"يحيى يريد فقط أن يحيا"... عن عابر جنسياً يمني ملاحق ومهدد بالقتل

الأحد 9 فبراير 202002:23 م

"لا أرغب سوى في أن أحيا بسلام وعلى الصورة التي هي أنا وأستكمل دراستي. قد تبدو طموحات بسيطة لكنها آمال عميقة لشاب في ظروفي مطارد أينما ذهب ويترصده الموت في كل حين ومكان".

هذه باختصار قصة حياة يحيى، عابر جنسياً يمني بعمر الـ22 عاماً، أو قل "مأساة حياته" كما يرويها لرصيف22.

ولد يحيى في روسيا قبل أن ينتقل بعد بضع سنوات إلى اليمن ليتنقل ثانيةً مع والدته إلى إحدى البلدان الإفريقية. في مرحلة الثانوية العامة قرأ للمرة الأولى عن "اضطراب الهوية الجنسية" وبدأ أخيراً في تفهم ما يحدث له وكيف أنه لا ينتمي إلى تلك الشاكلة التي تظهر للناس، فهو شاب لا فتاة.

هنا أيضاً بدأت معاناته حيث تعرض للتعنيف الشديد من والدته التي أودعته في مصحة لعلاج الأمراض العقلية واستخرجت تقارير تتهمه بـ"الجنون" ومن ثم تحصلت على حكم بـ"الوصاية" عليه ومنعته من السفر.

لكنه تمكن بطريقة ما من الهروب والسفر إلى والده في اليمن ظناً أنه قد يحظى بحياة أفضل أو ربما لتفهم أكبر لوضعه. 

ولأن الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهي السفن، وجد يحيى من صنوف التعنيف والعذاب في اليمن ما هو أبشع؛ فحبسه والده في المنزل وحرمه من استكمال دراسته أو التواصل حتى مع العالم الخارجي أو السفر لاستكمال دراسته أو حتى العلاج.

تعرض يحيى للضرب الشديد، بالعصا والعض، حتى يوافق على "الخطبة" من شاب، على اعتبار أنه أنثى، واعتقاداً من الأهل بأن ذلك هو "علاج" حالته، "عشان أتقبل كوني أنثى"، يقول يحيى لرصيف22.

"تعرض للتعذيب واتهم بالجنون وحبس وحرم من دراسته"... قصة عابر جنسي يمني طحنته الحرب ويلاحقه نفوذ العائلة وليست لديه فرص عديدة للنجاة من مصير القتل

القتل بذريعة "الشرف"

نقطة تحول أخرى في قصة الشاب كانت عندما علم أهله بنشره قصته عبر تويتر حيث أوضح: "استغليت اتصالي بالأنترنت وحكيت قصتي للناس. علم أعمامي في أمريكا وبلغوا والدي وهنا جن جنونه وخرج عن طوره وقرر التستر على الأمر بقتلي".

يضيف يحيى: "كل ما أزعج والدي أني محبوس في قبضته ولا يعلم ما أفعل. اعتبر المسألة مسألة ‘شرف‘ صور الأمر على أني ‘بنت كسرت شرف العيلة، تنشر صورها وتتكلم عن أمور ما يحق للبنات يتكلموا عنها‘. أعتقد أنه استخدم هذا كذريعة لقتلي".

ثم أوضح أنه تمكن من الهرب "بأعجوبة، بعد ثلاثة أيام". غير أن هذا لم يمنحه الأمان فهو الملاحق من والده بل وكامل العائلة المعروفة وذات النفوذ في البلاد، عائلة "الزنداني"، وفق ما يقول.

وجريمته "أني أردت أن أفرض فردانيتي (كينونته كفرد) بينما هم أرادوا أن يجعلوني نسخة طبق الأصل منهم وعندما اعترضت على منهجهم السقيم أصبحت  ذاك الفاسد الذي لا يستحق الحياة. جريمتي أني أردت أن أصبح شيئاً عظيماً بين أناس مبتغاهم تحجيم تفكيري وإبداعي" حسبما كتب ذات مرة عبر تويتر.

أثر الحرب على مجتمع الميم

ألقت الحرب المستمرة في اليمن بظلالها على حياة يحيى مثلما أضرت بجميع الفئات المهمشة في المجتمع المنغلق والمتحفظ، فعمقت مأساته.

يقول: "أبي يهددني بالحوثيين في الشمال. لقد منعوني من إصدار بطاقة هوية (كذكر) وكانوا ذراعاً لوالدي في عملية البحث عني".

وتابع: "يهددني أبي كذلك بتنظيم القاعدة في الجنوب؛ هذا التنظيم الذي قتل الكثيرين من مجتمع الميم من دون أن تظهر أي قضية إلى العلن أو يتحدث عنهم أحد حتى الآن". هذه الجرائم التي قرر هو فضحها عبر حسابه على تويتر.

ونبه يحيى إلى أن مجرد السير في الشوارع لم يعد آمناً لأي من أفراد مجتمع الميم منذ اندلعت الحرب وكثرت "نقاط التفتيش"، أما السفر بين المدن اليمنية "فصار لعنة"، على حد تعبيره.

وشدد على أن الفوضى الأمنية واستمرار المعارك المسلحة ساعد في "التغطية" على الكثير من حوادث القتل والاعتداءات على ضحايا انتهاك الحريات.

وعن حياة المجتمع الكويري في اليمن، قال يحيى: "للأسف مجتمعهم داخل منازلهم؛ خلف شاشتهم (يقصد هواتفهم). آخر شخص من المجتمع الكويري كان ملك الإحساس… انضرب بالشارع ضرباً مبرحاً وهو يسألهم ‘ويش سويت؟‘".

"صور والدي الأمر على أني ‘بنت كسرت شرف العيلة، تنشر صورها وتتكلم عن أمور ما يحق للبنات يتكلموا عنها‘. أعتقد أنه استخدم هذا كذريعة لقتلي"... كيف هي حياة عابر جنسياً في اليمن؟

أحلام بسيطة "مستحيلة"

جل ما يريده يحيى أن تساعده أية جهة حقوقية على الخروج من اليمن إلى "بلد آمن يستطيع حمايتي ومجتمع يتقبل هويتي الحقيقية ويمنحني الفرصة لاستكمال دراستي والحصول على العلاج".

وحينما لم يهتم أي من الناشطين الحقوقيين أو المنظمات المعنية بمجتمع الميم في اليمن أو خارجه بتبني حالته منذ أطلق حملة لمساعدته عبر وسمي #انقذو_يحيى_الزنداني و #save_yahyia_alzandani، سعى هو إلى الاعتماد على نفسه لـ"النجاة".

أطلق حملة لجمع التبرعات عبر موقع "جو فاند مي" للتحرك بشكل فردي نحو فرصة نجاة قد تكون الأخيرة أمامه بعدما حدد والده المدينة التي يتواجد فيها وتبقى مهمة من أرسلهم في إثره أن يحددوا موقعه ويقتلونه.

كان يحيى يأمل أن تحمل له 2020 وضعاً أفضل، لكنه يؤكد أنه ما زال "شخص بلا مأوى آمن، كثير التنقل غير مستقر لا جغرافياً ولا نفسياً ولا اجتماعياً… شخص قارب على الانتهاء دراسياً، فاقد الأمل وشبه فاقد الأهلية على القيام بأي فعل اعتيادي، بلا سند أو قوة، ضعيفاً صحياً، أوشكت معوناته المادية على النفاد بحكم طول الفترة التي استغرقها العثور على أي وجهة آمنة أو طوق نجاة".

ورغم نوبات اليأس والإحباط الشديد التي يمر بها، ما يزال يحيى يتمسك بفرصة لـ"الحياة" ويسعى لأن تكون قصته سبباً في "إيصال صوت المجتمع الكويري في اليمن"، وهو مستمر في محاولة نشر الوعي بماهية "اضطراب الهوية الجنسية"، وسبل التعاطي المناسبة معه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard