زرت عائلة صديقتي في الريف الإندونيسي وشربت "إكسير الحياة"

الاثنين 17 فبراير 202006:09 م

قبلت دعوة صديقة أندونيسية تعيش في مدينة ريفية تدعى "بونشاك"، أثناء زيارتي لهذا البلد الآسيوي، لم أكن أخطط لذلك، ولكني أحببت أن أتعرف على ثقافتهم، ومدى قربهم أو بعدهم من تقاليدنا وعاداتنا.

تداعى إلى ذهني دعوات مماثلة في مصر، حيث يقطع كثير من أصدقائي المسافة بين مدينة كالقاهرة أو الإسكندرية، وبين مدن وقرى  في الأقاليم الريفية، مسافة لا تغير فقط في البقعة الجغرافية، ولكن في العادات والسلوك، حيث يمتاز الريف بالكرم، هدوء الطباع والأجواء العائلية.

تبعد "بونشاك" 100 كيلو متر (حوالي 3 ساعات بالسيارة) من جاكرتا، والطريق مسلٍ للغاية، حظيت خلاله برؤية المناظر الجبليّة الخضراء الخلابة والحدائق والمزارع، تذكرت في طريق كهذا في مصر لا يوجد سوى السهول الخضراء، يتقاطع مع فروع لنهر النيل، لذا بدت لي تلك التضاريس المرتفعة الخضراء، وكأنها لوحة رسمها فنان.

وهذه المنطقة كانت معروفة أيام الاستعمار الهولندي بأنها المنتجع الجبلي لاستنشاق الهواء الجبلي النقي، خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وكلمة "بونشاك" تعني الذروة، وبهذا الاسم أكون قد كوَّنت فكرة عما يمكن أن أشاهده في هذا الممر الجبلي، الذي يمر عبر بوجور وسيلانجور وسوكا بومي.

لون لكل بيت

وصلنا البيت، وهو عبارة عن فيلا صغيرة بحديقة خارجية في منطقة راقية، والملفت للنظر أن كل بيت في المكان مطلي بلون مختلف، على سبيل المثال بيت صديقتي كان مطلياً باللون الليموني، والبيت المجاور لهم مطلي باللون الأصفر، والبيت المقابل لهم مطلي باللون الأزرق وهكذا.

لون البيوت ليس مزعجاً للعين كما نتصور، بل بالعكس كان جميلاً وبسيطاً، وهو محاط بحدائق خضراء وأشجار وزهور بكل الألوان.

استقبلتني العائلة الريفية في إندونيسيا على الباب استقبالاً حاراً، لدرجة أشعرتني أنني لست غريبة عنهم، نفس الإحساس الذي أشعر به عندما أزور بيتاً في الريف المصري أو صعيد مصر

استقبلتني العائلة على الباب استقبالاً حاراً بابتسامات كبيرة، وهذا هو الجانب الإيجابي في الموضوع، لدرجة أشعرتني أنني لست غريبة عنهم، نفس الإحساس الذي أشعر به عندما أزور بيتاً في الريف المصري أو صعيد مصر، ترحاب بالغ يشعرك بأنك لست غريباً عن المكان، ولاحظت أنهم يخلعون أحذيتهم على الباب، ففعلت مثلهم، ولاحظت أيضاً أنهم يحافظون في جلستهم على وضع باطن القدم في الأرض، ولا يضعون رجلاً على رجل، كعلامة للاحترام عند الجلوس.

وقبل أي شيء، قدمت لي ربة المنزل مشروباً صباحياً دافئاً يسمَّى "جامو" وهم يطلقون عليه "إكسير الحياة"، وهذا عُرف من القرن السابع عشر في الأسر الملكية، وكانت النساء تشربه من أجل زيادة جمالهن ولحمايتهن من الأمراض، وهو من وصفات الطب التقليدي في إندونيسيا، الذي يشبه إلى حد كبير طب الأيورفيدا في الهند.

وهذا الإكسير مكوَّن من أعشاب مختلفة، كالكركم والزنجبيل والليمون الطازج، ويمكن أن يُحلَّى بالعسل حسب الرغبة، ويقدم ساخناً أو بارداً، وله مذاق غريب للوهلة الأولى، لكن مع الوصول لمنتصف الكوب سوف تعتاد على الطعم.

وأثناء إعداد وجبة الإفطار، سألتني ربة المنزل إذا كنت أفضل تناول "ناسي غورينج" أم "مي غورينج"، وأخبرتني أنه لا داعي للخجل، وأنه يجب أن أختار. ولم يكن لدي خلفية مسبقة عن الطعام الإندونيسي، لأن أغلب المطاعم الموجودة في مصر مطاعم صينية، كورية وتايلاندية، وحتى الفندق الذي أقيم فيه في جاكرتا يقدم أغلب الوقت مأكولات أوربية.

سألتها: ما هو ناسي غورينج ومي غورينج؟

أخبرتني أن ناسي غورينج هو الأرز المقلي، ونحن نقدمه مع الخضروات أو الدجاج أو اللحم، ومي غورينج هي المعكرونة المقلية "النودلز" وهي نفس ناسي غورينج، ولكن تحل النودلز محل الأرز.

وسألتها: أيهم يفضلون؟

أجابت: نحن نفضل الأرز.

والأرز في إندونيسيا مثل الفلبين، يتناولونه ثلاث مرات يومياً وهناك مقولة إندونيسية تقول: "إذا لم تأكل الأرز، فإنك لم تأكل"، وعلى الأقل يجب تناوله مرة واحدة يومياً.

وأثناء الإفطار، لاحظت أنهم يقدمون الطعام بالملعقة ثم يتناولونه بعد ذلك بأيديهم، وخاصة اليد اليمنى في الأكل، واليسرى للإشارة أثناء الحديث.

ولاحظت أن صاحبة المنزل "الأم" هي آخر شخص يجلس على المائدة، بعد أن تقدم كل واجبات الضيافة للضيوف، والمرأة الإندونيسية تشبه المرأة المصرية الريفية في أغلب الصفات، فهي التي تدير شؤون البيت، وهي لا تفكر في نفسها فقط، بل في كل أفراد العائلة والأصدقاء، وتربطها مع جيرانها علاقة محبة وتعاون.

ولا تخلو أي مائدة في أي مكان في العالم من حديث يثار، فإلى جانب الحديث عن الطعام وأنني يجب أن أتذوق كل الأطباق، كانت تحكي معي عن "بونشاك" وأنها تمتاز بخضرتها الطبيعية التي تكسو جميع أرجائها، وأنني يجب ألا أفوت زيارة حدائقها الخلابة التي لا مثيل لها.

وبعد الإفطار بدأت جولتنا، اتجهنا أولاً لزيارة حديقة تشيبوداس النباتية والتي أنشِئَت عام 1852 لزراعة النباتات شبه الاستوائية، على مساحة 210 فدان، من قبل عالم النباتات الهولندي يوهانس إلياس تيجسمان، على سفوح جبل جيدي.

تضم الحديقة تشكيلة كبيرة من النباتات تصل الى 1162 نوعاً من النباتات، بحيرات صناعية ومجموعة من الشلالات التي يُسمح بممارسة السباحة في مياهها، وتضم أيضاً مطعماً ومسجداً ومحلات لبيع النباتات والهدايا التذكارية.

إنها حديقة كبيرة وجميلة، معظم الناس يفترشون حصيراً، ويجلسون تحت الأشجار، وإذا لم تملك واحدة فبإمكانك استئجارها من المكان، والبعض قد وضع بعض الخيام صغيرة الحجم، لكنه لا يسمح بالتخييم في الحديقة، بل فقط لمجرد الجلوس داخلها أثناء مواعيد العمل الرسمية.

ومن حديقة تشيبوداس اتجهنا إلى حديقة نوسانتارا للزهور، ويبدو أن الحديقة كبيرة، لأنه عند شراء تذاكر الدخول سألنا الموظف إذا ما كنا نرغب بشراء تذكرة أخرى لركوب القطار داخل الحديقة، حتى نتمكن من رؤية الحديقة بأكملها.

صاحبة المنزل "الأم" هي آخر شخص يجلس على المائدة، بعد أن تقدم كل واجبات الضيافة للضيوف، وتشبه المرأة المصرية الريفية، حيث تفكر في كل أفراد المنزل، وتتمتع بعلاقات ود وصداقة مع الجيران وأهالي الحي

أول شيء رأيته عندما دخلت الحديقة هو طاووس كبير من النباتات الخضراء، ثم رأيت ديناصوراً وأرنباً أيضاً من النباتات الخضراء الزاهية، ويوجد في هذه الحديقة آلاف الأنواع من الزهور والنباتات من خارج إندونيسيا، مثل نبات البردي من مصر، الذي يستخرج منه ورق البردي الذي كان يستعمله القدماء المصريون في تسجيل أحداثهم وعلومهم، واستخدموه أيضاً في صناعة القوارب والسلال والحصير، لقد كانت المرة الأولى التي أري فيها نبات البردي بصورته الحقيقية، قبل أن يعد للكتابة أو الرسم عليه.

"كل حديقة بلد"

وهذه الحديقة سهل أن تضيع فيها، فهي تحتوي على العديد من الحدائق داخلها، وكل حديقة تمثل بلداً مختلفاً، مثل الحديقة اليابانية وهي مكان يوحي بالاسترخاء، وهي تمثل فلسفة الزن، وبها بركة وشلالات صغيرة، ومنزل من الخيزران، ويعتقد أنها تخلق تناغماً يؤدِّي إلى الاسترخاء للأشخاص الذين يتواجدون داخلها.

وحديقة البحر الأبيض المتوسط التي ينمو داخلها نبات الصبار، وحديقة النخيل، وهي حديقة واسعه يتم فيها زراعة أشجار النخيل، والحديقة المائية التي تنمو فيها زهرة اللوتس، والحديقة الفرنسية بأشكالها الهندسية، وحديقة المتاهة التي ستأخذ وقتاً لتخرج منها.

هناك جاذبية لا يمكن وصفها حول الحدائق في "بونشاك"، الأشجار الطويلة التي تشارف أن تلامس السماء، البحيرة التي تعكس خيالاتنا وأوراق الأشجار المتناثرة على الأرض، الأطفال الصغار الذين يلعبون بحرية، تجربة رائعة يجب أن يشعر بها الجميع.

لذلك، إذا تساءلتم عن أشياء يجب القيام بها خارج جاكرتا، فأنصحكم بالذهاب إلى "بونشاك" وقضاء عطلة نهاية الأسبوع هناك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard