هل يتورّط أردوغان في حرب مباشرة بسوريا أم يستسلم لبوتين؟

الخميس 13 فبراير 202006:21 م


ما من إشارة واحدة تدل على أن قوات النظام السوري المدعومة روسياً ستوقف تقدمها باتجاه إدلب الشمالية، المعقل الأخير للمعارضة السورية، وهذا ما وضعها في احتكاك مع الجيش التركي الذي يحاول منعها. فهل يدخل الطرفان في حرب مباشرة؟

إلى الآن، يظهر أن الأمور ذاهبة إلى التصعيد. ومع وصول عدد القتلى من الجيش التركي إلى 13 منذ بداية هذا الشهر، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن قواته ستوقف تقدم الجيش السوري "حتى لو اضطرت لاستخدام الوسائل البرية والجوية".

ومنذ 2  شباط/فبراير الجاري دفعت تركيا بنحو 1800 شاحنة وآلية عسكرية إلى الأراضي السورية تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات و"كبائن حراسة" متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، فيما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال تلك الفترة نحو 6500.

وقتلت القوات السورية ثمانية جنود أتراك ومقاولاً مدنياً الأسبوع الماضي، وخمسة جنود في 10 شباط/ فبراير الجاري.

وحاصرت القوات السورية، بدعم من سلاح الجو الروسي، عدة مراكز مراقبة تركية في محافظة إدلب، وهي مراكز أنشئَت بموجب اتفاقات تهدف إلى الحد من العنف، وأصبحت الآن أشبه بـ "رهينة" لدى دمشق.

وردت أنقرة باستهداف بضعة مواقع تابعة لقوات النظام وحلفائه وأسقطت مروحية سورية وبضعة قتلى وعدة جرحى. 

 اشتباك تركي روسي؟

لا تتوقف تعقيدات سوريا عند ذلك، لأن روسيا، الحليف القوي لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، لن تتخلى عنه في الوقت الحالي. كما لا يظهر أنها ستوقف التقدم نحو إدلب.وغالباً ما يصاحب القوات السورية دعم جوي روسي.

وما زاد الوضع تعقيداً، تصريح أردوغان، الأربعاء 12 شباط/ فبراير الجاري، ومما جاء فيه: "بلادي عازمة على إبعاد قوات الحكومة السورية إلى خلف مواقع المراقبة التركية في إدلب في نهاية الشهر الجاري، حتى لو أضطرت إلى استخدام الوسائل البرية والجوية".

وهدد بأن "الطائرات التي تقصف المدنيين في إدلب لن تكون قادرة على التحرك بحرية كما كانت في السابق".

ورأت شبكة سي إن إن الأمريكية أن تهديد أردوغان قد يكون مؤشراً إلى احتمال وقوع اشتباك بين المقاتلات التركية والروسية التي تقدم غطاءً جوياً للقوات السورية على الأرض وتقف خلف غارات عدة استهدفت المدنيين.

تركيا تنشر آلاف الجنود ومئات الدبابات والمدرعات في سوريا. وتلجأ إلى حلف الناتو والولايات المتحدة لمواجهة قوات النظام لكن من دون فائدة. ما خيارات تركيا في سوريا؟

 وردّ بيان مشترك للجيش السوري وحليفه الروسي على تهديد أردوغان بالإعلان عن مواصلة العملية العسكرية في إدلب لمواجهة "الاستفزازات المستمرة من جانب الفصائل الإرهابية التي دفعت بالجيش السوري إلى القيام بعمليات بغية ضمان الأمن في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة".

واتهمت روسيا تركيا بعدم التزامها اتفاقاتها مع موسكو بشأن سوريا ومفاقمة الوضع في إدلب.وقالت وزارة الدفاع الروسية إن "القوات التركية تزيد الوضع الميداني في إدلب سوءاً على نحو خطير".

 مرحلة جديدة من الحرب

 وقال الخبير العسكري واللواء المتقاعد في الجيش السوري محمد عباس: "الحرب بدأت مرحلة جديدة الآن بدخول تركيا مباشرة في مواجهة معنا بدلاً من وكلائها (فصائل المعارضة)".

وأضاف لرصيف22: "الجيش البديل (المعارضة) هُزم… حان دور الخصم الحقيقي (تركيا). لن يكتمل النصر إلا بهزيمته وهزيمة مشروعه الذي يستهدف السيطرة على الشمال السوري".وتابع: "الجيش سوف يواصل عملياته في إدلب وإن استغرق الأمر وقتاً، لكن لا عودة عن التحرير الكامل والخلاص من الجماعات الإرهابية".

عن هذا الأمر، قال تشارلز ليستر، الباحث في معهد الشرق الأوسط لـ"سي إن إن" الأمريكية: "إنه مستوى جديد تماماً لصراع دولة مقابل دولة أخرى".

وأضاف: "استناداً إلى اعتبارات أردوغان المحلية، لا يزال من الصعب رؤية أي شيء سوى المزيد من التصعيد".

ولفتت تقارير غربية إلى أن أردوغان يستخدم السياسية الخارجية كذراع لإثارة القومية الداخلية، وهذا ما يوفر له دعماً شعبياً في ظل التراجع الاقتصادي الكبير.

 ما سر هذا التصعيد؟

 يعود التصعيد الآخذ في التوسع إلى أن الجيش السوري، بدعم من نظيره الروسي، تجاوز الحدود التي كان متفقاً عليها في "اتفاقية سوتشي" الموقعة بين أنقرة وموسكو، في أيلول/يوليو 2018، والتي بموجبها تم إفراد منطقة "خفض للتصعيد" التي تضم مدينتي معرة النعمان وسراقب الإستراتيجيتين.

بحسب الباحث السوري مالك الحافظ، فإن "عدم الالتزام بالاتفاق يعود إلى أن المسؤولين الروس قالوا إن الاتفاق على منطقة خفض التصعيد في إدلب هو اتفاق مؤقت، كما أن روسيا تريد السيطرة على الطريق الدولي "M5" وأجزاء واسعة من الطريق الدولي الآخر"M4" خلال المرحلة الحالية، وهما يقعان في مناطق خارج الحدود المتفق عليها مع تركيا".

وأضاف لرصيف22: "وزارة الدفاع الروسية حمّلت تركيا السبب في أزمة إدلب لعدم تنفيذ التزاماتها المتمثلة بتفكيك التنظيمات الإرهابية وفتح الطرق الدولية، في حين قامت بإدخال مدرعات وأسلحة إلى نقاط المراقبة التركية في الشمال".

تصعيد قد يؤدي إلى مواجهة؟ محللون: روسيا لن تسحب قواتها أو القوات السورية، وهذا ما يعني أن تركيا قد تخاطر بقتل جنود روس إذا ما هاجمت القوات السورية بشكل مباشر.

وترى تركيا أن أي نزع لسلاح الفصائل المعارضة لن يحدث إلا بعد تسوية سياسية.

ووصف الحافظ تصريحات أردوغان بأنها "ضغوط سياسية لا يمكنها تحقيق أي هدف ما دامت تركيا تماطل في تنفيذ التفاهمات التي كان من الممكن أن تجنب المدنيين الكثير من العذابات التي تعرضوا لها جراء الحملة العسكرية الروسية".

وأضاف: "التلويح بالتصعيد لا يعني حدوثه على الإطلاق بل هو أحد أساليب المفاوضات ومحاولة الضغط على روسيا، إلا أن ذلك لن يجدي نفعاً".

 أردوغان في  موقف ضعيف 

 في هذا الإطار، رأت شبكة "سي إن إن" أن موقف تركيا ضعيف، ويعود ذلك إلى قرارها تحدي حلفائها الغربيين بمهاجمة الأكراد السوريين العام الماضي.

وقال آرون شتاين، وهو من معهد أبحاث السياسة الخارجية، لـ"سي إن إن" إن تركيا كانت تعول على روسيا في الحوار مع النظام للحفاظ على اتفاقات منطقة التصعيد، لكن لا يبدو أن موسكو تريد المساعدة.

وتسعى أنقرة لإقامة منطقة آمنة في شمال غربي سوريا، في المنطقة المعروفة باسم "خفض التصعيد"، كي تضم ملايين النازحين من إدلب وباقي مناطق الصراع، بدلاً من التوجه نحو الداخل التركي لما يمثله ذلك من أعباء اقتصادية وأمنية على أنقرة.

وقال شتاين: "لا تريد موسكو أن تسحب قواتها أو القوات السورية، وهذا ما يعني أن تركيا قد تخاطر بقتل الروس إذا ما هاجمت القوات السورية بشكل مباشر".

وختم: "تركيا ليس لديها خيارات جيدة. لقد عزلت أنقرة نفسها عن حلفائها الغربيين، وانضمت إلى شراكة مع روسيا كانت ستنتهي دائماً مع مطالبة موسكو تركيا بالاستسلام".

وقال الحافظ: "تركيا تحاول كسب دعم سياسي عالي المستوى من الولايات المتحدة، والناتو ضد الإصرار الروسي على توسيع نفوذه خارج ما تم الاتفاق عليه في سوتشي بشأن إدلب 2018".

وتابع: "لا الناتو ولا واشنطن بوسعهما خوض مغامرة التحشيد ضد روسيا، فالناتو ليس على وفاق تام مع أنقرة بسبب عمليتها الأخيرة ضد الأكراد. وواشنطن لن تتحمل أعباء إضافية إلى جانب وجودها في شرق الفرات والتوتر الجاري هناك مع روسيا".

حاصرت القوات السورية، بدعم من سلاح الجو الروسي، عدة مراكز مراقبة تركية في محافظة إدلب، وهي مراكز أنشئَت بموجب اتفاقات تهدف إلى الحد من العنف، وأصبحت الآن أشبه بـ "رهينة" لدى دمشق

وما يبيّن صعوبة موقف أردوغان شراؤه نظام الصواريخ الروسية S400 وإعلانه أن العلاقة مع روسيا "إستراتيجية"، وهي الخطوة التي أفقدته الولايات المتحدة، بحسب محللين.

ثم تدخلت تركيا أخيراً في ليبيا، ووقفت ضد حليف روسيا هناك، الجنرال خليفة حفتر الذي يشن هجوماً للسيطرة على طرابلس، ثم وقعت عقداً لبيع طائرات بدون طيار لأوكرانيا التي تقاتل الانفصاليين الذين تدعمهم روسيا.

وطلبت تركيا في وقت سابق دعماً من حلف الناتو، الذي عقد اجتماعاً في بروكسل في 12 شباط/فبراير من دون أن يعلن موقفاً حاسماً من الأزمة.

 اتفاق جديد؟

 في سياق متصل، قال المحلل السوري مالك الحافظ: "أعتقد أن تفاهمات جديدة ستجري لتطوير اتفاق سوتشي، لكن لا يمكن القول إن هناك طرفاً بعينه سيسيطر على كامل قطاع إدلب، ولكن السيطرة الحالية التي تمت لروسيا وقوات النظام السوري لا يمكن الرجوع عنها كما تريد تركيا".

وكشفت روسيا، الأربعاء 12 فبراير/شباط، عن اتصال هاتفي بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين وأردوغان ناقشا خلاله مختلف جوانب التسوية السورية، بما في ذلك تفاقم الوضع في منطقة خفض التصعيد في إدلب، بشمال غربي سوريا.

كذلك أعلنت أنقرة أن وفداً من تركيا سوف يزور روسيا من أجل بحث مسألة التصعيد في إدلب.

ويزور تركيا خمسة ملايين سائح روسي كل عام، وهذا ما يُعدّ دعماً قوياً للاقتصاد التركي. عدا أن أنقرة تستورد معظم حاجاتها من الغاز من روسيا. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard