"لماذا تسخرون من أبو عيون كحيلة؟"

الأحد 2 فبراير 202004:29 م

قبل سبع آلاف سنة، سجّل القدماء المصريون على الجدران استخدام الكحل للنساء والرجال معاً، وبرعوا في استخدامه على لوحاتهم، وجعلوه إرثاً في رحلة البعث، ودفنوا بعضه في مقابرهم، حتى بات "كحل العين" علامة مميزة لشكل وهيئة الفراعنة، ملوكاً وحاشية وشعباً، وتناولت السينما، المسرح والدراما، تاريخ المصريين القدماء، مقدمين الكحل على جميع مظاهر الحياة الأخرى.

لكن الموقف الآن مع واضعي الكحل من الرجال المصريين اختلف، ينال انتقادا، وسخرية واسعتين، من زملاء وأصدقاء وأقارب.

"أكحل عيني في السويد"

رفض المجتمع المصري لمظاهر تزين الرجل بالكحل يضع حواجز نفسية كبيرة بين مستخدم الكحل وبين الناس، حيث لم يصمد حازم عادل (21 سنة) طالب بالفرقة الثانية كلية التجارة جامعة القاهرة، طويلاً أمام تنمّر أصدقائه من شكل عيونه المزينة بالكحل، وذهبت كل محاولاته في تبرير وضعه للكحل هباءً، أمام موجات من السخرية والنقد، فاضطر بعد أسبوعين فقط من ممارسة هذه العادة إلى التوقف عنها تماماً.

مع ذلك يصرّ حازم على استخدام كحل العين حينما ينهي دراسته الجامعية، ويسافر للعيش مع والده ووالدته في السويد.

يقول حازم لرصيف22، إنه كان يعاني من بعض التهابات في حدقة العين، حينما نصحه صديق مقرب ينتمي لمجتمع "الميم" في القاهرة بوضع الكحل، وبمجرد تزيين عينيه باللون الأسود، وجد فرقاً شاسعاً أضفى جمالاً مضاعفاً على هيئته، فقرر وضع الكحل باستمرار للتزيّن به، خاصة أنه كان عادة متوارثة عند العرب قديماً، وسنّة عن الرسول، لكن فرحته لم تكتمل، واصطدم برفض المجتمع.

"لا أفهم سر الهجمة المجتمعية على مظاهر الحداثة،  النبي كان يضع الكحل، أجدادنا الفراعنة أول من اكتشفوه واستخدموه وعرفنا العالم به، فلماذا يضع كل رجال العالم الكحل متى أرادوا، في حين أننا كمصريين نرفضه، ونسخر ممن يضعه؟"

ينتقد حازم الضغوط الاجتماعية التي تمارس في مصر على فكرة تزين الرجال بالكحل، قائلاً: "لا أفهم سر الهجمة المجتمعية على كل مظاهر الحداثة، مع أن الكحل لا يصنف كبدعة، حيث أن النبي كان يضع الكحل ونصح به، أجدادنا الفراعنة أول من اكتشفوه واستخدموه وعرفنا العالم به، فلماذا يضع كل رجال العالم الكحل متى أرادوا، في حين أننا نرفضه ونسخر ممن يضعه".

"زينة في الخفاء"

يتبع شريف الصباحي (30 عاماً)، موظف في قطاع البنوك الخاصة بالقاهرة، طريقة مختلفة لإشباع رغبته في التزين بالكحل، يقول لرصيف22: "لم أفكر في وضع الكحل في الحياة العامة، أحب تجميل عيني بالكحل، وأرى أنه يحقق فوائد طبية عظيمة، فيحمى من ضعف الإبصار، المياه البيضاء، التهابات العين وغيرها من أمراض العين".

ويخفي شريف حبه للكحل عن أصدقائه، ولا يعلم بوضعه الكحل سوى زوجته، حيث يزيّن به عينيه في بداية الليل قبل النوم مباشرة، ثم يزيله في الصباح الباكر قبل الذهاب للعمل، ويستمر الكحل في عينيه يومي الإجازة الرسمية طوال النهار، حيث يمكث في البيت، ولا يرغب في التعايش مع مجتمع ساخط على هذه العادة، حسب تعبيره.

ويقول شريف إن زوجته تتفهَّم حبه للكحل، وتعرّف عليها حينما كان في رحلة لمدينة الغردقة في 2016، ورأته بالكحل في أحد الأماكن السياحية وأعجبت به، وقتها كان يضع الكحل بلا خجل، حيث أن المدينة تعجّ بالسياح الأجانب، وجميع "مظاهر الحرية" متاحة هناك.

وتتفاوت نظرة المصريات للرجل إذا ما وضع في عينيه الكحل للزينة، تقول مها دياب (20 سنة)، طالبة جامعية تسكن في حي حلوان بضواحي القاهرة، لرصيف22: "لا أرى الظاهرة مقزّزة، وهي محدودة في مصر، احترم حرية كل شخص، لكني لا أقبل الارتباط بشخص يقوم بهكذا أنماط حياتية، حتى لو كان الكحل سنة عن الرسول، فلكل زمن عرف خاص به، ربما كان الأمر مباحاً على أيام الرسول أما في العصر الراهن فهو غير منتشر، وبالتالي فكل سلوك مهجور حتى لو كان صحيحاً هو شاذ بالنسبة للناس".

وتختلف معها هاجر الشريف (22 سنة)، طالبة جامعية تسكن في القاهرة، تقول لرصيف22 : "الكحل بالنسبة للرجال ليس غريباً ولا مريباً، لكن هناك شروط للقبول به، فمثلاً السنّة للعرب قديماً كانت إعفاء اللحية واستخدام الكحل، فكانت تعطي مظهراً أنيقاً للرجال وتكتمل به رجولتهم، لكن البعض يستخدم الكحل الآن مع حلق اللحية والشارب وتنعيم الوجه بمستحضرات التجميل، فبات لا يختلف كثيراً عن الأنثى".

"مجتمع يعظّم الفوارق الجنسية"

يثمّن الدكتور أحمد المعتصم، أخصائي جراحة العيون وتصحيح الإبصار، استخدام الرجال للكحل، يقول إنه لا توجد أضرار طبية لاستخدام الكحل الأصلي في العيون، "حيث يمنح العين فوائد صحية كبيرة شرط عدم الإفراط في استخدامه، لكن للأسف هناك عادات خاطئة لاستخدام الكحل لدى الرجال، مثل تكحيل الطفل بعد الولادة بحجة أن هذا يساعد على توسيع حدقة العين وإظهار الرموش، لكن في الحقيقة استخدام الكحل للأطفال يضر أكثر مما يفيد".

ويضيف المعتصم لرصيف22، أن الأزمة الصحية تكمن في استخدام الكحل الصناعي وليس الطبيعي، فالأول المكون من مستحضرات كيميائية، بعضها يحمل مخاطر على صحة العين، وغير خاضع للمواصفات الطبية، وللأسف حينما يقدم بعض الشباب على استخدام الكحل لا يفرقون بين الكحل الطبيعي والكحل الصناعي.

يخفي شريف حبه للكحل عن أصدقائه، ولا يعلم بوضعه الكحل سوى زوجته، حيث يزين به عينيه في بداية الليل قبل النوم مباشرة، ويستمر الكحل في عينيه يومي الإجازة الرسمية

من الناحية الاجتماعية، ترى الدكتورة سامية الساعاتي، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن وضع الكحل للرجال في المجتمعات الشرقية متفاوت بين القبول الجزئي والرفض الكلي، فنرى أنه مستحب في دولة مثل الأردن، ويعتبرونه عادة يقدم عليها الجميع في مناسبة أول أيام شهر رمضان والأعياد، على عكس ذلك، يعتبر مرفوضاً في مصر، حيث تواجه الظاهرة في مصر "رفضاً كلياً يحد من انتشارها".

وتنتشر ظاهرة استخدام الرجال للكحل، بحسب الساعاتي، وسط مجموعات محدودة، تمثل فئات بعينها، تميل إلى التحرر الكامل من التقاليد، والثورة عليها، مثل "الفرق الموسيقية التي تتبنى أنماطاً موسيقية غربية، ومجتمع المثلية الجنسية"، على حد تعبير الساعاتي.

وتشدد الساعاتي في حديثها لرصيف22، أن أزمة الكحل وغيرها من المظاهر الأخرى في المجتمع، تعكس رفض المجتمع المصري لمحاولة التشبه أي جنس بالجنس الآخر، ووضع حدود فاصلة بين سلوكياتهما، فإذا رأوا فتاة تقلد الرجال في سلوكياتها يستهجنون تصرفها، ويطلقون عليها "مسترجلة"، وكذلك أي تصرف يراه المجتمع لائقاً بالمرأة فيستهجنونه في الرجل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard