم، وتعرض آخر للضرب المبرح من حراس السجن، في تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش" نُشر اليوم في 23 آذار/ مارس، بعنوان ""لم يراعِ أحد كونه طفلاً… انتهاكات قوات الأمن المصرية ضد الأطفال المحتجزين".

بحسب التقرير، قالت عائلة كريم إنها عرفت لاحقاً أن ابنها تعرّض للتعذيب بما يشمل الصعق بالكهرباء لدفعه إلى الاعتراف، وقد اعترف كذباً بالانضمام لتنظيم محظور وحيازة متفجرات والإضرار بمنشآت عامة.

في القضية التي سُجن فيها كريم، حدّدت "الجبهة المصرية لحقوق الإنسان"، وهي مجموعة حقوقية مستقلة، 11 من 26 مدعى عليهم، تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وتسعة منهم رهن الاحتجاز. ومن بين المدعى عليهم الـ26، كان هناك 21 محتجزاً اختفوا قسراً لفترات تراوحت بين أسبوعين وثلاثة أشهر، ولم يُتح لـ19 منهم مقابلة محامين أثناء فترة الاستجواب الأولى أمام النيابة.

إيهام بالغرق وصعق بالكهرباء

يوثق تقرير "هيومن رايتس ووتش" الصادر بالتعاون مع "بلادي- جزيرة الإنسانية" انتهاكات ارتكبها مسؤولو الأمن ضد 20 طفلاً محتجزاً تراوحت أعمارهم بين 12 و17 عاماً عند اعتقالهم، في مناطق مختلفة من مصر منها الإسكندرية والقاهرة ودمياط والجيزة والإسماعيلية والمنصورة وشمال سيناء والقليوبية والشرقية.

ويذكر التقرير أن عبدالله عكاشة مثلاً كان يبلغ من العمر 12 عاماً حين اعتقاله في سيناء، وقد أُخفي قسراً لمدة ستة أشهر، تعرض خلالها للتعذيب بالإيهام بالغرق والصعق بالكهرباء، ووُضع في حبس انفرادي لمئة يوم بحجة انتماء أخيه الأكبر لجماعة "ولاية سيناء" التابعة لتنظيم داعش.

ويذكر التقرير كذلك اعتقال جميع الأطفال الموثقة حالاتهم دون أوامر توقيف، بينما احتُجز تسعة منهم على الأقل مع بالغين، بما يخالف القانون المصري.

نادين ن. واحدة من هؤلاء، وقد اعتُقلت خمس مرات منذ كانت في سن الثالثة عشر، بدءاً من عام 2013 في القاهرة. قالت نادين إنها لم تعرف لماذا قادها عناصر الشرطة مع صديقتين إلى المركز، وهناك تم ضربهن وتقييدهن بالأصفاد وطرح أسئلة مبهمة عليهن، حتى حضر والداها فأُخلي سبيلها بعد ساعات.

اعتُقلت نادين حين كانت في الـ13 من عمرها، وتعرضت للضرب والتعذيب والتحرش، وهي واحدة من 20 طفلاً وثق تقرير "هيومن رايتس ووتش" احتجازهم بأعمار تراوحت بين 12 و17 عاماً، وبتهم غير مُسندة وأحكام وصلت للإعدام والمؤبد 

في العام التالي، كان هناك تظاهرة بالقرب من مدرسة نادين. كانت هي وصديقاتها في طريقهن إلى خارج المدرسة حين أوقفهن عناصر من الشرطة وقادوهن بعنف إلى القسم، حيث تعرضن للضرب.

قيّدت الشرطة الفتيات وأمرتهن بالوقوف في الردهة طوال الليل، دون طعام أو مياه، مع السماح لهن بدخول دورة المياه مرة واحدة فقط. وعلى حد قول نادين، عصب شرطي عينيها وأخذها إلى حجرة حيث صعقها شرطي آخر بعصا مكهربة، وقال: "أنت كنت في التظاهرة"، وعندما نفت الأمر لم يصدقها.

استُجوبت نحو عشر دقائق، ثم أخذتها الشرطة إلى نيابة أمن الدولة في القاهرة الجديدة/التجمع الخامس. هُناك، سُمح لها بمقابلة محامي وتم استجوابها، مع التحفظ عليها في منطقة مخصصة للحجز، ثم أعيدت إلى قسم الشرطة في شاحنة مكتظة بالمحتجزين، ما اضطرها إلى تفويت موعد اختبارها المدرسي ذلك اليوم.

في اليوم التالي، نقلتها الشرطة إلى النيابة مرة أخرى، حيث عرفت باتهامها بـ"التظاهر ومقاومة السلطات والانضمام إلى تنظيم إرهابي"، على حد قولها.

في قسم الشرطة، كانت محتجزة في زنزانة مكتظة بالفتيات والنساء الأخريات. "لم أتمكن من الجلوس"، كما قالت.

ووصفت نادين كيف تحرش بها المحتجزون الذكور هي والسجينات الأخريات، وكانت الزيارات الأسرية لا تزيد عن دقائق. أخلي سبيلها دون اتهامات بعد أربعة أيام، إثر طعن بقرار النيابة.

في عام 2014، دانت محكمة نادين غيابياً وحكمت عليها بالسجن عامين بتهمة المشاركة في مظاهرة بدون تصريح، لكن أسرتها طعنت الحكم وتم تخفيفه إلى حكم بالخدمة المجتمعية، طبقاً لسجل القضية.

في وقت لاحق من عام 2014، قبضت الشرطة على نادين من بيتها واحتجزتها ومعها عدة فتيات أخريات بتهمة التخطيط للمشاركة في تظاهرة أخرى، كانت في الحقيقة قد ألغيت ولم تنعقد، كما ادعت.

في البداية، احتجزت الشرطة الفتيات في قسم ثم أحالتهن إلى مقر للأمن الوطني في نفس الحيّ في القاهرة. عصّب رجال الشرطة عينيها وأمروها بفتح هاتفها الخلوي، واستجوبوها. بعد خمسة أيام من الاحتجاز في مركز الشرطة، استجوبتها النيابة "تقريباً ربع ساعة" ثم أخلت سبيلها.

كان عمر عبدالله 12 عاماً حين اعتقاله، وقد أُخفي قسراً لـ6 أشهر، تعرض خلالها للتعذيب بالإيهام بالغرق والصعق بالكهرباء، ووُضع في حبس انفرادي 100 يوم... شهادات توثق تعذيب أطفال وإخفائهم بشكل ممنهج على يد قوات الأمن المصرية 

وفي عام 2016، قبضت الشرطة على نادين مرة أخرى، بعد القبض على بعض أقاربها بتهمة تأييد الإخوان المسلمين، على ما يبدو بسبب صلتها الأسرية بالأقارب المحتجزين وليس بسبب الاشتباه في أي سلوك إجرامي من طرفها. في قسم الشرطة، تقول إنهم "خلعوا حجابها وقيدوا يديها"، لكن أخلوا سبيلها في ما بعد دون اتهامات.

ممارسات موسعة وممنهجة

في حالات أخرى، لجأ عناصر الأمن إلى التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بحق الأطفال، بحسب التقرير.

وقال طفلان إن عناصر الأمن حرموهما من البطانيات والثياب الدافئة لأيام في زنازين بدون تدفئة وممرات بمراكز الأمن في الشتاء، كما تم إيداع ثلاثة أطفال في الحبس الانفرادي، وحُرم ثلاثة على الأقل من الزيارات العائلية على مدار سنوات رهن الاحتجاز.

أجبر ضابط أمن حمزة هـ. مثلاً على "الوقوف على أطراف أصابع القدم ووضع مسامير مدبّبة تحت قدميه الحافيتين" لساعات، بعدما سمع العاملون بالسجن الفتى وهو يتحدث إلى سجين آخر في زنزانته، وهو الأمر الذي كان محظوراً عليهم، على حد قول أحد أقاربه. كان ذلك اليوم يوم عيد ميلاده، "وهو يكره عيد ميلاده الآن، ولا يريد الاحتفال به ثانية"، كما قالوا.

وقال شريف س. الذي تعرّض لحروق بليغة وقت القبض عليه إنه عندما طلب من الشرطة رعاية طبية "ردوا بضربي بقسوة"، وإنه عندما رفض التعاون مع تعليمات الشرطة لمساعدتهم في القبض على مشتبه به آخر: "انفتحت أبواب جهنم"، إذ ضربه رجال الأمن وصعقوه، على مدار أربع ساعات.

وبحسب التقرير، تعرض جميع الأطفال الـ 20 – باستثناء واحد – للإخفاء القسري على يد قوات الأمن، وفي إحدى الحالات طالت مدة الاختفاء لأكثر من عام، واحتُجزوا في مقار الأمن الوطني، ومعسكرات "الأمن المركزي"، ومواقع أخرى لا تُعد من منشآت الاحتجاز الرسمية بموجب القانون المصري. 

أنكر الأمن أي علم بأماكن أو مصائر الأطفال أمام عائلاتهم، إلى أن مَثَل الأطفال أخيراً أمام النيابة، وكان هذا يحدث عادة بعد أسابيع أو شهور.

من بين الأطفال المشمولين بالتقرير، هناك تسعة أطفال مضت قضاياهم إلى مرحلة المحاكمة، ولم يحصل أي من هؤلاء على فرصة حقيقية لتحضير الدفاع. قاضت السلطات صبياً قُبض عليه وهو عمره 16 عاماً، في قضية كان فيها 300 متهم آخرين، أغلبهم بالغون، وقد مضت المحاكمة في جلسات جماعية دون إتاحة فرصة حقيقية للحديث أو حتى مقابلة المحامين.

حوكم خمسة من الأطفال التسعة أمام محاكم عسكرية، بينما ينص قانون الطفل المصري لعام 1996 على إنشاء محاكم وتدابير حماية خاصة للأطفال المتنازعين مع القانون، منها بدائل للاحتجاز برفقة بالغين، كما يعاقب القانون احتجاز الأطفال مع بالغين.

جميع المعلومات المتوفرة تشير إلى أن الاحتجاز التعسفي والانتهاكات ضد المحتجزين، وبينهم أطفال، في عهد حكومة السيسي، هي "ممارسات موسعة وممنهجة".

وخلص التقرير أن على الحكومات الأجنبية أن تُجمّد صفقات بيع الأسلحة للحكومة المصرية، إلى أن تُنهي انتهاكاتها الواسعة والممنهجة والخطيرة بحق المحتجزين – وبينهم الأطفال، كما عليها أن تضغط علانية على الحكومة المصرية من أجل المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الأطفال.

وكانت الحكومة المصرية تلقت أكثر من 100 مليون يورو كمنح من الاتحاد الأوروبي سنوياً منذ عام 2014، كما تذرعت الإدارة الأمريكية باعتبارات الأمن الوطني لإلغاء شروط "الكونغرس" على جزء من المساعدة العسكرية الأمريكية لمصر بمبلغ 1.3 مليار دولار، للسنة المالية 2019.

يشير التقرير في النهاية إلى أن القضايا الموثقة فيه ليست إلا النذر اليسير من مئات حالات الانتهاكات من قبل قوات الأمن المصرية بحق الأطفال ومحتجزين آخرين، لكن جميع المعلومات المتوفرة تشير إلى أن الاحتجاز التعسفي والانتهاكات ضد المحتجزين، وبينهم أطفال، في عهد حكومة السيسي، هي "ممارسات موسعة وممنهجة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard