"مات والدي فتركت الهندسة للمسرح"... لماذا لا نكون ما نريد؟

الاثنين 17 فبراير 202005:15 م

لم يستطع ضابط الشرطة السابق، الرائد أحمد أسامة (32 عاماً) أن يُكمل في وظيفته، بعد أن استمر فيها عشر سنوات، واستغرق 4 سنوات ليتخذ قراره، ويترك الوظيفة التي توفر له أماناً، استقراراً مادياً ووضعاً اجتماعياً، وقرر أن يعمل ما أحبه وشغف به منذ الصغر.

"الشرطة رغبة والدي"

يقول أسامة لرصيف22: "دخلت كلية الشرطة بناءً على رغبة والدي؛ لضمان وظيفة ثابتة، وفي فترة دراستي في الكلية، وهي الفترة التي يمارس فيها الشباب الأنشطة والهوايات حتى يصلوا إلى الشيء المحبب لهم، لم يكن بوسعي أن أجرب فيها، بحكم كليتي التي تأخذ كل الوقت لصالحها، وبعد انتهائي منها لم تتح لي مسؤوليات عملي فرصة تجريب شيء آخر، كل ما كنت أعلمه عن نفسي أنني أحب القراءة والكتب، وأنها هوايتي الأولى منذ الصغر، وللأسف كنت أمارسها على مضض منذ أن التحقت بكلية الشرطة".

بعد تخرّج أسامة، وتعيينه، لم يتخلّ عن هوايته، يقول: "القراءة باتت المتنفس لي من ضغوطات الحياة خلال سنوات عملي بالشرطة، ورغم حبي الشديد لها لم أفكر في تطويعها لكي تصبح هي عملي".

"كل ما كنت أعلمه عن نفسي أنني أحب قراءة الكتب، وللأسف كنت أمارسها على مضض منذ أن التحقت بكلية الشرطة، بناءً على رغبة والدي، وكان التخلي عن كوني ضابطا قرارا صعباً"

لم يُعلم أسامة أحداً بقرار الاستقالة، حتى لا يتراجع عن قراره، فالمغريات الاجتماعية كبيرة لعدم ترك وظيفته، وبعد مرور أسبوع على استقالته، أرسل له صديق يتحدث له عن فرصة عمل كمدير تسويق في دار للنشر والتوزيع.

"في البداية ترددت وشعرت بالخوف، لأنني وبرغم حبي للكتب لم أفكر أن أمتهن أي مهنة لها علاقة بالكتب، لكن في النهاية قررت قبول عملي الجديد، هنا شعرت بالارتياح الذي لم أشعر به من قبل في عملي القديم، فأنا الآن أعمل في شغفي الأول في الحياة، ورغم أنني حتى الآن لا أثق أن هذا المجال سيظل عملي إلى الأبد، فأنا مازلت في البداية اكتسب الخبرات، لكني على الأقل استفدت من تجربة العمل في شيء أحبه، واستطعت تغيير الواقع من حولي"، يقول أسامة مبتهجاً باختياره.

"تركت الهندسة للمسرح"

أحب إسماعيل إبراهيم (27 سنة)، خريج هندسة طيران وفضاء جامعة القاهرة، الكتابة والإخراج المسرحي، ولكن والده نصحه بالالتحاق بتخصص الهندسة، لمستقبله المادي الواعد.

يقول إسماعيل لرصيف22: "كنت أمارس النشاط المسرحي خلال فترة الدراسة، فأحببت الكتابة والإخراج المسرحي، ورغم أنني التحقت بكلية الهندسة برغبة حقيقية مني بأن أصبح مهندساً، لكن قبل تخرجي بعام واحد أدركت أنني أحببت المسرح أكثر من الهندسة، وأن سعادتي في أن أكون كاتباً ومخرجاً، وكانت هناك بعض العلامات التي ترشدني إلى الاستمرار فيما أحب".

يحاول إسماعيل منذ تخرجه أن يوازن بين شغفه بالمسرح ووظيفته كمهندس.

منذ تخرج إسماعيل وهو يحاول أن يوازن بين شغفه بالمسرح، ووظيفته كمهندس، يقول: "بعد تخرجي كان هناك إلحاح من والدي في أن أقدم أوراقي في شركة المقاولين العرب، لأتمكن من مزاولة عملي كمهندس، قدر الإمكان كنت أحاول مع والدي تأخير تقديم أوراقي داخل الشركة، في انتظار إقامة المهرجان الفرنسي، لأشارك بعرضي فيه، تأجل المهرجان ليُقام في شهر أكتوبر 2017، شاركت وقد حاز عرضي وقتها على المركز الأول، وحصلت من خلال المهرجان على منحة للسفر إلى فرنسا، سافرت وعدت إلى مصر في أول ديسمبر 2017".

بعد عودة إسماعيل، استمر في عمله في "المقاولين" مدة خمسة أشهر، يمارس فيهم الكتابة قليلًا، يقول عن تلك الفترة: "كنت غير سعيد على الإطلاق بعملي، بعد وفاة والدي في أغسطس 2018 قررت أن أقدم أوراقي في معهد الفنون المسرحية، وبمجرد قبولي، تركت عملي في أكتوبر 2018 كمهندس، وقررت التفرغ للشيء الذي أحبه".

وتبقى لإسماعيل معضلة، كيف يواجه ضغوطات الحياة المادية، والمسرح لا يؤمِّن له احتياجاته؟

يقول إسماعيل: "أنا الآن أعمل في شركة للشاشات والإضاءات، مواعيد عملي بها تجعلني قادراً على المواظبة على الحضور في المعهد، وتمكّنني أيضاً من الكتابة بصورة منتظمة، فهي ليست وظيفة بدوام كامل، لكنني أتواجد حسب احتياج العمل إليَّ ليس أكثر، فضلاً على أن عملي لا أعتبره هندسة أكثر منه فناً أيضاً، فأنا أصمم الشاشات والإضاءات في حفلات ومؤتمرات، وهنا أختلط عملي في الهندسة بالفن الذي أحبه، فأصبحا نوعاً ما شيئاً واحداً".

مازال اسماعيل يجمع بين حياته العملية الهندسية وعمله بالمسرح، متمكناً من الموازنة بينهما حتى تتاح له فرصة الاكتفاء بشغفه.

"كرهت وظيفتي بعد إنجابي"

أما علياء طلعت (34 سنة) خريجة كلية التجارة، والتي مارست العمل في مجال الإدارة لعدة أعوام، لكنها بعد ذلك قررت اتخاذ مسار آخر في حياتها، والبداية كانت بعد إنجابها.

تقول علياء لرصيف22: "عندما جاءت طفلتي للحياة، تركت عملي مدة عامين، خلال العامين، ورغم شعوري باكتئاب ما بعد الولادة، لكنني لم أفكر أن أعود إلى عملي ثانية، رغم ضغط أهلي أن أعود للعمل، لكني رفضت الفكرة تماماً، لأنني كنت أذهب لعملي الرتيب كل يوم وأنا ليس لدي رغبة في الذهاب، في فبراير 2014".

"حصلت على مستحقات كتاباتي لأول مرة فقرَّرتُ ألّا أعود لوظيفتي في مجال الإدارة".

بدأت علياء تكتب بشكل تطوّعي لمواقع مختلفة، واستمرت في كتابة مقالات عن الكتب والسينما حتى شهر سبتمبر 2014، والذي شكَّل لحظة فارقة في حياتها، تقول: "حينها حصلت على المال عن كتاباتي لأول مرة، هنا قررت أنني لن أعود لمجال الإدارة مرة أخرى، رغم فرص العمل التي عرضت عليَّ في ذلك الوقت، والاكتفاء بالعمل فيما أحب".

تتحدث علياء عن حالها الآن بعد مرور سنوات على اختيارها: "مشاهدة الأفلام هي هوايتي المفضلة، فاحترفت مجال الكتابة والنقد الفني للأفلام، تنقلت بين موقع وآخر حتى صرت في عام 2017 مسؤولة عن قسم الفن لموقع كبير، بعد ذلك قررت أن أتعلم بشكل أكاديمي، فدرست دبلوم نقد سينمائي لمدة عامين في كلية آداب جامعة عين شمس، لم يكن قرار الدراسة سهلاً أبداً خاصة، وأن لدي عمل بدوام كامل، ولدي طفلة، لكن في النهاية استطعت إتمام الدبلوم، وأصبحت متعتي الأولى في الحياة هي عملي أيضاً".

"الواقع أكبر من شغفي"

"الفكرة نفسها ماتت لأن الواقع يغلب الطموح"، هذا هو رأي كمال عارف، الشاب الذي مازال في عشرينياته، لكنه متزوج ويعمل منذ خمس سنوات في شركة تحصيل للبنوك، وهو رأي يمثّل واسعة من الشباب، خاصة أصحاب الهوايات غير المعروفة، والتي ليس لها سوق في مصر.

بداية كمال كانت "مجرد لعبة"، يقطع الكشاكيل، ويصنع منها أشكال مركبات، وطائرات، إلى أن عرف أن ما يفعله هو فن يسمى أوريجامي، وبمرور الوقت أدرك أن هذا الفن عالم مفتوح على التجربة والرياضيات، لأن الأوريجامي فن بحت قائم على القياس والمساحات المعينة، وأن كل شكل له نوع ورق معين، بحسب كمال.

"بعد وفاة والدي قررت أن أقدم أوراقي في معهد الفنون المسرحية، وبمجرد قبولي، تركت عملي كمهندس، الذي لم أحبه، وقررت التفرغ للشيء الذي أحبه"

يقول كمال: "في بداية تعلمي للأوريجامي لم يكن الأمر سهلاً، لأننا في مصر ليس لدينا التعليم المباشر له، وكانت الوسيلة الوحيدة لتعلمه الإنترنت، وأيضاً كان الأمر صعباً بسبب اللغة، وعندما لجأت للكتب لتعلمه واجهت صعوبة، لأنها جميعها كتب هندسية، كما أن هذا الفن قائم على مجموعة أسهم لتعريف الاتجاهات، ومع ذلك استطاعت تعلّم هذا الفن بكل ما في وسعي، وتمكنت من صنع الأشكال بصورة احترافية".

عندما خرج كمال إلى سوق العمل، وبدأ بإعطاء ورشة للأطفال، وتقاضى عنها أجراً جيداً، ورغم طلب الأطفال إقامة ورشة أخرى، إلا أن المكتبة أجَّلت إقامة الورشة حتى ألغيت، واصطدم أيضاً بأن الكثير ممن يعطون الورش يعلمون الناس القشور عن هذا الفن، وأن السوق يبحث عن فنون أخرى أسهل.

إضافة إلى أن ضغوطات الحياة، من عمل وزواج، دفعته للابتعاد تماماً عن موضوع هوايته، والاكتفاء بعمله في شركة تحصيل للبنوك، يقول: "في كل مرة أفكر فيها بالعودة لممارسة هذا الفن أتذكر المصاعب التي واجهتها وسأواجهها، حتى ممارسته كهواية ضاع مع الوقت والضغط، وخلال بعض الأوقات كنت أفكر في تصوير ڤيديوهات لتعليم الأوريجامي، ورفعها على اليوتيوب، لكن هذا سيحتاج إلى مبلغ مالي لتجهير بعض الديكورات، وشراء كاميرا وورق مستورد، وبكل أسف هذا غير متاح الآن".

ربما يكون لكل فرد منا قصته، مع نفسه واختياراته، وضغوطاته الخاصة، وإجابته الخاصة، ولكن لكوننا نعيش ما نحب، لذة خاصة، قد لا تساويها لذة أخرى في حياتنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard