لن أتزوّج ولو شنقوني، قبطي وأحفظ القرآن، مصريّ يظنونني لبنانياً... تناقضات بشارة واكيم

السبت 14 مارس 202005:05 م

قبل 130 عاماً بالتمام والكمال، كانت القاهرة على موعد مع ميلاد عبقرية استثنائية؛ سيكون حظّ الطّفل الوليد حسناً وسيتصدر اسمه الأفيشات، ومع أيام طفولته الأولى سيدخل المسرح إلى مصر سريعاً، وبعدها بسنوات قليلة سيكون الطفل الذي أصبح شاباً قد بات جاهزاً ليصبح أحد أركان اللعبة، ولأن عشق التمثيل كان راسخاً في قلبه، فإن "بشارة واكيم" سيقدّم كلّ التضحيات الممكنة التي ستكفل لمشواره الفني رسوخاً مركزياً في تاريخ المسرح المصري والعربي.

أداؤه الاستثنائي وموهبته الفطرية، جعلت أغلب جمهور السينما والمسرح في مصر يظنه لبنانياً، بسبب إجادته الكبيرة في أداء دور الرجل القادم من بلاد الشام، لكن الحقيقة أن ابن تاجر الأقمشة ذائع الصيت في حيّ الفجالة القاهري، كان يحمل كلّ التناقضات في ثنايا موهبته التمثيلية، ولذلك كان طريقه مفروشاً بالورود لحجز أدوار البطولة.

بين التراجيدي والكوميدي

في الخامس من شهر أذار/مارس، عام 1890، خرج للنور بشارة إلياس يواقيم، ابن حيّ الفجالة الشعبي في وسط العاصمة المصرية. الوالد هو تاجر الأقمشة الشهير، إلياس واقيم، الذي ذاع صيته في تلك الفترة من نهايات القرن التاسع عشر. وأولى صدامات بشارة واكيم بسبب حبّ الفن كانت بالطبع مع أهله ووالده تاجر الأقمشة الذي انتشرت تجارته بين مصر وبلاد الشام. كانت مصر في ذلك الوقت مجتمعاً محافظاً، ينظر إلى العمل في الفن، على أنه انخراط في مهنة سيئة السمعة.

بدأ بشارة رحلته التعليمية من مدارس "الفرير" الفرنسية في باب اللّوق، حيث تعلم هناك اللغة الفرنسية، وهو ما فتح الطريق له للالتحاق بكلية الحقوق حتى حاز على درجة الليسانس عام 1917، وهو ما أهّله للحصول على منحة لمواصلة دراسته في باريس. لكن القدر لعب لعبته، ومنعتْه من السفر الحربُ العالمية الأولى التي كانت في أوج اشتعالها، ليعود واكيم لمواصله صدامه المؤجل مع أهله، بسبب رغبته في العمل بالفن، ورفضِ أسرته بشكل قاطع لعمله في المهنة سيئة السمعة في ذلك الوقت، لكن بشارة كان قد حسم أمره، فتقدّم للالتحاق بفرقة عبد الرحمن رشدي المسرحية، حيث بدأ مشواره الفني منها، قبل الالتحاق بفرقة "جورج أبيض" حيث بدأ مشواره بتألق.

أولى صدامات بشارة واكيم بسبب حبّ الفن كانت بالطبع مع أهله ووالده تاجر الأقمشة. كانت مصر في ذلك الوقت مجتمعاً محافظاً، ينظر إلى العمل في الفن، على أنه انخراط في مهنة سيئة السمعة

ثمّ أتت بعدها المحطة الفارقة في حياته بلقائه مع الفنان يوسف وهبي، الذي كان يشبهه في حالة الصدام مع الأسرة والهروب من ضغوط العائلة، فقرّر يوسف وهبي ضمَّه لفرقة "رمسيس" المسرحية، وكان ذلك اللقاء إعلاناً لفتح الطريق لحدوث نهضة مسرحية وفنية شاملة في شوارع ومسارح مصر، خاضها مجموعة من الموهوبين على مسرح رمسيس تحت قيادة يوسف وهبي.

كانت تجربة واكيم المسرحية من أكثر التجارب تنوعاً في تاريخ المسرح العربي؛ فمن البداية في الأدوار التراجيدية مع فرقة "جورج أبيض"، حتى الانتقال للأدوار الكوميدية التي تألق فيها على مسرح يوسف وهبي، ثمّ مع فرقة "منيرة المهدية".

في تلك المرحلة تمّ تصنيف بشارة واكيم كممثل كوميدي بالأساس، قام بعدها بتكوين فرقته المسرحية الخاصة مع اكتسابه الشهرة وتحقيقه لنجاحات كبيرة جعلت اسمه يتصدر الأفيشات بجوار كبار النجوم. وكانت أبرز محطات نجاحه في مسرحيات "حسن ومرقص وكوهين"، و"الدنيا علي"، و"كف عفريت".

مشوار سينمائي حافل لشاعر يكتب سرّاً

دخل بشارة واكيم إلى ساحة الفن السابع مبكراً جدّاً. كانت السينما في ذلك الوقت ما تزال صامتة، وكانت البداية عام 1923 مع فيلم "برسوم يبحث عن وظيفة". ثمّ توالت بعده البطولات السينمائية في الثلاثينيات مع دخول السينما الناطقة؛ فلعبت سلسلة أفلامه مع الفنان الكبير، نجيب الريحاني، دوراً كبيراً في اتساع شهرته. ومن أبرز تلك الأفلام "لعبة الستّ"، "ليلى بنت الفقراء"، "قلبي دليلي"، "غرام وانتقام".

عند التوقف في أحد شوارع القاهرة في وقتنا الراهن لسؤال المارة عن جنسية الممثل بشارة واكيم كما فعل رصيف22، كانت الإجابة بنسبة تزيد عن 90% لصالح أنه "لبناني". وجاء إتقان بشارة واكيم للهجة الشامية من جيرانه بـ"الفجالة"، بالإضافة إلى سفره المتكرر إلى بلاد الشام في طفولته، وذلك بصحبة والده خلال رحلاته التجارية. وهو الأمر الذي جعله عاشقاً للشام ولأهل الشام طوال حياته.

أما عن إتقانه لللغة الفرنسية التي نشأ وهو يتعلمها في مدرسة "الفرير"، فقد ساعده ذلك على ترجمة وتعريب العديد من المسرحيات الغربية. كان واكيم يحبّ القراءة ومن أصحاب العقول المفكرة. شغلته القراءة والإبحار في اللغات فأتقن اللغة العربية إتقاناً تاماً، وحرص على دراستها طوال مراحل حياته؛ وهذا هو أيضاً ما دفعه لحفظ القرآن الكريم رغم أنه لم يكن مسلماً.

كانت والدتي كلما غضبت علي، دعت على بقولها (روح إلهي يبتليك بجوازة تهد حيلك)، ومنذ ذلك الحين، وأنا أرى في الزواج مصيبة، أو نكبة يبتلي الله بها المرءَ لكي يودع معه أيام الهدوء والصفاء وراحة البال

وقد ساعدته هواياته وحفظه للقرآن على كتابة الشعر الموزون، الذي أحبّ بشارة كتابته، وأحبّ صديقُه الفنان الكبير أنور وجدي، قراءته. وحاول وجدي كثيراً إقناع واكيم بضروة إصدار أشعاره في ديوان، وهو الأمر الذي رفضه بشارة واكيم دائماً، مؤكداً أنه يكتب لنفسه وأن أشعاره وقصائده تخصّه وحده.

الزهد في الزواج

طوال ست عقود ما بين الميلاد في 5 مارس 1890 وحتى وفاة واكيم في 30 نوفمبر 1949، قدّم النجم الراحل حياته كاملة للفنّ، ولم يتزوج أو يكوّن أسرة في الـ59 عاماً التي عاشها، بل كانت آثاره على شاشة السينما هي ميراثه الوحيد، بعد أن تجاوز عدد أفلامه المائة، ومن أشهرها: "أنشودة الراديو"، "بسلامته عايز يتجوز" عام 1936، "صلاح الدين الأيوبي"، "ليلى بنت الريف" عام 1941، "طاقية الإخفاء" 1944، "ليلى بنت الفقراء" 1945، "معروف الإسكافي" 1947، و"طلاق سعاد هانم"، و"سكة السلامة" 1948. وكان آخر أفلامه خلال عام وفاته هو "حلم ليلة" عام 1949.

وكان لهذا العطاء الحافل خلال فترة لم تتجاوز ربع قرن، انعكاس كبير على حياته، وتسبب في زيادة تجاهله لفكرة الزواج وتكوين أسرة، خاصة بعد الصدمة العاطفية التي تلقاها في بداية حياته، عندما رفضت ابنة الجيران الارتباط به، بعد أن عرفت بنيّته ترك المحاماة ودخول عالم التمثيل والفن، ليتسبب ذلك في حالة عداء بينه وبين الجنس الآخر.

رحلاته إلى الشام جعلته عاشقاً لها ولأهلها طوال حياته

وقد بلغ به ذلك العداء أن كتب مقالاً في فبراير 1944، بمجلة "الاثنين والدنيا" تحت عنوان "لن أتزوج لو شنقوني". وأعادت جريدة "المصري اليوم" نشر ذلك المقال، قال فيه الممثل الأعزب: "قد يكون الزواج نعمة، وحاجة حلوة صحيح، لكن الذي رسخ في ذهني منذ الصغر عن الزواج، جعلني أكش منه، كما يكش موسليني من سماع صوت تشرشل في الراديو! كانت والدتي كلما غضبت علي، دعت على بقولها (روح إلهي يبتليك بجوازة تهد حيلك)، ومنذ ذلك الحين، وأنا أرى في الزواج مصيبة، أو نكبة يبتلي الله بها المرءَ لكي يودع معه أيام الهدوء والصفاء وراحة البال ويدخل في دور العكننة".



ترك ذلك الصدام مع المرأة آثاره على حياة بشارة واكيم، توازياً مع الحالة المتوترة بين بشارة وأهله بسبب العمل بالفن، لذلك خرج الفنان الكبير من بيت والده، وقضى أغلب فترات حياته في منزل شقيقته الأرملة، التي توفي زوجها، فعاش بشارة تجربة الأبوة من خلال تربية أبناء شقيقته، واعتبرهم أبناءه، حتي أنه أوصى بكلّ ثروته إليهم بعد وفاته.

الضحك مع شادية


تحدّثت الفنانة الشهيرة ،"شادية"، في مقال لها بمجلة الكواكب عام 1954، عن أحد أغرب المواقف الكوميدية التي قابلتها مع بشارة واكيم أثناء المشاركة في فيلم "العقل في إجازة"؛ تقول شادية: كان من المفترض أن أبكي في أحد المشاهد التي تجمعني ببشارة واكيم، ولكنه في كلّ مرة كانت يجعلني لا أتمالك نفسي من الضحك بسببه، لأنه كان يجب أن يمثل المشهد بطريقة جدية، لكن الفكاهة كانت تغلب على أدائه، فلا أستطيع مقاومة الضحك، وتسبب ذلك في إعادة المشهد لأكثر من 20 مرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard