"احتفالات الربيع في الجزائر تكسبنا قوة ومناعة في مواجهة الطبيعة القاسية"

الأحد 22 مارس 202004:21 م

يصعب كثيراً الحديث عن نمط واحد للاحتفال بقدوم الربيع في الجزائر، إذ تختلف الاحتفالات من محافظة إلى أخرى، فلكل مدينة من مدن البلاد عادتها، وأعرافها، وخصوصيتها، ولكن الشيء المُتفق عليه هو السِّمات العامَّة التي تجمع بين تلك الاحتفالات.

زغاريد على الجبل

تستعيد هاجر ذكرياتها، وهي سيدة جزائرية في العقد الرابع من عمرها، أم لأربعة أطفال، بنتين وولدين، من "أقبو" الواقعة في محافظة بجاية شرق العاصمة الجزائر، بعينين تفيضان حنيناً لزمن مضى، عندما كانت في التاسعة من عمرها، حينها كانت تقوم مع والدتها بتحضير أطباق تقليدية مميزة للاحتفال بقدوم فصل الربيع، والذي يُعتبر في عدة محافظات طقساً سنوياً مهماً.

تقول هاجر: "صبيحة 21 مارس نقوم بتحضير وجبة إذرييس، حيث يقوم والدي مع أصدقائه بالبحث عن هذه النبتة في الغابة، وتقوم أمي بغليها مع أوراق الزيتون والصفصاف، وبعض النباتات الطبيعية، وتضيف لها كميات كبيرة من البيض والكسكسي الممزوج بالحمص وحبات الفول، حتى يفور الماء المغلي في القدر".

"الاحتفال بقدوم الربيع يعتبر احتفالاً مكملاً ليناير، فالجزائريون يعتبرون هذا الفصل فأل خير على الأرض والمزارعين، لأنه ينهي قساوة الشتاء وبردها، ويخرجون لبساتينهم لغرسها تحسباً لحلول فصل الصيف، فتزهر أشجار الخوخ وتخرج أوراق العنب"

تقول هاجر إن "هذا الطبق بمثابة لقاح طبيعي ضد عدة أمراض، خاصة بالنسبة لكبار السن"، ولخصت بعدها هاجر طقوس الاحتفال لرصيف22: "في الساعات الأولى من الصباح، وبالتحديد في الساعة العاشرة، يلتقي السكان وسط القرية، ويشكّلون بعدها صفوفاً، ويسيرون في الدروب والممرات الضيقة المؤدية إلى الحقول الواقعة في أعالي الجبال، المعروفة ببرودتها الشديدة في فصل الشتاء، بينما تمشي النسوة والفتيات خلفهم مباشرة، وبمجرد اقتراب الجموع من الحقل، تتعالى زغاريد النسوة، وتنسجم حناجرهم مع حناجر الأطفال التي تصدح بمختلف تراتيل قدوم الربيع وتوديع فصل الشتاء".

ومن بين الأغاني التي يُردِّدها الأطفال، تقول هاجر: "الربيع الربعاني، كل عام تلقاني، أنا وأمي وأخياني، في الجنان الفوقاني".

مناسبة لتطليق العزوبية

وتروي جميلة بلغة شاعرية، وهي سيدة جزائرية في العقد الثالث من عمرها، من محافظة تيزي وزو شرق العاصمة الجزائر، لـرصيف22 طريقة احتفالها بانتهاء الشتاء، والتي تشكل بالنسبة لها خزيناً من الذكريات الجميلة: "لعل أجمل الذكريات التي لازلت أحتفظ بها، عندما كنت طفلة صغيرة، عندما كنا نحن الفتيات نتوجه إلى الحقول في أول أيام الربيع، حيث تشرق الدنيا، وتتزيّن الطبيعة، تبتسم السماء، وتسدل الشمس خيوطها الخجولة بعد طول غياب باحثة عن ورود مُتفتِّحة، نُردِّد أغاني بالأمازيغية".

"كل سكان قريتنا مجتمعين في مساحات خضراء".

وتقول جميلة: "في هذا اليوم، ترى كل سكان القرية مجتمعين في المساحات الخضراء، فالنساء يرتدين اللباس التقليدي والمتمثل في الجبة القبائلية، ويضعن على رؤوسهن باقات مكونة من مختلف الأزهار، بينما يرتدي الرجال البرنوس".

وتشدد جميلة على أن الاحتفال بقدوم الربيع يُعتبر احتفالاً مُكمِّلاً ليناير، فالجزائريون يعتبرون هذا الفصل فأل خير على الأرض والمزارعين، لأنه ينهي قساوة الشتاء وبردها، ويخرجون لبساتينهم لغرسها تحسباً لحلول فصل الصيف، فتزهر أشجار الخوخ، وتخرج أوراق العنب.

وبحسب العادات المتوارثة في منطقة القبائل، تتذكر جميلة، أنه يتم إعطاء المرأة إناء مصنوعاً من الفخار، كالقُلة مثلاً، بها ماء، يشرب زوجها من يديها ثم تشرب هي من يدي زوجها، ثم يتجهان نحو الغابة، مع فتيات عازبات لقطف الأزهار، على غرار زهرة الأقحوان البرية ذات اللون الأحمر الجذاب.

وتنهي جيملة حديثها لرصيف22، قائلة: "إنَّ هذه العادات تمثل فألاً حسناً بالنسبة للفتيات لتطليق العزوبية".

أطباق وحلويات ريفيّة

وحول احتفالات قدوم الربيع، تقول فيروز، سيدة جزائرية في العقد الخامس من عمرها، من محافظة برج بوعريريج شرق العاصمة الجزائر، لرصيف22: "في مثل هذا اليوم نقوم بتحضير مجموعة من الأطباق التقليدية، والحلويات الريفية، تحضّر أغلبها بمواد طبيعية، مثل زيت الزيتون ودقيق القمح والشعير والعسل والزبدة والبيض، وحتى اللحم المُجفَّف الذي يتمّ الاحتفاظ به من عيد الأضحى السابق".

ومن أهم الأطباق الرئيسية التي لا يستغني عنها الجزائريون في احتفالهم بقدوم الربيع، بحسب فيروز، طبق "المبرجة"، أو كما يعرف في بعض المحافظات بـ"البراج"، وتقول إنه يُصنف في خانة الحلويات التقليدية المحلية التي تشتهر بها الجزائر، يتم إعداده بالدقيق والزبدة والتمر، ومن الأطباق الأخرى التي يتم تحضيرها في مثل هذا اليوم، الطبق المعروف محلياً باسم "شيوشيو"، ويتم تحضير هذا الطبق بكسكسي الشعير وزيت الزيتون واللحم المفروم مع مجموعة من الخضروات الربيعية.

"تُعطى المرأة إناء مصنوعاً من الفخار، كالقُلة مثلاً، بها ماء، يشرب زوجها من يديها ثم تشرب هي من يدي زوجها، ثم يتجهان نحو الغابة مع فتيات عازبات لقطف الأزهار"

وتقول فيروز إن الأجداد كانوا يطلقون على الجمعة الأولى من فصل الربيع "عيد ميلاد جديد للطبيعة"، فكانوا يخرجون جميعهم للحقول والمساحات الخضراء لتأدية صلاة الجمعة، تحت إشراف إمام القرية.

ولعل أبرز هدف من هذه الاحتفالات، تضيف فيروز، أنها تشكّل المناسبة الوحيدة في العام التي تمكن شباب القرية من اختيار زوجاتهم المستقبليات، فالفتيات في هذا اليوم يخرجن إلى الحقول، وملامح الخجل تحجب وجوههن.

وتقول فيروز إن هذا اليوم يعدّ مناسبة بالنسبة للمزارعين لعرض مختلف محاصيلهم الزراعية، من حبوب وخضر وفواكه وحتى توابل، وكذلك يستغلها الحرفيون لإبراز أجمل ما تصنعه أناملهم من أوانٍ، ومنسوجات، وزرابي، وأزياء، وحلي تقليدية.

وتوضح فيروز أن الاحتفالات بحلول فصل الربيع لا تقتصر على منطقة القبائل فقط، بل هو عيد تحتفل فيه جميع محافظات الجزائر دون استثناء، وتنطلق هذه الاحتفالات من 28 شباط/ فبراير إلى منتصف شهر مارس/ آذار، حيث يتم التحضير لتظاهرات ثقافية وأخرى تجارية، وتختلف طقوس وعادات الاحتفال من منطقة لأخرى.

وتستدل فيروز على حديثها بمحافظة قسنطينة، حيث يبدأ بعد الانتهاء من صوم 10 أيام، ويطلق على هذه الأيام اسم "نشرة"، وبعدها تتجه نساء المدينة إلى منطقة يطلق عليها مقام "سيدي محمد لغراب"، حيث تقام الاحتفالات، والتظاهرات النسائية، وفي محافظة باتنة تقوم ربات البيوت بإعداد مستلزمات منزلية مصنوعة من أوراق الأشجار، على غرار شجرة البلوط وأوراق الحلفاء، كما تلجأ بعض النسوة إلى الغابة لاقتلاع فسائل العرعار ليتمّ طحنه، وهي العملية التي تتم وسط غناء وزغاريد النسوة.

تثمّن فيروز كل تلك الاحتفالات، على اختلاف أشكالها وطرقها، وتقول إن الناس تعتقد أن "الاحتفال بحلول فصل الربيع، يزيد سكانها قوة ومناعة لمواجهة ظروف الطبيعة القاسية والصعبة على مدار الفصول الأربعة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard