"سامويل؟ اسم يهودي، لا فيزا له. جيريمي؟ لا أحبه"... فوضى وزارة الإعلام السورية في زمن الحرب

الاثنين 9 مارس 202007:04 م

جلس عمران الزعبي، وزير الإعلام السوري، على كرسيّ مهترئ. أرخى ربطة عنقه. أشعل سيجارته، وبدأ بالكلام. "عَ مين بدكن تركزوا بالانتخابات النيابية؟ عنّا مرشحات حلوين كتير هالسنة".

ضاحكاً، أخرج هاتفه المحمول من جيب معطفه وبدأ بعرض صور المرشّحات للانتخابات النيابية السورية التي كانت مقررة في نيسان/ أبريل من عام 2016.

لم يحدث ذلك أمام اثنين أو ثلاثة من أصدقائه المقرّبين في أحد المقاهي، بل في اجتماع رسمي جمعه بمجموعة من الصحافيين العاملين في وسائل إعلامية سورية وأجنبية.

"هَيْ أحلى واحدة"، قال الزعبي، وهو يتأمل صورة إحدى المرشحات لثوانٍ قبل تكبيرها لعرض أجزاء من جسدها على الحضور الذين أصابتهم الدهشة، وضحكوا خجلاً.

قبل ذلك بحوالي أسبوع، كان الزعبي قد أعلن أمام أكثر من مئة صحافي تجمعوا أمامه في مدرّج المبنى المهترئ لوزارة الإعلام، في حي المزة الدمشقي، سياسته للتعاطي مع الصحافة الغربية.

طرح أحد الحضور سؤالاً حول وجود مراسلين غربيين في سوريا بشكل عام وخلال الانتخابات بشكل خاص. بصوته العالي وعامّيته المعهودة، أجاب الزعبي: "وسيلة إعلام دولية تظهرنا في تقريرها بمظهر لائق بنسبة 10%، وكوحوش بنسبة 90%، أفضل من وسيلة إعلام داعمة تمدحنا ليل نهار"، وأضاف: "نحن علينا أن نعطي الفيزا للصحافي الأجنبي وأن نحرص على أن يرى الحقائق بعد وصوله".

وُلّي الزعبي وزارة الإعلام السورية في حزيران/ يونيو 2012، أي بعد عام ونيّف على اندلاع الثورة السورية، وحافظ على منصبه لمدة أربعة أعوام، هو الذي كان حقوقياً من مدينة درعا جنوب سوريا، واحتل شاشات التلفزة ليدلي بدفاعات مستميتة عن النظام السوري منذ الأيام الأولى للثورة.

منذ استلامه للوزارة حتى إقالته في تموز/ يوليو من عام 2016 وتعيينه نائباً للجبهة الوطنية التقدمية، وهي ائتلاف أحزاب سورية موالية للنظام يرأسها الرئيس السوري بشار الأسد شخصياً، عُرف عنه حب إلقاء المواعظ عن الوطنية والسيادة ومعاداة الإمبريالية والصمود في وجه المؤامرة.

وقع العديد من الصحافيين الأجانب ضحايا لهذه الخطب الطويلة في مكتب الوزير، في الطابق العاشر، وهو الطابق الوحيد الذي يحوي مكاتب وممرات مهيأة بشكل يليق بوزارة إعلام.

مديرية الإعلام الخارجي

في الطابق الثامن من المبنى ذاته، تقع مديرية الإعلام الخارجي، الجهة المسؤولة عن كل ما يتعلق بعمل وسائل الإعلام غير السورية، من اعتماد مراسلين ومصورين إلى دراسة طلبات تأشيرات دخول صحافيين غير مقيمين في سوريا، إلى مراقبة وتمحيص كل ما يُكتب عن سوريا باللغات التي يتوفر لدى الوزارة مترجمون منها إلى العربية، وهي: الإنكليزية، الفرنسية، والإسبانية.

"وماذا عن الفريق التلفزيوني الدانماركي الذي يأتي إلى سوريا باستمرار، وحصل مؤخراً على الاعتماد من وزارة الإعلام لفتح مكتب في دمشق، هل هو مؤيد للحكومة ليستحق كل هذا التسهيل؟"، سُئل أحد مديري الإعلام الخارجي السابقين.

مبنى وزارة الإعلام

"لا أعلم"، أجاب. "ليس لدينا مترجم من اللغة الدانماركية. ولكن هذا الفريق خفيف الظل، والشباب في المكتب يحبّونه!".

لم يطل عهد ذلك المدير، ففساده لم يكن مقبولاً حتى في سوريا، ثالث أكثر دول العالم فساداً بحسب منظمة الشفافية الدولية. فور تعيينه، سارع إلى دعوة بعض السوريين العاملين كمرافقين محليين للمراسلين الغربيين (فيكسرز) إلى اجتماعات فردية مغلقة بعد انتهاء الدوام في الوزارة، للتحقيق معهم حول ما يتقاضونه من أموال من كل وسيلة إعلام. كان ذلك تمهيداً لمنع معظمهم من العمل، إلّا مَن وافق منهم على مشاركة المدير بنسبة 50% من الأرباح التي يجنيها.

بعدها، عيّن ابن حميه البالغ من العمر عشرين عاماً ليعمل مع وسائل الإعلام التي تدفع أعلى المبالغ، وحتى عقد صفقات مع سائقي تاكسي فرضهم لاحقاً على الصحافيين الأجانب، معللاً الأمر بأنهم "معتمدون من قبل الوزارة".

وليضمن عدم منافسة باقي موظفي المديرية على العمل مع الصحافيين الأجانب، أصدر المدير قراراً شفهياً بمنع النساء من السفر في مهمات خارج مدينة دمشق، مستغلاً كون معظم موظفي مديريته نساء.

القرار الأخير وصل إلى إحدى الموظفات القديمات في الوزارة. اقتحمت مكتب خليفة عمران الزعبي، رامز ترجمان، وانفجرت في وجهه: "هذا بلد تستشهد فيه الجنديات قبل الجنود، ليأتي هذا الدنيء ويقول إن النساء لا يستطعن السفر خارج مدنهم بسبب جنسهنّ؟". احمرّ وجه الوزير غضباً، بحسب أحد الحضور، وأوحت نظراته أنها لم تكن المرّة الأولى التي يأتي إليه أحد ما ليشتكي على ذلك المدير.

المدير كان جالساً في مكتبه في ذلك الصباح يقلّب طلبات الحصول على تأشيرة دخول من قبل صحافيين أجانب. "سامويل… اسم يهودي، لا فيزا له!" قال قبل أن يرمي الورقة جانباً. "جيريمي، لا أحبه، غير محترم"، وألحق ملفه بملف سامويل. إلى جانب مكتبه كانت تتكدس هدايا من مختلف الأحجام أتى بها صحافيون إليه خلال اليوم.

أعفي المدير من منصبه بعد ذلك بأيام. لم يكن قد مضى ثلاثة أشهر على تعيينه. لكن، رغم فساده وسوء إدارته وأخطائه الجسيمة، لم يحاسَب، إنما خضع لعقوبة تقليدية لمَن كان فاسداً لكنه لم يغضب النظام كثيراً: تم نقله إلى إدارة أخرى أقل أهمية في نفس الوزارة وكأن شيئاً لم يكن.

من أروقة سبايستون إلى خلافة الزعبي

مديرية الإعلام الخارجي انتقلت، خلال النصف الثاني من عام 2016، من الطابق الثامن الذي يبدو كالسجن إلى السادس، حين أراد وزير الإعلام الذي خلف الزعبي أن يُستقبَل "ضيوف سوريا" من الصحافيين الأجانب في مكتب أكثر ألقاً.

لكن، رغم تحسّن نوعية الكراسي والطاولات والأبواب وطلاء الجدران، بقي المشهد على حاله: أباريق شاي تتبادل المواقع مع أباريق القهوة، فول، فلافل، حمّص، تسخين رغيف الخبز على مدفأة المازوت. "وين ملف الصحفي الألماني؟"، "ضايع أستاذ"، "خليه يرجع يقدّم".

قد يتذكّر بعض "الميلينيالز" العرب اسم الوزير رامز ترجمان الذي تولى المنصب منتصف عام 2016، من شارات المسلسلات الكرتونية التي كانت تعرضها قناة الأطفال سبايستون. كان اسمه مكتوباً تحت خانة الإشراف الهندسي في العديد منها.

وترجمان، بحسب مَن عرفه، لا يشبه سابقه عمران الزعبي في شيء. هو رجل هادئ، دمث الخلق، قليل الكلام، ضعيف الشخصية، لا يحب الظهور أمام الكاميرا، ولا يجيد إلقاء الخطابات. لا يتكلم في السياسة إلا إذا كان مضطراً. ولعلّه فعلاً واحدٌ من قلّة في تاريخ "سوريا الأسد" ممَّن شقّوا طريقهم إلى مناصب رسمية بجهدهم الشخصي.

"رغم كل مساوئ عمران الزعبي، إلا أن شخصيته القوية كانت تخيف عناصر الأمن وتبعدهم عن التربص بوزارة الإعلام وبالصحافيين،" يقول موظف في وزارة الإعلام. "لم ينفع حسن أخلاق السيد ترجمان إذ عنى ذلك فتح المجال للجميع لإيذاء الصحافيين والتدخل في عملهم".

وبالفعل، سرعان ما تهافتت ثلاث جهات رئيسية على مديرية الإعلام الخارجي لتتحكم في آلية عملها: الأولى، مكتب الإعلام في الإدارة السياسية للجيش السوري الذي شرع لاحقاً بفرض أخذ إذن مديره حتى قبل اختيار سائق يعمل مع الصحافي الأجنبي.

جلس وزير الإعلام السوري على كرسيّ مهترئ. أرخى ربطة عنقه. أشعل سيجارته، وبدأ بالكلام. "عَ مين بدكن تركزوا بالانتخابات النيابية؟ عنّا مرشحات حلوين كتير هالسنة". ثم أخرج هاتفه المحمول من جيب معطفه وبدأ بعرض صور المرشّحات

ومدير ذلك المكتب خلال عدة سنوات من الحرب، العميد سمير سليمان، أحب الويسكي الأمريكي، "البوربون"، وأحب مَن زار مكتبه محملاً بزجاجة منها. كان مكتبه في قيادة أركان الجيش السوري لا يخلو من الحضور الذين لا عمل لهم ولا شأن بالإدارة: ضيوفٌ يأتون للثرثرة وإمضاء الوقت. على درج المكتب عيّنات من عمل بعض الصحافيين يفاجئهم بها حين يزورونه، ويقوم بالمحاضرة فيهم على طريقة عمران الزعبي وغيره.

الجهة الثانية، المكتب الإعلامي في القصر الجمهوري الذي تقوده لونا الشبل، الإعلامية التي استقالت من قناة الجزيرة احتجاجاً على موقف القناة من الثورة السورية، لتغدو المستشارة الإعلامية للرئاسة السورية.

الجهة الثالثة، مكتب الأمن الوطني، الذي يرأسه اللواء علي مملوك، مَن يُقال عنه عادةً: "إنْ كان هناك رجلٌ ثانٍ في سوريا بعد بشار الأسد، فإنه هو". ولا نعرف الكثير عن كيفية تعاطي هذا المكتب مع ملفات الصحافيين.

كسل مخابراتي

عندما وصل مراسل صحيفة أوروبية كبرى إلى فندق الشهباء (كان جزءاً من سلسلة ديديمان التركية) عام 2016، صعد إلى غرفته ليبدّل ملابسه ويعود، في حين مكث مرافقه في بهو الفندق، يتحدّث إلى عامل الاستقبال.

التفت المرافق ليتجه نحو المصعد، إلا أن رجلاً اعترض طريقه. "اسمي أبو علاء من أمن الدولة"، قال الرجل. "لا لا تسبب وجع رأس لي ولك، أعطني تفاصيل رحلاتكم كل يوم، فأنا لن أتكبد عناء ملاحقتكم من مكان إلى آخر… تعبنا من ملاحقة الناس ومراقبتهم، يعملون ثم يأكلون ويشربون ونحن نقف في البرد".

بعد أن أكّد المرافق أنّه سيلتزم بالتعليمات، أضاف أبو علاء: "مهما جرى، لا تخبر الصحافي الأجنبي أنني من المخابرات، الموضوع في منتهى السرّية".

التفت أبو علاء وعاد ليجلس على أحد الكراسي في بهو الفندق. نثر على طاولة صغيرة أمامه علبة السجائر السورية المحلية "الحمراء"، وولاعته، وهاتفه النقال، وأخذ يراقب الناس. كان له شارب كث، شعره أسود كسواد قميصه وسترته وبنطاله وحذائه.

عاد الصحافي الأوروبي إلى البهو، انضم إلى مرافقه، وهمّا بالخروج من الفندق لبدء العمل.

"هل رأيت ذلك الرجل ذو السيجارة والملابس السوداء في بهو الفندق،" سأل الصحافي مرافقه السوري ضاحكاً. "من المؤكد أنه مخابرات!".

فندق الشهباء، الذي استلمت إدارته وزارة السياحة السورية، كان في إحدى المراحل الخيار الوحيد المسموح به للصحافيين الأجانب. كلفة الإقامة لغير السوري 150$ في الليلة الواحدة، لقاء غرفة لا إنترنت فيها ولا تدفئة ولا مياه ساخنة، وفطورٍ يحوي صنفين أو ثلاثة، وموظف واحد يعمل لخدمة جميع الطاولات، قد تضطر إلى انتظاره ساعة كاملة قبل أن يظهر.

كان في حلب عدد من الفنادق الآمنة الأخرى، تقدّم خدمات أفضل لقاء كلفة أقلّ، ولكن إلزام الصحافيين بفندق الشهباء كان لسبب بسيط: كسل عناصر المخابرات، فمن السهل عليهم جمع الصحافيين في فندقٍ واحد ومراقبتهم كما يراقب الراعي قطيعه.

ليس تلكؤ وكسل الأجهزة الأمنية في سوريا ظاهرة ولّدتها الحرب. یتحدّث الإعلامي المصري يسري فودة في كتابه "في طريق الأذى"، عن زيارة قام بها إلى دمشق قبل بضعة سنوات من الثورة، وذلك في إطار إعداد فيلم وثائقي عن حرب تشرين/ أكتوبر 1973، قائلاً: "بعد استكمالنا إجراءات الدخول في بهو الفندق [شيراتون دمشق] لفتت نظري ظاهرة غريبة كانت بعد ذلك موضوعاً للممازحة مع أبو جاسم [مدير عام قناة الجزيرة آنذاك محمد جاسم العلي] عندما كنا نتبادل أرقام الغرف. 'غرفتي 407، وأنت؟'، 'أنا غرفتي 307'. أسرعت إلى الباقين فاكتشفت أن أحدهما في غرفة 207 والآخر في غرفة 107. يا لها من صدفة ظريفة! لكن فضولي لم يكن ليستريح بسهولة. لاحقاً، سألت مَن أثق به فقال لي إن تلك في الغالب غرف خاضعة للمراقبة لأن من الأرخص لهم أن يشدوا أسلاك المراقبة عبر حائط واحد من أعلى إلى أسفل بدل أن يوزّعوها على غرف متناثرة. أرخص؟ أرررخص؟ يا للهول! حتى وهم يراقبوننا يستخسرون فينا ثمن المراقبة الذي هو أصلاً من كدنا وعرقنا؟ يا لها من عفانة!".

وزير مع ضوء أخضر

بعد تعيين رامز ترجمان وزيراً للإعلام، خلفه في إدارة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، عماد سارة الذي كان مديراً لقناة الإخبارية السورية وقبلها مديراً للأخبار في قناة الدنيا الخاصة.

"أحبه جداً"، قالت إحدى العاملات في الإخبارية السورية لرصيف22، "ولكن عنده خيار وفقّوس"، أي أنه يحابي البعض على حساب الآخرين. وفعلاً، شهد عهد سارة كمدير أخبار، ثم مدير محطة، ثم مدير للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ثم وزير، صعود وأفول نجم عدد من المذيعات والمراسلات، لأسباب لا نعرفها ولكنها بالتأكيد لا تتعلق بالمهنية.

زار سوريا خلال الحرب صحافي واحد على الأقل يحمل الجنسية الإسرائيلية بجانب جنسية أخرى، بالإضافة إلى آخرين على علاقات وطيدة مع إسرائيل التي يتغنى النظام السوري بمعاداتها ليل نهار. كيف حصلوا على الفيزا؟

وسارة، مثل الوزير الزعبي ومثل العميد سليمان، لا يبخل على أحد في دروس الوطنية الطويلة. صفحته على فيسبوك مخصصة لامتداح الرئيس الأسد وشتم نظيره التركي. لكنه أيضاً أكثر دهاءً من سابقيه، ويتمتع بضوء أخضر "من فوق" بحسب بعض العاملين في القطاع الإعلامي الحكومي السوري. يُجمع أولئك العاملون على أن سارة يستمد قوته وصلاحياته من لونا الشبل.

يبدو أن الوزير ترجمان لم يكن راضياً جداً على أداء سارة كمدير عام للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، فأقاله. ولكن، بعد أقل من ساعتين، تم طيّ القرار، وبعد أقل من شهرين، جرى تعديل وزاري استبدل فيه ترجمان بسارة، وزير الإعلام السوري منذ 2018 وحتى لحظة كتابة هذا المقال.

روسيا وبثينة شعبان لا يلقيان بالاً للوزارة

زار سوريا خلال الحرب صحافي واحد على الأقل يحمل الجنسية الإسرائيلية بجانب جنسية أخرى، بالإضافة إلى آخرين على علاقات وطيدة مع إسرائيل التي يتغنى النظام السوري بمعاداتها ليل نهار. كيف حصلوا على الفيزا التي تتطلب موافقة كلٍّ من وزارة الخارجية، ووزارة الإعلام، ومكتب الأمن الوطني، والقصر الرئاسي؟

في الكثير من الأحيان، يعتمد نجاح العملية على التقصي الذي يجريه موظف صغير في مديرية الإعلام الخارجي، مهمته البحث والترجمة.

في حال كانت لغة الوسيلة الإعلامية غير الإنكليزية أو الفرنسية أو الإسبانية، يستخدم هؤلاء الموظفون خدمة الترجمة عبر غوغل. إذا كان التقرير مصوّراً ولا يوجد نص لنسخه على غوغل، يقررون على أساس رأيهم الشخصي بالصحافيين، كما هو الحال مع التلفزيون الدانماركي.

في معظم الأحيان، يكون البحث شاملاً ومشحوناً بالولاء للنظام السوري: يلخص الموظف حياة وعمل الصحافي في عدة صفحات، ويركّز في ملفّه على ما هو مثير للجدل في عيون النظام السوري. ذلك البحث هو ما يلهم عادةً قرار الجهات العليا، في حال لم تتدخل عوامل خارجية في عملية اتخاذ القرار.

بثينة شعبان، المستشارة الإعلامية للقصر الجمهوري، كانت أيضاً تدعو صحافيين ممَّن لم تكن خلفيتهم أو عملهم تتماشى مع سياسات الحكومة السورية في التعامل مع الإعلام الأجنبي. وبحسب بعض العاملين في القطاع الإعلامي الخاص اليوم، توقّفت بثينة شعبان عن التوسط لصحافيين أجانب ليدخلوا سوريا، لأنها ورطت عدداً من الناس ووضعت الحكومة في مواقف حرجة عدة مرات أرادت فيها التدخل شخصياً لدعوة بعض الصحافيين إلى سوريا.

لكن روسيا لا تكترث. ففي عدة مواقف، علمت وزارة الإعلام السورية عن زيارة وفد كبير من الإعلام الغربي إلى البلد بعد وصول الوفد بساعات وشروعه بالعمل! إذ حملت موسكو صحافيين غربيين إلى داخل سوريا مرّتين على الأقل، ونظّمت لهم زيارات إلى قواعدها وإلى أماكن مثل حلب ودمشق، دون أي تنسيق مع الأجهزة الإعلامية في البلاد، ودون أن تعلمها بالزيارة أصلاً. بعض هؤلاء الصحافيين على قائمة النظام السوري السوداء.

تسعة أعوام ولا سياسة واضحة للتعامل مع الإعلام

لا يزال سارة وزيراً للإعلام اليوم. أما مديرية الإعلام الخارجي، فلا تزال تفوح منها رائحة الفول والفلافل، إلا أن أكثر من ستة مديرين تعاقبوا على إدارتها منذ عام 2011، معظمهم أزيلوا قسراً. اليوم، من الصعب جداً الحصول على فيزا للذهاب إلى سوريا إن لم يكن الصحافي الأجنبي عاملاً في قناة بروباغاندا روسية، أو صينية، أو إيرانية، أو ما شابه ذلك.

ومن المستحيل أن يعمل أحدٌ من خارج وزارة الإعلام كمرافق للصحافيين الأجانب ما لم يكن معتمداً من قبل إحدى الشركات التي لديها "تفاهم" مع الوزير سارة. والتفاهمات مع الوزراء المختلفين، والمدراء المختلفين، هي ما يتحكم في سياسات دخول وعمل الإعلام الأجنبي، وخاصة الغربي في سوريا. لذلك فهذه السياسات والآليات تتغير كل بضعة أشهر.

في عهد مدير الإعلام الخارجي السابق، أنشأت المديرية عنوان بريد إلكتروني، وهو إنجاز غير مسبوق. لكن في معظم الأحيان، لا أحد يرد على الإيميل، ولا تزال المديرية تطلب من الشركات الأجنبية إرسال "فاكس" يحوي رغباتهم.

قد ترد الوزارة على طلب التأشيرة أو طلب الموافقة وقد لا ترد، لكن الأكيد أن "سوريا الأسد" لن تخلو يوماً ممَّن سيتبرع بساعة من وقته لصحافي قطع آلاف الأميال ليزور سوريا لمدة ثلاثة أو أربعة أيام، ويلقي عليه محاضرة عن: الصخرة التي تتكسر عليها المؤامرات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard