"حيا به بين إخوته"... اليمنيون ينتظرون فيروس كورونا بمزيج من القلق واللامبالاة

الأربعاء 11 مارس 202001:37 م

في بلد عصفت به الحرب وانتشرت فيه الأوبئة وانهار نظامه الصحي وتشرد الملايين من أبنائه داخل حدوده وخارجها، ويعيش فيه موظفون بدون رواتب ويعتمد جزء كبير من أبنائه على المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات الإغاثية الدولية والإقليمية، وتوجد فيه حكومتان ووزيران للصحة، لم تعلن اليمن حتى لحظة إعداد هذا التقرير بشكل رسمي إصابات بفيروس كورونا.

رغم ذلك، فإن قصة اليمن التي تنهكها الحرب مع الأوبئة قديمة. فقد شهدت عام 2016 هجمة للكوليرا صنفتها منظمة الصحة العالمية بأنها الأشرس على مستوى العالم وراح ضحيتها مئات اليمنيين، منهم أطباء وممرضون عملوا على معالجة المرض.

ولم تكن الكوليرا الوباء الوحيد الذي يهاجم اليمنيين بل أضيفت إليها هجمات أخرى لحمى الضنك والدفتيريا والمكرفس... كل هذه الهجمات جعلت اليمن تصنف بأنها تعيش الأزمة الصحية الأسوأ في العالم.

في انتظار الكورونا

والآن يعيش اليمنيون في انتظار وصول كورونا بعد أن وصل إلى معظم دول العالم.

حتى اللحظة، لم يعلن كل من الحوثيين أو الحكومة المعترف بها دولياً تسجيل أية إصابة بهذا الفيروس. الشائعات عن وصوله إلى اليمن كثيرة ولكن الحكومة والحوثيين يصرّون على عدم الاعتراف بذلك.

رغم ذلك، نفدت الكمامات من الأسواق، حتى مع تعرّض المدن اليمنية للغبار المتكرر خلال الفترة الماضية، وهو ما دفع الناشط الحقوقي هشام المخلافي إلى التحذير من "أن اليمن سيشهد خلال الفترة القادمة سوقاً سوداء للكمامات كما هو الحال في الغاز والبنزين والديزل".

يؤكد الدكتور الصيدلاني مجاهد التويتي لرصيف22 أن "الوضع صعب جداً فالكمامات التي كانت لا تباع إلا بشكل نادر اختفت فجأة من الأسواق وتسابق الناس لشرائها، وارتفعت أسعارها بمقدار ثلاثة أضعاف".

الطلب على ما في أسواق اليمن من كمامات مرتفع، وبحسب التويتي، "وصلتنا رسائل لطلب شراء الكمامات من العراق وسوريا وعدة دول، ما جعلها تتحول إلى سوق سوداء مربحة خصوصاً بعد توقف الاستيراد من الصين، المورّد الرئيسي للكمامات إلى الوطن العربي".

ويتهم المخلافي، في حديثه لرصيف22، الصيادلة وملاكي مخازن الأدوية "بتجميع الكمامات وتخزينها حتى يتم الإعلان عن أول حالة مصابة بالكورونا بشكل رسمي ليقوموا ببيعها في السوق السوداء وبضعف قيمتها".

مفاجأة الكورونا

في مجالسهم الخاصة، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، برزت سخرية اليمنيين من واقعهم. قالوا إن الكورونا إذا أتى إلى اليمن سيتفاجأ بالحال التي وصل إليها اليمنيون، بعد خمس سنوات من حرب ذاقوا خلالها كل الويلات إلى حد لم يعودوا يخافون من أي شيء قادم.

في باص صغير للنقل في صنعاء، كان الركاب يتحدثون عن الكورونا، فقال أحدهم ضاحكاً: "حيا به (أهلاً به) بين إخوته"، أي الكوليرا والضنك والأوبئة الأخرى المنتشرة بين اليمنيين، مضيفاً: "كما عايشنا تلك الأمراض، سنعايش غيرها"

وتعبّر عن هذا المزاج الساخر هذه الصورة التي تم تداولها بكثرة على حسابات اليمنيين على تويتر وفيسبوك، وحتى على واتساب.

يقول عمران الخولاني، سائق باص صغير للنقل في صنعاء، لرصيف22: "خلال الأيام الماضية، لم يكن هناك حديث للركاب الذين كنت أوصلهم سوى عن كورونا واحتمالية وصوله إلى اليمن".

يشير إلى أن حديثهم كان متنوعاً بين النكتة والحسرة ويروي أن أحد الركاب قال ضاحكاً: "حيا به (أهلاً به) بين إخوته"، أي الكوليرا والضنك والأوبئة الأخرى المنتشرة بين اليمنيين، مضيفاً: "كما عايشنا تلك الأمراض، سنعايش غيرها".

وفي منشور على فيسبوك، كتب الكاتب خالد سلمان: "كورونا لا يصيب الموتى. لذلك هو ليس بحاجة إلى دخول اليمن"، في إشارة إلى أن واقع اليمنيين يجعلهم شبه موتى وهم أحياء.

مع بداية انتشار الكورونا في دول عربية، في منتصف شباط/ فبراير، أعلن الحوثيون تجهير مركز للحجر الصحي في صنعاء، الأمر الذي لقي تعليقات كثيرة، خصوصاً أنه حتى الآن لم تعلن اليمن وصول الفيروس إليها، رغم تزايد الرحلات الجوية إلى مطاري سيئون وعدن وكذلك مطار صنعاء، وزيادة الحركة على المنافذ البرية.

إصابات مؤكدة

يقول الدكتور الصيدلاني مجاهد التويتي لرصيف22 إن "هناك إصابات مؤكدة بكورونا في اليمن ولكن قدرة النظام الصحي على الكشف والتشخيص محدودة بل ربما تكون هناك حالات وفاة ولأنهم لم يتمكنوا من الكشف عن سبب الوفاة أو معرفة الأعراض اعتبروها حالات وفاة طبيعية".

في جو من السخرية، طالب يمنيون رجل الدين عبد المجيد الزنداني الذي سبق له أن أعلن عن اختراع أدوية للإيدز والسرطان، بالتدخل. وكتب أحدهم: "كورونا قد تطور إلى جيل جديد... وليس أمام البشرية إلا الزنداني لإنقاذها بعلومه واختراعاته"

في منشورات عدة، كتب يمنيون "كورونا يعلن أنه لا توجد وزارة للصحة في اليمن". كذلك، قال أحد الصحافيين: "الحكومة تعلن أنه لا يوجد كورونا في اليمن، ليرد كورونا بأنه لا توجد في اليمن حكومة".

وعلى تويتر، كتب المواطن بشير بدر أنه يعاني من صداع وارتفاع درجة حرارته، ولكنه لا يعلم إلى أين يذهب، خصوصاً أنه لا يعيش في العاصمة وإنما في مدينة ذمار.

هذا التساؤل مهم، في ظل غياب شبة تام للسلطات في صنعاء وعدن عن التوعية حتى بأعراض المرض وأماكن توجّه مَن تظهر عليهم أعراضه.

وسخر الصحافي إبراهيم العبيدي من الواقع، وكتب على فيسبوك: "من حسن الحظ أن اليمن لا توجد لديها مستشفيات تشخص الأمراض فإنفلونزا الخنازير حتى اللحظة لم يتم تشخيصه بدقة ما يجعل كورونا يصل إلى اليمن في 2030".

وفي جو من السخرية أيضاً، طالب العديد من اليمنيين رجل الدين الزنداني الذي سبق له أن أعلن عن اختراع أدوية للإيدز والسرطان، بالتدخل. وكتب الباحث عمر الحياني على فيسبوك: "كورونا قد تطور إلى جيل جديد... وليس أمام البشرية إلا الزنداني لإنقاذها بعلومه واختراعاته".

رغم إغلاق دول الخليج المجاورة لليمن المدارس والجامعات حتى إشعار آخر، تجنباً لانتشار الكورونا، يعتبر بعض اليمنيين أنه، حتى وإن وصل إلى بلادهم، فلا حاجة إلى إغلاق المدارس، لأنه "لا يوجد مدرسين أو مدارس"، كما كتب الناشط أحمد العولقي على فيسبوك.

عندما ضرب الكوليرا اليمن، خلال العامين الماضيين، لم تقم الحكومة اليمنية أو الحوثيون بإغلاق المدارس والجامعات، رغم أن الكوليرا أشد فتكاً بكثير من الكورونا، فالمصاب به قد يموت في أقل من يومين سواء أكان شاباً أو طفلاً أو عجوزاً.

تعليقات اليمنيين على الكورونا، وإنْ حملت في ظاهرها النكتة، إلا أنها توضح كيف شكلت الحرب على مدى سنواتها الخمس حالة من اللامبالاة التي وصلوا إليها، في بلد لا يملك أهله الوسائل لمواجهة الموت الذي يصل إليهم عبر طرق كثيرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard