شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
"أخاف النظر في عينيك"... هل يجعلنا الهاتف الذكي أكثر خجلاً مع الآخرين؟

"أخاف النظر في عينيك"... هل يجعلنا الهاتف الذكي أكثر خجلاً مع الآخرين؟

حياة

الثلاثاء 3 مارس 202006:35 م

ندخل المصعد، نجد أنفسنا أمام مجموعة من الغرباء، فيسحب كل واحد منّا هاتفه المحمول من جيبه، ولا نشيح بنظرنا عن الشاشة حتى نصل إلى المكان المقصود، هذا المشهد يكاد يتكرر عند انتظار سيارة الأجرة أو الباص، عند الوقوف في الطابور للدفع في السوبرماركت، أو أثناء الجلوس في قاعات الانتظار في العيادات الطبية، إلا أن إستخدام الهاتف الذكي لم يعد فقط الوسيلة التي يمكن من خلالها تعبئة الأوقات الضائعة، بل اصبح يفرض "حضوره القوي" في الحياة الاجتماعية، بحيث بات الكل يغرق في عالمه الخاص، من خلال هاتفه الذكي الذي يشكل آفة متزايدة تصطاد الشباب، وتتحوّل لدى الكثيرين إلى حلقة إدمان يصعب الخروج منها بسهولة.

والواقع أن الهواتف الذكية قد غيّرت العالم، إذ يكفي إلقاء نظرة سريعة على الأماكن العامة لمعرفة مدى "هيمنة" الأجهزة الرقمية على مفاصل حياتنا، فنحن على دراية تماماً بوجود الكثير من المراهقين الذين لا يحبون التحدث والتواصل المباشر، ولكن لا مانع لديهم من كتابة الرسائل الإلكترونية الطويلة، حتى لو استغرقت الكثير من وقتهم، كما وأنه اعتادت عيوننا على رؤية الأزواج الذين يتناولون طعامهم بصمت في المطاعم، متجاهلين الشموع الرومانسية، لصالح الضوء الأزرق المريح الذي يصدر من هواتفهم.

إدمان الهواتف الذكية

قال باحثون في الطب النفسي، إن ربع الشباب أصبحوا متعلقين بالهواتف الذكية ولا يستطيعون الاستغناء عنها إلى درجة الإدمان.

وأظهرت الدراسة، التي أجريت في كينغز كوليج في لندن، أن شدة الإدمان جعلت الواحد من هؤلاء الشباب يضطرب ويشعر بالقلق في حال تم منعه من استعمال الهاتف الذكي بصفة مستمرة.

وحذرت الدراسة التي شملت 41 ألف شاب، من تأثير هذا الإدمان "الخطير" على صحة هؤلاء الشباب النفسية وعلى حياتهم.

ووجد الباحثون أن 23 % من الشباب يعانون من أعراض الإدمان، مثل القلق، في حال لم يتمكنوا من استعمال الهاتف، كما أنهم يعانون من عدم القدرة على التقليل من استعماله، لدرجة أن هذا الأمر بات يؤثر سلباً على نشاطاتهم الأخرى في الحياة.

هذا وكشفت الدراسة أن هذا الإدمان يسبب مشاكل أخرى للشباب، من بينها التوتر، قلة النوم والأداء الدراسي الضعيف.

تعليقاً على هذه النتائج، قال أحد الباحثين المشاركين في الدراسة، نيكولا كولك: "إن الهواتف الذكية ستبقى موجودة بيننا، وعلينا أن نفهم تأثيرها على سلوك الشباب وصحتهم".

يكفي إلقاء نظرة سريعة على الأماكن العامة لمعرفة مدى "هيمنة" الأجهزة الرقمية على مفاصل حياتنا، فنحن على دراية بوجود الكثير من المراهقين الذين لا يحبون التحدث والتواصل المباشر، ولكن لا مانع لديهم من كتابة الرسائل الإلكترونية الطويلة، كما وأنه اعتادت عيوننا على رؤية الأزواج الذين يتناولون طعامهم بصمت في المطاعم، متجاهلين الشموع الرومانسية، لصالح الضوء الأزرق المريح الذي يصدر من هواتفهم

واللافت أنه عندما يتعلق الأمر بالصحة النفسية، فإنه غالباً ما تتم مناقشة مدى تأثير الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي على صحة المرء الذهنية، فبالرغم من أن بعض الخبراء يعتبرون أن التكنولوجيا تساهم في زيادة معدلات مشاكل الصحة العقلية، فإن البعض الآخر يؤكد أن الهواتف الذكية يمكن أن تكون مفيدة لرفاهية المرء وصحته النفسية، منطلقين من نظرية أن المخ عضو حساس يتفاعل ويتكيف مع التحفيزات، وبالتالي وجد الباحثون أن حركات الأصابع المستخدمة للتحكم في الهواتف الذكية تعتبر كافية لتغيير نشاط الدماغ.

ولكن هل يتسبب الهاتف الذكي في جعل مهاراتنا الاجتماعية عرضة للضمور؟

في الواقع، إن هذا القلق ليس جديداً. فخلال أول مؤتمر دولي حول الخجل، نظمته جمعية علم النفس البريطانية في ويلز في العام 1997، كشف أستاذ علم النفس في جامعة ستانفورد، فيليب زيمباردو، أنه ومنذ أن بدأ العمل على مسح ستانفورد للخجل في السبعينيات، لاحظ أن عدد الأشخاص الذين اعترفوا بخجلهم قد ارتفع من 40 إلى 60%، ملقياً اللوم على التكنولوجيا الحديثة، مثل البريد الإلكتروني والهواتف المحمولة وحتى أجهزة الصراف الآلي، على اعتبار أنها ساهمت في فقدان "الغراء الاجتماعي".

وأعرب زيمباردو عن خشيته من أن نشهد "عصراً جليدياً جديداً" من عدم الاتصال، "بحيث يصبح من السهل جداً أن يمر يوم كامل من دون أن يتحدث المرء مع أي شخص آخر"، على حدّ اعتباره.

والحقيقة أن بعض المخاوف التي تحدث عنها فيليب زيمباردو قد تحققت بالفعل، فاليوم، إذا جلنا بنظرنا على أي مساحة عامة، لوجدنا أن معظم رقاب الأفراد منحنية ووجوههم مدفونة في الهواتف الذكية، في حين أن التواصل المباشر يكاد يكون غائباً بين البشر.

من هنا انكب العديد من العلماء على دراسة تأثير التكنولوجيا على تنامي ظاهرة القلق الاجتماعي والشعور بالوحدة والخجل.

التكنولوجيا في خدمة الخجولين؟

اعتبر العلماء أن النزعة الاستهلاكية الفردية تعزلنا عن بعضنا البعض وتبيعنا إصلاحات تقنية رخيصة، بحيث أننا أصبحنا نعتمد بشكل متزايد على ما تطلق عليه عالمة الاجتماع، شيري توركل، "الروبوتات الاجتماعية"، مثلSiri ، وهو المساعد الرقمي الذي يساعد في تنفيذ العديد من المهام.

وحتى عندما نقرر قضاء بعض الوقت مع الآخرين، فإننا غالباً ما نكون متواجدين جسدياً مع الأشخاص إنما ذهننا يكون في مكان آخر، لكون التكنولوجيا تصرف انتباهنا عن التفاعل المباشر مع الآخرين، وتجعلنا نتقوقع أكثر فأكثر على أنفسنا.

ومع ذلك، فإن هذا الإحساس بالعزلة يمكن أن يكون مفيداً لدى الأشخاص الخجولين، الذين يمكنهم اللجوء إلى التكنولوجيا للتعبير عن أنفسهم بطرق جديدة.

في حديثها مع موقع رصيف22، كشفت الأخصائية في علم النفس، نرمين مطر، أن الشعور بالخجل يكون في العادة نابعاً من مجموعة من العوامل، بما فيها غياب الثقة بالنفس.

من هنا أوضحت مطر أن الأفراد الذين لا يثقون بأنفسهم يتجنبون قدر الإمكان التواصل المباشر مع الآخرين، وذلك من باب تفادي الأحكام المسبقة والانتقادات التي قد تطالهم، شارحة ذلك بالقول: "في كتير ناس بتخاف إنو لغة جسدها تفضحها وما تكون ملائمة للمضامين يلي عم بتحكيها، وهذا الأمر يجعل الشخص الآخر قبالتهم يظن أنهم يكذبون أو أنهم يقومون بتزييف الأمور، لهالسبب بيفضل البعض إنو يكون التواصل عن بعد"، كاشفة أن مجرد الحديث المباشر مع الآخر والنظر في عينيه قد يشكل مصدر خوف بالنسبة إلى الكثير من الأفراد.

واعتبرت نرمين أن التواصل عبر الشاشة قد يفسح المجال أمام البعض للتحدث بحرية أكثر، بالإضافة إلىى أنه يسمح لهؤلاء بالتجرد من عامل الخوف: "في ناس بتطور هيدي البنية الأساسية عن طريق التواصل عن بعد حتى تتمكن في وقت لاحق من تعزيز التواصل المباشر مع الآخر".

هذا وشددت نرمين مطر على أن الأشخاص الخجولين الذين يلجؤون إلى التواصل عن بعد هم في مرحلة وعي ذاتي، لكونهم يدركون جيداً نقاط ضعفهم ومع ذلك فإنهم يبحثون عن طرق للانخراط في المجتمع.

والحقيقة أن الشخص الخجول ليس بالضرورة معادياً للمجتمع، بل هو مجرد مختلف عن سائر الناس من الناحية الاجتماعية، لكونه يقوم بتنظيم الأمور الاجتماعية وعملية التواصل بطرق غير مباشرة، من هنا تسمح الهواتف الذكية لهذه الفئة من الأشخاص باجراء اتصالات، دون الشعور بالحرج من العلاقات والتفاعلات المباشرة وجهاً لوجه.

فعندما أدخلت شركة نوكيا الفنلندية ميزة الرسائل النصية إلى هواتفها في منتصف التسعينيات، بدت أنها تقنية بدائية تستغرق وقتاً طويلاً وبديلاً غير فعال لعملية الاتصال عبر الهاتف، إلا أن الرسائل النصية سرعان ما انتشرت بين الشباب الفنلندني، لأنها اعتبرت وسيلة للتعرف على الفتيات، تجنب البعض التلعثم واحمرار الوجه وغيرهما من علامات الشعور بالإحراج.

وفي هذا الصدد، وجد عالما الاجتماع إيجا ليزا كاسيسنيمي وبيرجو روتيانين، أنه في حين أن الشبان الفنلنديين نادراً ما يبوحون بحبهم للفتيات، فإنهم قد يقضون نصف ساعة في صياغة رسالة نصية يعبرون من خلالها عن مشاعر الحب، هذا وتبيّن أن هؤلاء الشبان كانوا أكثر عرضة لكتابة كلمة "أحبك" بالإنجليزية بدلاً من الفنلندية، بحيث أنهم وجدوا أنه من السهل عليهم التعبير عن مشاعرهم القوية بلغة مختلفة.

هذا الوضع قد ينطبق على أي مكان في العالم يتم فيه استخدام الهواتف المحمولة، بحيث تعمل الرسائل النصية على تشجيع أولئك الذين هم أكثر براعة في استخدام إبهام اليد من لسانهم، كما أن هذه الرسائل تبقى أقل إلحاحاً من رنين الهاتف، فهي لا تفرض الرد على الفور بل توفر مساحة لاستيعاب المكتوب والتفكير ملياً في كيفية الرد عليه.

مفارقة الخجل

تعتبر بعض الآراء أن ظهور الشبكات الاجتماعية والهاتف الذكي، سهل الطريق أمام الكثير من الأشخاص للكشف عن تفاصيل متعلقة بحياتهم الخاصة عبر صفحات الإنترنت، بطرق تناقض تماماً مسألة الخجل، يصفها المدافعون عن هذا النوع من الإفصاح الذاتي على الإنترنت بأنها "شفافية راديكالية".

ولكن من الضروري التنويه بأنه ليس كل من يستخدم الشبكات الاجتماعية قابلاً للشفافية الراديكالية، فالبعض يفضل الاختباء وراء شخصيات زائفة وأسماء مستعارة، وبالتالي يمكن أن يلهم إخفاء الهوية الحقيقية إلى نقيض الخجل، وإلى الجرأة التي قد تتحول إلى عمل عدواني وإساءة.

وعليه يمكن القول إن الهواتف المحمولة لها تأثيرات معقدة: فصحيح أنها تؤدي إلى تفاقم الخجل لدى البعض إلا أنها في نفس الوقت تساعدهم في التغلب عليه.

إننا بمعظمنا نتسم بالخجل ولكن نحب في الوقت ذاته الاختلاط بالناس، وبالتالي فإن هذه الهواتف الذكية تساعدنا على إيجاد طرق جديدة للتعبير عن هذا التناقض الموجود في شخصيتنا.

في كتابه The Shock of the Old، يقول المؤرخ ديفيد إدجيرتون، إن فهمنا للتقدم التاريخي هو "مبني على الابتكار"، فنعتقد في العادة أن التكنولوجيا الجديدة تغير كل شيء بصورة نهائية، إلا أننا نقلل من شأن حجم هذه الابتكارات لجهة مكافحتها ضد قوى العادة والجمود، بمعنى آخر، فإن هذه التقنيات الحديثة لا تغير طبيعتنا الأساسية بل تقولب أنفسها حول طبيعتنا.

هذا هو الحال مع الخجل، فبعد مرور حوالي 150 ألف عام من التطور البشري، يجب أن يكون الخجل نوعاً من المرونة، و"حالة غريبة للعقل"، كما أسماها شارلز داروين، تسببها قدرتنا الغريبة على "الاهتمام الذاتي"، ومع ذلك فنحن أيضاً "حيوانات اجتماعية" نتوق إلى الحصول على الدعم والقبول من أفراد المجتمع، وبالتالي، إن حاجتنا للآخرين قوية للغاية، لدرجة أن الخجل يجعلنا ببساطة نصعد بغرائزنا الاجتماعية إلى مجالات أخرى، مثل كتابة الرسائل النصية.

باختصار هل تجعلنا الهواتف الذكية أكثر خجلاً؟ لا، إننا بمعظمنا نتسم بالخجل ولكن نحب في الوقت ذاته الاختلاط بالناس، وبالتالي فإن هذه الهواتف الذكية تساعدنا على إيجاد طرق جديدة للتعبير عن هذا التناقض الموجود في شخصيتنا.

Website by WhiteBeard