من إدلب إلى دمشق ومروراً بمطار دبي… ثلاثة مشاهد عن التماس الأمل

الجمعة 21 فبراير 202004:36 م

"إننا محكومون بالأمل. وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ"

- سعد الله ونوس 

المشهد الأوّل: إدلب

ترفع هالة سماعة الهاتف لتحدثني اليوم أيضاً من إدلب، وبشيء من الأمل، بعد أن عانت النزوح مع أربعة أطفال وزوج، تقول إنهم جميعاً يحتاجون صبرها وثباتها، كي يكونوا أقوياء ليوم آخر.

تخبرني بأنها اليوم ترى شمساً خلف الغيوم الملبدة، وبأنها ستصحب أطفالها نحو المرج القريب كي يلعبوا، وسوف يأكلون بعدها فلافل من الدكان القريب، وسوف يأملون أن يمر يوم آخر بسلام، وأن يكونوا بمنأى عن أي قصف مفاجئ أو استهداف عسكري.

هالة التي نزحت من مدينة سراقب نحو مدينة الباب مع عائلتها، لا تتمكن من النوم ليلاً، تستيقظ مرات عديدة وهي تصرخ: سراقب... سراقب... سراقب...

تبكي بحرقة على مدينة مفقودة، تقول إنها أضاعت مدينتها وطفولتها وبيتها، وتأتي صور منزلها المنهوب لتكمل الفاجعة. لكنها اليوم تبحث عن الأمل في نزهة قصيرة، في حاجة الجميع لها، وفي القدرة على الاستمرار والنهوض.

تجد النساء في إدلب أنفسهن اليوم أقوى وأمتن عندما يقفن معاً، ويتبادلن الحكايا والمُصاب، ويبدو أن المصيبة الجماعية تخفف من حدة الصدمة، وتؤمّن بعض المداواة لجروح لا يمكن أن تلتئم قريباً.

سمر هي جارة هالة التي تُعنى بأبناء أخيها الثلاثة بعد وفاته. بدأت تبحث لهم عن مدارس جديدة كي يبدؤوا حياة مستقرة. سمر دقت أبواب الجارات جميعاً في مدينة الباب حولها، كي تسأل عمّن يحتاج غطاء، قبعة أو ملابس صوفية، وبدأت تلبي طلبات الحياكة، وتحصل على دخل محدود تؤمن به ما يمكن من خبز أو حاجات يومية بسيطة.

سمر التي نهضت للتو من تهجيرها القسري الأخير، تعلمت أن تشغل وقتها، وأن تحمل أملاً بمستقبل أفضل، بحياة مستقرة ومنزل وعائلة. يبدو أن الأمل يمكنه أن يتسرب من أحلك الأماكن ظلمة.

أرسلت لي صور منزلها "المعفش" بحرقة… "تمت سرقة كل شيء. لم يبقَ هناك منزل لنا"، قالت.

ولكنها تؤكد بأنها مستعدة أن تعود إليه ولو بقي فيه جدار واحد فقط. سمر تريد أن تموت في سراقب، في مساحة من الأرض تُسمى بيتها، في مكان غرست فيه ثمار جهدها، فأقامت بيتاً دافئاً.

تخبرني هالة بأنها اليوم ترى شمساً خلف الغيوم الملبدة في إدلب، وبأنها ستصحب أطفالها نحو المرج القريب كي يلعبوا، وسوف يأكلون بعدها فلافل من الدكان القريب، وسوف يأملون أن يمر يوم آخر بسلام، وأن يكونوا بمنأى عن أي قصف مفاجئ أو استهداف عسكري

المشهد الثاني: دمشق

تنتظر ليلى وفادية وسحر وسناء، لقاءهن الأسبوعي مساء الأربعاء، كي يتبادلن صور الأحفاد والأبناء المسافرين في منافٍ مختلفة.

ليلى: "مو معقول حفيدتي شو حلوة وذكية، صح أخذت عيون أمها الألمانية الزرق، بس بالذكا طالعة لابني".

فادية: "يا حبيبتي يا سُها، مو عاجبها شي كل يوم بتدقلي عم تبكي بتقلي ما عندها رفقات ولا حدا بيحكي معها، عنصرية فظيعة، مانها مبسوطة بالجامعة ولا بالسكن، كل يوم قلبي بيتقطع عليها".

سحر: "الصبح حكاني إياد ساعة، إله خمس سنين ما بيقطع نهار من دون ما يتصل، إذا يوم واحد غاب مدري شو بصرلي. قلب الأم دليلها، هداك اليوم تأخر بالتليفون حسيت حالي رح جن، اتصل فيني بعدين طلع علقان بمحطة القطار قال في هجوم إرهابي، ممنوع يتحركوا. صار يضحك ويقلهم أنا جاي من سورية ما في شي بخوفني".

سناء: "الحمد لله بناتي التلاتة مع بعض صاروا ببيت واحد، رلى سحبتهن كلهن لعندا، بس باقي فارس لحاله بغير مقاطعة، الله يجمعهم يا رب، بس بدي ياهن يكونوا مع بعض، الله لا يفرقهن متل ما فرقنا".

ينقطع التيار الكهربائي فجأة.

يبدأن بارتداء معاطفهن، وتقول سحر: "يالله كل وحدة عَ بيتا هي قطعوا الكهربا، حاجة تقعدوا وتتذكروا، ما حدا سائل فينا".

يضحكن جميعاً ويغادرن، وتبقى سناء وحدها في المنزل، تفكر ببناتها الثلاث وبابنها الوحيد. تتمتم: "الله لا يفرقهن متل ما فرقنا. الله يجمعهن ويجمعنا".

تمسح كل منهن دمعة صامتة في الطريق إلى البيت، وتبدو دمشق مدينة سوداء حالكة.

لا شيء يبعث الأمل كما يبعثه لقاء يوم الأربعاء المسائي، لأربعة أمهات من دمشق.

تنقسم الرحلة السورية إلى عدة فصول وطبقات، البعض يعيش حرباً ضارية، البعض يعيش حياة آمنة، البعض لا زال يبحث عن حياة يريدها. ويتسرب الأمل من مكانٍ سحري ما، كي يبقوا جميعاً هنا

المشهد الثالث: مطار دبي

تشتري نور المقيمة في الإمارات تذكرة حقيقية لن تستعملها، لم يبقَ لديها سوى أمل وحيد بلقاء والدتها المريضة، قبل أن تغادر الأم إلى كندا عند ابنها الأكبر، عليهما أن تلتقيا في منطقة العبور في مطار دبي، حيث تتوقف الأم لساعتين هناك في طريقها إلى كندا، وحيث تدخل نور المنطقة ذاتها بتذكرة سفر لن تستعملها.

ساعتان فقط بعد سبع سنوات فائتة، وربما سبعة أخرى، أو ربما لن يكون هناك مرة أخرى.

تعود نور أدراجها بعد اللقاء دون شعور كافٍ بالامتلاء، تقول إن هذا اللقاء لم يكن كافياً وبأنها الآن تشعر بألم أكبر.

تمسح نور دموعها سريعاً في الطريق لإحضار أولادها الثلاثة من المدرسة. لا تخبر أحداً عن سرها، عما يمكن أن تبذله مرة ثانية كي تلتقي أمها.

خاتمة

تنقسم الرحلة السورية إلى عدة فصول وطبقات، البعض يعيش حرباً ضارية، البعض يعيش حياة آمنة، البعض لا زال يبحث عن حياة يريدها. ويتسرب الأمل من مكانٍ سحري ما، كي يبقوا جميعاً هنا.

أولئك الذين لم يتسرب إليهم الأمل، استسلموا سريعاً. أولئك اختاروا الرحيل.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard