من أكثر النزاعات توثيقاً... المصور والشاهد والشهيد في الفيديوهات السورية

الجمعة 6 مارس 202003:57 م

منذ سبع سنوات ركزت أستاذة العلوم الاجتماعية سيسيل بويكس، بحثها على موضوعة استعمالات وخصائص الفيديوهات التي رافقت بداية الحدث السوري في العام 2011، منذ بدايات حركة الاحتجاجات وصولاً إلى الحرب وحتى الآن.

فمن المعروف أن الأحداث السورية أنتجت كماً كبيراً من الصور والفيديوهات التي نشرت على شبكة الإنترنت، في محاولة روي ما يجري، حتى أن الباحثة تعتبر أن النزاع السوري من أكثر النزاعات توثيقاً، ليس بالمعنى القانوني، ولكن من ناحية إنتاج الصور والفيديوهات وبثها. لقد بدأت الظاهرة مع فيديوهات صورها أناس عاديون، وجدوا أنفسهم في موقع الحدث، فأصبحوا رواته. ولاداعي للقول بأن الكثيرين منهم لم يكونوا على وعي بالاحتمالات العديدة لاستعمال هذه الفيديوهات، بل كانوا يصورونها لمجرد رغبة توثيق التجربة التي يعايشون، أو لتسجيل اللحظة بما تحمله على المستوى الحسي، الانفعالي، أو الجسدي.

توظيفات الفيديو في الحدث السوري

لقد ظهرت الحاجة للفيديوهات بدايةً لتصوير المظاهرات، ومن ثم لإثبات القمع والعنف الممارس على المتظاهرين، ثم تطورت استعمالات الفيديو لأسباب متعددة: اعتصامات منزلية، توجيه، تكريم، قراءة بيانات، توثيق شهادة، إعلان انشقاقات، ثم تصوير الحصار وبعده آثار الحرب.

لكن هذا الكم الكبير من إنتاج الصورة لم يحقق فاعلية على المستوى القانوني أو التوثيقي، وكما يتضح مع استمرار الحرب السورية، أن فاعليتها أيضاً معدومة على مستوى التأثير على الرأي العام العالمي. وإن كان هذا يدعو للأسف، إلا أن الباحثة سيسيل بويكس تبين أن أهمية هذه الفيديوهات تكمن بما يتجاوز السياسة والإعلام، فأهميتها أنها طورت حساسية سمعية – بصرية جديدة في إدراك المشاهدين لها، وطورت علاقة معقدة بين المصور، الحدث والمشاهد، ما أنتج نظم رؤية غير مسبوقة، لقد فرضت على المشاهدين ضرورة تطوير مقاربات جديدة ومهارات إدراكية في عملية المشاهدة والتلقي للفيديو.

انفعالات كسر الخوف وتشكل المظاهرة



في مقالها بعنوان "بين الحياة والموت، صور بدئية للتمرد في سورية"، اختارت الباحثة ثلاثة فيديوهات أثرت فيها أولاً على الصعيد الشخصي، ورأت فيها ثانياً، نماذج لمحاور أساسية للبحث في هذا المجال، وضعت كل منها تحت عنوان – مفهوم تقرأ من خلاله الفيديو، محتواه، والتجربة المتأتية من مشاهدته.

الفيديو الأول من تظاهرة حماه بتاريخ 25 آذار 2011، المصور مجهول يحمل الكاميرا سائراً بين المتظاهرين. تذكّر الباحثة بالقمع الذي عاشته مدينة حماه عام 1982، لذلك فإن لبدأ التظاهرات في هذه المدينة في العام 2011 حساسية عالية: "سكان حماة هؤلاء الذين تظاهروا في عام 2011 يعلمون مدى همجية هذا النظام، ولكنهم يظنون أيضاً بسذاجة للأسف، أن التصوير يمكن أن يحميهم، وأن العنف القمعي يمكن أن يستوعب عبر إخضاعه لنظرة خارجية".

خلال دقيقة و16 ثانية، يقدم لنا الفيديو صوراً وأصواتاً تعكس لنا انفعالات المتظاهرين المحيطين بالكاميرا، ويتشكل حدث المظاهرة أمامنا رويداً رويداً، يتشكل حدث كان ممنوعاً وغير متخيل منذ لحظات سابقة، وهو حدث التمرد الجماعي. يحدث أمام أعيننا الانقلاب الجذري، ولم يعد هناك من إمكانية للتراجع. كل ذلك يثير في المشاهد انفعالات شديدة، فبإمكانه من خلال الفيديو قراءة هذا التحول في حركة أجساد المتظاهرين وسلوكهم، وتُظهر أصواتهم حالة التردد والارتباك، حيث تمتزج النشوة والخوف والريبة. أيضاً، نسمع بشكل خاص صوت حامل الكاميرا وهو يعلق، ويصبح صوته جزءاً من الحدث التاريخي الذي يتشكل أمامنا.

التمرد ليس حدثاً سياسياً وتاريخياً فحسب، بل هو أيضاً حدث حميمي حقاً بالنسبة لكل فرد يشارك فيه

تكتب الباحثة: "هكذا نرى أن التمرد ليس حدثاً سياسياً وتاريخياً فحسب، بل هو أيضاً حدث حميمي حقاً بالنسبة لكل فرد يشارك فيه"، وهذه نقطة تركز عليها الباحثة، فبالنسبة لها الحميمية هي موضوعة هذا الفيديو، لأن دقائق الفيديو هي توثيق لتجربة التظاهر في سياق القمع الشديد، بينما يحمل المصور الكاميرا يكون جسده الشخصي شاهداً على الحدث لتصويره، تكتب الباحثة: "إن هذا الترابط بين الجسد، الكاميرا والحدث ينقل الإدراك البصري نحو إدراك حسي".

البدر في ليلة إطلاق الرصاص


الفيديو الثاني من طبيعة مختلفة، فهو تصوير للقمر في السماء، مصوره أيضاً مجهول، يحاول خلال ثلاثين ثانية تثبيت الكاميرا على حضور القمر في السماء، أما على المستوى الصوتي فنسمع أصوات الأعيرة النارية على طول الفيديو. يد المصور ترتعش لأنه يسعى لأن يضع القمر في الإطار. تعتبر الباحثة أن تصوير السماء والقمر هو بحث عن احتمالية خلاص من العنف المحيط والخطر المقترب مع صوت الرصاص، إنه يمنح الطمأنينة، ولذا فمن المهم للمصور ألا يخرج القمر من الإطار: "إنه استعارة عرضية للقلق، وهذا الفيديو يصبح تعويذة فلمية للهروب من الفوضى".

هل يمكن التعريف بالتعذيب وترجمته في فيديو صوره شخص بهاتفه؟ 

ما يميز هذا الفيديو أن المصور لا يسعى فيه لتوثيق ألم أو إبراز ضحية، بل هو أكثر فاعلية من ذلك، فخيار تصوير القمر مع أصوات الأعيرة النارية يبدو وكأنه خيار سردي، إن المصور ليس مجرد متلق لحادثة موت أو وقوع مصيبة فيحمل الكاميرا ليسجلها، بل لديه ما يمرره عبر خياره بتصوير القمر، ولهذا تراه الباحثة فاعلاً، تكتب الباحثة في أثر هذا الفيديو عليها شخصياً: "منذ أن اكتشفت هذا الفيديو أشاهده أو أتذكره بشكل منتظم. إنه جزء مني. أحياناً أحتاج مشاهدته مجدداً لأغسل نظري من صور كان عليّ ألا أراها قط. يعطيني القوة كتعويذة لمشاهدة جميع الفيديوهات الأخرى. أتمسك بهذه الصورة كما يتمسك الرجل الذي يصور بالقمر. هذه الصورة تربطنا".

الانتقال البصري-السمعي بين الحياة والموت



الفيديو الثالث يظهر فيه موت حامل الكاميرا أثناء التصوير، المصور معروف وهو معاوية أيوب، الحدث في الرستن، نسمع في بداية الفيديو حامل الكاميرا وهو يصف المشهد بدقة: "إطلاق نار اليوم في 28 كانون الثاني 2012 على متظاهرين عزّل بالقرب من بيت الشيخ مصطفى الحامد"، وما أن ينهي جملته حتى تصيبه رصاصة، تتأرجح الكاميرا ثم ينهار جسده ونسمع حشرجة.

في سرعة هذه السقطة الخاطفة وفوضاها ندرك أن المصور مات، وأن الكاميرا ملقاة على الأرض، ولا نسمع سوى أصوات بشرية بعيدة تكرر "الله أكبر" ممزوجة بصريخ بعيد. تستمر الكاميرا بالتسجيل لمدة دقيقة ونصف بعد وفاة المصور، وبذلك تحل العين الميكانيكية محل العين البشرية، على حسب تعبير الباحثة، التي تضيف: "يحتاج المشاهد بعض الوقت لإدراك عنف هذا المقطع، وهذا الانقطاع الجذري بين ما قبل وما بعد، الذي يقتحم الحياة والصورة. في القسم الأول لا نرى أي شيء مما هو مفترض أن يكون موثقاً، لا نسمع سوى صوت إطلاق النار فحسب، ثم ينقض الموت كاشفاً هشاشة الشخص الذي يصور".

عبر هذا الفيديو نعايش الموت بلحظة وقوعه، ونحتاج لزمن لإدراك أبعاد ما عايشناه للتو، لقد انتقلنا بفجائية كمشاهدين من حياة وحيوية المصور إلى موته وغيابه، لذلك تكتب الباحثة في توصيف التجربة: "لدينا الانطباع بأننا بين عالمين، عالم الميت وعالم الأحياء الذين نسمع أصواتهم وصوت الطلقات النارية في صورة لم يعد لديها حقل رؤية، ولكنها ما زالت مسكونة بالواقع. صورة بدئية، وهي في آن أثر للحياة وللموت"، وتبين الباحثة أن قرار من حصل على الكاميرا بعد موت المصور بنشر الفيديو، هي رغبة بتكريم معاوية أيوب، من خلال عرض هذه اللحظة والمحافظة على أثرها، في مكان ما من العالم الافتراضي.

الجسد المصور في تجربة الخطر

في المحاضرة التي قدمتها الباحثة في المركز الألماني للدراسات الشرقية في بيروت، قدمت الباحثة محوراً جديداً، لقد ركزت على أدوار متعددة للجسد في هذه الفيديوهات، سواء من حيث إنتاجها أي تحقيقها، أو من حيث دور الجسد كناقل للمعنى. وقد اختارت أيضاً ثلاثة فيديوهات تبين فيها تنويعات ثلاثة لأدوار الجسد. وأولها ضرورة عيش المصور جسدياً للتجربة التي يرغب بتصويرها، فهو المغامر والشاهد في الوقت عينه، والكاميرا هي امتداد للجسد وحضوره، وهو موضوع الفيديو الأول الذي اختارته.

في هذا الفيديو يقف المصور على شرفة بناء في حمص القديمة محاولاً تصوير الشوارع في الحي المجاور له، حي الزهراء، والذي يعتبر موالياً للنظام. الغاية هو المقارنة بين وضع الحي المعارض ووضع الحي الموالي، وبينما يظهر في الأول الدمار والخراب والأبنية المهدمة، نرى في الحي الموالي الباصات، حركة السيارات والمارة في إيقاع الحياة المسالمة. في هذا الفيديو الشاهد يصور ويعلق صوتياً ليقدم لنا المعلومات، لكن أصوات أعيرة نارية ترافق الفيديو من البداية، حتى تصل الرصاصة قربه فيضطر للهرب، لقد غامر بحياته لتصوير المشهد، ورويداً رويداً يدرك أن إطلاق النار كاد يرديه قتيلاً، بينما ينزل الدرجات مسرعاً وهو يلهث، يقول مخاطباً المشاهدين: "أرأيتكم بأم عينكم؟"، إذاً، يغامر جسد المصور في الخطر لمحاولة الإثبات للمشاهد عن حجم القمع، وهذا ما يطلق عليه بول ريكور، هرمونطيقا الشهادة، فيقترب الشاهد من الشهيد، ويصبح الجسد داخل التجربة المعاشة، والتي يراد تصويرها في الآن عينه.

في الفيديو الثاني دور مغاير للجسد، فالجسد هنا مصوَّر، الجسد المصور هو الذي ينقل لنا التجربة المعاشة، معلومة العنف، وهو فيديو يصور ظهر شخص تعرض للحرق والتعذيب، وبينما الكاميرا ثابتة على جلده المحروق والمضروب، يروي لنا الرجل حكاية تعذيبه، وكيفية حرقه في المعتقل. لفت انتباه الباحثة أن هذا الفيديو مترجم للإنكليزية، وبالتالي هو يهدف للتعريف بالتعذيب، تصوير الفيديو يعطي معنى للألم الذي عاشه المعتقل، يجعل هذا الألم نوعاً من الالتزام. فالتصوير هنا ليس فقط للتوثيق، بل هو محاولة فاعلية. أما عن دور الجسد فهو الدليل على صدقية المعلومة التي يرويها الشاهد المصور.

تميز الباحثة بين مرحلتين من مراحل إنتاج الفيديوهات السورية، الأولى بين عامي 2011-2012، وقد اتسمت فيديوهاتها بالعفوية والبراءة، أما في السنوات التالية فقد بدأت المنظمات الدولية المختصة بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، والوسائل الإعلامية تفرضان معاييرهما على المصورين، ففرضت معايير محددة أصبح المصورون يحاولون تنفيذها. وكذلك، أقيمت عدة ورشات تدريب على التصوير وفق الشروط الإعلامية أو التوثيقية. تستشهد الباحثة بما قاله أحد أعضاء منظمة "ويتنس" عن الفيديوهات المتعلقة بالحدث السوري: "النشطاء كانوا عاطفيين في أكثر الأحيان، يروون الأشياء بتصنيف حاد، إما أبيض أو أسود، إما جيد أو سيء، بينما يتطلب التواصل مع صانعي القرار لغة دبلوماسية مغايرة"، وهكذا بدأت الفيديوهات بحسب الباحثة، تفقد ذاتيتها الفردية، وتفقد الابتكارية في تصوير كل تجربة على حدة، لصالح معايير محددة ومرسومة بعيداً عن واقع الحدث، وبعيداً عن التجربة الحسية والذهنية المعاشة والمراد تصويرها، ولإثبات ذلك، تُطلعنا على الفيديو الأخير:

هو فيديو من إنتاج شبكة سمارت الإخبارية في العام 2015، مصور بكاميرا 360 درجة. وبإمكان المشاهد تحريك الصورة عمقاً، علواً أو هبوطاً، يساراً أو يميناً، ليعيش تجربة كاميرا الـ 360 درجة. تعتبر الباحثة أن التقنية العالية وبالتحديد كاميرا 360 درجة، هي التي تلغي دور جسد المصور، فهي توضع على حامل، ويجبر على المصور الخروج من إطار الصورة، ليفسح المجال للكاميرا بالتقاط كامل المساحة التي ستمكن المشاهد من تحريك الصورة في الاتجاهات المتعددة. يقول المخرج أيمن نحلة: "إن التصوير بكاميرا 360 درجة يفترض حتماً إلغاء الحضور الجسدي للمصور"، وتنبه الباحثة أن هذا الغياب لجسد المصور يدفع المشاهد إلى الشك بما يراه، ويفقد الثقة، لقد تدخلت التقنية في الشهادة إلى حد إمكانية التلاعب، أو مجرد الإيحاء بإمكانية التلاعب، لنكتشف أن حضور جسد المصور يحقق للمشاهد عملية التماهي، ويلعب دور الشاهد الحي للحدث، إلى درجة الإصابة والموت كما شاهدنا في الكثير من الأحيان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard