"أنت نكدة ومحترفة دراما ولنا الحق في قتلك"

الخميس 20 فبراير 202002:37 م

تموت امرأة. تموت امرأة طعناً بالسكين. تُقتل امرأة طعناً بالسكين. لا. يقتل رجل امرأة، هي زوجته، طعناً بالسكين. ذلك هو الخبر. قتلها. هو معروف وله اسم وهو زوجها واستخدم أداة محدّدة. وهي امرأة ولها اسم وكان لها حياة قبل أن يقرر سلبها منها.

لا بد أن نعرف كل هذه التفاصيل. لا بد أن نذكر القصة كما هي لنعرف أن هناك شخصاً محدداً ارتكب جريمة وهي ليست "شأناً عائلياً" كما ذُكر الخبر في الصحف والمواقع الإلكترونية.

كيف سيبرر ذلك؟ ماذا سيقول محامي الدفاع ليخفف الحكم؟ "هي امرأة وهي زوجته". يكفي ذلك لتخفيف الحكم في الجريمة. يكفي ذلك لتصبح أمراً اعتيادياً و"قد يحصل"، نتيجة الغضب الذي يقال لنا إنه لا بد من أن نأخذه بعين الاعتبار.

اكتشفت منذ فترة أنه في ايران، وربما في بلاد اسلامية أخرى، إذا قُتلت امرأة، يُحكم على قاتلها بالإعدام. القاتل يُقتل. ذلك هو حكم الشرع. ولكن - دائماً يوجد "ولكن" عندما يتعلق الأمر بامرأة - ولكن على أهلها أن يدفعوا نصف دية رجل لعائلة الرجل الذي سيعدم لأن حياة الرجل قيمتها أكثر من حياة المرأة. هو حكم الشرع أيضاً.

حياتنا، نصف حياة، والرجل الذي يقتل امرأة يتلقى نصف حكم قضائي أو أقل… يمكن لخبر قتل رجل لزوجته أن يمرّ عادياً كأخبار كل يوم. قد يحزن مَن يقرأه ويقول "حرام" ثم ننتقل إلى خبر آخر من أخبارنا اليومية التعيسة والكثيرة. لا شيء يستدعي القلق الزائد. وإذا قررت نساء أخريات الانتقال بالخبر إلى الحيز العام، إذا قررنا المطالبة بالعدالة الممكنة لتلك المرأة سيتعب المجتمع من هوسنا و"نكدنا" الزائد. سينزعج لأننا نناقش شأناً عائلياً في مكان عام. وما شأننا نحن اللواتي لا نقرب لهذه المرأة لنتدخل في أمور العائلة؟ والدها أو زوجها أو أخوها هو مَن يقرر ماذا سيفعل بها له هذه الصلاحية.

ماذا لو جرى العكس؟

قتل امرأة لزوجها في المقابل، إنْ حصل، سيأخذ حيزاً من النقاش لن ننجو منه. عندما يَقتل "هو" فلأنها أغضبته، لأنه خائف على شرفه ولأنها جلبت له العار، عندما تَقتل "هي" فلأنها "مجنونة" و"مهسترة" و"عندها أمراض نفسية".

"مطلوب منّا كنساء أن نكون المثال، أن نضبط ردات فعلنا في كل الأوقات. مطلوب منّا ألا نخطئ وألا نضعف وأن نتفهم وأن نتصرف بنضج دائماً. إنْ لم نفعل فهناك ملصقات جاهزة لكل موقف: ‘نكدة’، ‘بتنقي كتير’، ‘بتعملي دراما’، ‘ليه مهسترة؟’"

مطلوب منّا كنساء أن نكون المثال، أن نضبط ردات فعلنا في كل الأوقات. مطلوب منّا ألا نخطئ وألا نضعف وأن نتفهم وأن نتصرف بنضج دائماً. إنْ لم نفعل فهناك ملصقات جاهزة لكل موقف: "نكدة"، "بتنقي كتير"، "بتعملي دراما"، "ليه مهسترة؟". كل شكوى تصدر من إحدانا تعني أننا محترفات نكد، أو هاويات نق. كل حزن نعيشه هو مبالغة في المشاعر، كل غضب هو هستيريا. كل تجلٍ للمشاعر التي لا تناسب هناء الرجل هو قلة في النضج. أما هو، أما عنه، فإننا في غير قادرات على أن نستوعب أنه "يعيش طفولته"، غير قادرات أن نعي أن ما زال هناك طفلاً في داخله. يجب أن ننضج كي يتمّ تقديرنا، أن نتفهم وأن نتقبل أنه لن ينضج وذلك طبيعي.

بالعودة إلى القتل، يتضخم هذا التصور نفسه، يصبح عدم نضجه وعدم قدرته على السيطرة على مشاعره مبرراً لفعل القتل ذاته، ويصبح "استفزازها" له بمشاعرها ووجودها وعدم نضجها في تفهمه سبباً ليقولوا بشكل ما إنها كانت "تستحق" كل هذا العنف. "هي التي تسببت به لنفسها".

أرفض شخصياً الإعدام كحكم بالمطلق. لا أريد هذا الحكم مهما كانت الجريمة. ولكنني أريد العدالة، أريدها لكل قتيل وأريدها بشكل محدّد لكل امرأة ماتت بطعنات زوج أو رصاص أب أو خنقاً بيدي أخ، اعتقد أنها ملكٌ له ليقرر. لا صفة لذلك إلا القتل العمد، دون مبررات ملحقة من أي شكل كانت. ولكنني أفكر في وسائل الاقتصاص من القاتل.

ما زلنا، نحن النساء غير قادرات على الحصول على تلك العدالة، ما زال القانون في حالة قتلنا، كما في كل القضايا الأخرى، يميّز ضدنا. في وجه القانون الذي لا يعترف بالتحرش كاعتداء، ابتكرت النساء أسلوب التشهير لردع المعتدي ومعاقبته على ما تعرضن له. يخضن معاركهن وحدهن وبطريقتهن حين يفشل هذا النظام، ودائماً ما يفعل، من أجل حماية أنفسهنّ.

"أريد العدالة. أريدها لكل قتيل وأريدها بشكل محدّد لكل امرأة ماتت بطعنات زوج أو رصاص أب أو خنقاً بيدي أخ، اعتقد أنها ملكٌ له ليقرر. لا صفة لذلك إلا القتل العمد، دون مبررات ملحقة من أي شكل كانت. ولكنني أفكر في وسائل الاقتصاص من القاتل"

نتجمع معاً حين يقتل رجل امرأة، نهتف باسمها، نضغط على القضاء ليكون عادلاً معها، ليعاملها كإنسان بغض النظر عن جنسها وجنس قاتلها. ماذا بإمكاننا أن نفعل أكثر؟ في حالة التحرش أو العنف الجسدي نكون بجانب المرأة الناجية وندعمها لتستعيد حياة شبه طبيعية. الأذى قد وقع ولكنها تحاول ونحاول جميعنا أن نعود للحياة. أما في حالة القتل، فنقف عاجزات، مهما صرخنا ومهما علا صوتنا في وجه القاتل، مهما طالبنا بالعدالة، إحدانا رحلت وذلك ما لا يمكن بأي شكل إعادته.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard