"حِنة وَرد" الفيلم المصري الوحيد المشارك في مهرجان "كليرمون فيران" بفرنسا

الخميس 30 يناير 202004:58 م

من بين ثمانية آلاف فيلم من شتى دول العالم، و65 فيلماً مصرياً، وقع اختيار إدارة مهرجان "كليرمون فيران"  الدولي في دورته 42، خلال الفترة من 31 يناير إلى 8 فبراير، على اختيار "حنة ورد" ليمثل مصر وحيداً في المسابقة الرسمية. "كليرمون فيران" يُعدّ أكبر مهرجان دولي للأفلام القصيرة، وهو ثاني أكبر مهرجان سينمائي في فرنسا بعد مهرجان كان.

"دائماً ما تُقدم الجنسيات الأخرى في أفلامنا المصرية في أدوار ثانوية هامشية، رغم وجودها الأساسي في حياتنا، لذا قررت حكاية يوم من حياة 'حنانة سودانية' تعمل في قلب القاهرة في أول أفلامي"، يحكي مراد مصطفى، مخرج فيلم "حِنة وَرد" في مقابلته مع رصيف 22، عن كواليس فيلمه الأول، أهمية اختياره في المهرجان وتحديات صناعة الأفلام القصيرة للمخرجين المستقلين بالوطن العربي.

حجاب الفتيات في سن صغيرة جزء من عادات المجتمع السوادني، الذي ظل محكوماً بالشريعة الإسلامية لسنوات طويلة، وهناك سبب آخر، أظن اختيار حليمة لحجاب ورد نوع من الحماية والخوف على ابنتها، طالما تعيشان في مجتمع مختلف عن بلدهما، يقول المخرج مراد مصطفى.

- في البداية.. "حِنة وَرد" مشروعك السينمائي الأول، ماذا يمثل لك اختياره في المسابقة الرسمية لأعرق مهرجانات الأفلام القصيرة بالعالم مهرجان "كليرمون فيران"؟

(يضحك) لم أتوقع قبوله أساساً في المهرجان وليس المنافسة في المسابقة الرسمية! لقد شاركت قبل ساعات من إغلاق موعد تلقي الأفلام، واعتقدت أن فيلمي لن يحظى بفرصة للمشاهدة لوصوله متأخراً، خاصة وقد سبقه 8000 فيلم تستقبلها إدارة المهرجان سنوياً. لذا أنا فخور وسعيد جداً لكونه الفيلم المصري الوحيد الذي تم اختياره من بين 65 فيلماً مصرياً تقدم للمشاركة هذا العام، ومن ثم هو محطة هامة في مشوار أفلامي، فـ"كليرموان فيران" هو من أهم المهرجانات بالعالم، بل يُعتبر "كان" الأفلام القصيرة.

كما أنه منصة هامة ينطلق منها الفيلم في عرضه العالمي الأول، ما يعطي الفيلم دفعة قوية للأمام خلال جولاته القادمة، سواء من حيث تسهيل فرص عرضه بأكبر المهرجانات العربية، مثل القاهرة السينمائي، قرطاج بتونس ومهرجان البحر الأحمر بالسعودية، وكذلك جولاته في مهرجانات أوروبا، حيث يحرص المبرمجون على الحضور بـ"كليرمون فيران" ومشاهدة وانتقاء الأفلام منه، وأخيراً فهي متعة لأي مخرج بأن يعرض فيلمه ثماني مرات خلال المهرجان، ويشاهده عدد كبير من الناس، فالمدينة تتحول على مدار أيام المهرجان لكرنفال مفتوح.

- "كليرمون فيران" ليس منصة للعرض ولكنه سوق كبير لصناعة الفيلم القصير، كيف ينعكس ذلك على فيلمك؟

بكل تأكيد، هو multi function للعرض والبيع والتوزيع، فهو ماركت كبير للفيلم القصير، سواء في فرنسا أو أوروبا كلها، وأصرّح لك باستقبالي لاتصالات من أربعة موزعين حتى الآن وقبل السفر للمهرجان، من أجل ترتيب اجتماعات لاحقة.

- نعود للفيلم.. حدثني أكثر عن اختيارك لحكاية "حنانة سودانية ".. ما الذي جعلك تنطلق منها؟

كان يشغلني التفكير بأن تكون حكاية فيلمي الأول بواسطة شخصيات من جنسيات مختلفة تعيش حولنا داخل المجتمع المصري، وتعمل بمهن مختلفة، ولكن دائماً كانت تقدم في أدوار ثانوية وهامشية، وليست بشكل رئيسي في الأفلام، بالإضافة لرغبتي في وضع شخصية غير مصرية داخل أجواء مصرية خالصة، لتحقيق الاندماج بين الثقافتين السودانية والمصرية، فهو فيلم يجمع بين الروائي والتسجيلي، نقضى يوماً مع هذه "الحنانة السودانية " داخل أجواء مناسبة وطقس هام جداً للمصريين، وهو ليلة "حِنة" العروس قبل الزفاف، ومن هنا انطلقت حكاية الفيلم .

دائماً ما تُقدم الجنسيات الأخرى في أفلامنا المصرية في أدوار ثانوية هامشية، رغم وجودها الأساسي في حياتنا، لذا قررت حكاية يوم من حياة "حنانة سودانية" تعمل في قلب القاهرة في أول أفلامي، يحكي مراد مصطفى، مخرج فيلم "حِنة وَرد"

- لذا قصدت اختيار منطقة الأهرامات في التصوير إشارة للحضارة المصرية القديمة؟

كان بحثي عن مكان له خلفية تاريخية، واختيار "نزلة السمان" تحديداً، لأنه لا أحد يعرف أن منطقة الأهرامات ذات الطلة السياحية والثقافية العظيمة تضم في أرجائها منطقة شعبية يقطنها بسطاء مثل "نزلة السمان"، لذا تمثل الشقة وموقع التصوير شخصية أساسية بالفيلم مثل الممثلين، كالحنانة والأم والعروس وورد.

- وماذا عن ورد الذي حمل عنوان الفيلم اسمها؟

ورد هي ابنة الحنانة السودانية حليمة، عمرها سبع سنوات، تصطحبها والدتها معها لمنزل عائلة العروس، ونكتشف من خلال عيون ورد الكثير من العلاقات والحكايات داخل هذا البيت في ليلة الحنة، على مدار 20 دقيقة مدة الفيلم.

- لم أشاهد الفيلم ولكن من التريللر لاحظت لقطة توحي بتناوله للعنصرية التي يتعرض لها أصحاب البشرة السوداء في مصر.. هل هذا صحيح؟

الفيلم ليس قضيته الأساسية العنصرية ضد السودانيين، ولكن يرصد هذا التنافر الذي نشهد في مجتمعنا، سواء بين المصريين أنفسهم أو مع غيرهم، سيترك الفيلم الباب موارباً لقراءة كل مشاهد سواء عنصرية أو مجرد حدوتة ليوم من حياة حنانة سودانية في القاهرة.

- ماذا عن كواليس التحضير للعمل واختيار الممثلين؟

التحضير للفيلم استغرق شهرين بالإضافة لتدريب الممثلين، لأن 90% منهم كانوا يقفون أمام الكاميرا لأول مرة، والتصوير كان خلال يومين.

- كيف أقنعت حليمة بفكرة الفيلم والوقوف أمام الكاميرا؟

استغرقت عملية البحث في البداية عن "حنانات" سودانيات يعشن في القاهرة مدة طويلة، حتى وصلنا لحليمة، وكان الشغل معها ممتعاً واقتنعت بحكاية الفيلم ورحبت بالمشاركة فيه، وهي تمتلك شخصية ذات كاريزما طبيعية، فهي لا تبدو مفتعلة بالفيلم، ولكن تلعب دورها أمام الكاميرا بتلقائية وعفوية كما تؤديه في الواقع، وهو ما كان مطلوباً بعناية في الجزء الوثائقي بالفيلم، فهي مثلاً كانت ترسم لشخصية العروسة بالفيلم الحنة بشكل حقيقي وليس تمثيل. وساعدتني حليمة في إضافة تفاصيل وبناء الشخصية والاستعانة بها في الفيلم، مثل إكسسوارات شخصية الحنانة، مثلاً كاتالوج الرسومات التي تختار منه العروس شكل تصميم الحنة على يدها، وكذلك قرطاس الحنة الذي تستخدمه الحنانات في عملهن، لذا كانت مصدراً هاماً للمعلومة ومرجعاً استفدت منه كثيراً في كتابة Treatment الفيلم.

- ارتداء الطفلة "ورد" للحجاب.. هل كان اختيارك للشخصية أم هي ترتديه في الواقع؟

لم يكن اختياري، ولكن حجاب الفتيات في سن صغيرة جزء من عادات المجتمع السوادني، الذي ظل محكوماً بالشريعة الإسلامية لسنوات طويلة، وهناك سبب آخر، أظن اختيار حليمة لحجاب ورد نوع من الحماية والخوف على ابنتها، طالما تعيشان في مجتمع مختلف عن بلدهما، لذا قررت الاحتفاظ بزي الشخصية كما تعيش في الواقع ليندرج في الجزء الوثائقي من الفيلم.

- من أبرز التحديات التي تواجه المخرجين المستقلين هي الإنتاج.. كيف كانت تجربتك؟

بالطبع واجهت تحديات، ولكن كنت محظوظاً، كنت المنتج الأساسي للفيلم ولكن دخلت ثلاث شركات إنتاج في مرحلة postproduction، ورحبت جداً بالفيلم. فدخول شركات الإنتاج الكبرى مؤخراً دعم صناعة الأفلام القصيرة بقوة، فهم لن يتأخروا طالما وجدوا في الفيلم شيئاً مميزاً، فلم يعد المنتجون يغلقون أبوابهم أمام المخرجين الجدد، بل نلاحظ انحيازهم للفيلم القصير أكثر من الطويل في السنوات الأخيرة، وهو يعود لعدم عثورهم على نصّ جيد ليغامروا بإنتاج فيلم روائي طويل، ومن ثم ليدعموا المخرجين الشباب لإنتاج مشاريعهم الأولى وصولاً للأفلام الطويلة، وهو ما يصب في النهاية لصالح صناعة السينما التي تمثل مصر في المهرجانات، سواء بأفلام قصيرة أو طويلة.

- ولكن رغم ذلك يشتكي المخرجون المستقلون في الوطن العربي من نقص التمويل والدعم؟

الاعتماد على تمويل الجهات المانحة أصبح غير كافِ، وهذا لا يعني الاستسلام! فهناك طرق مختلفة لصناعة الفيلم، تبدأ بإدراك المخرج بالورق وألا يتطلب إنتاجه ميزانية ضخمة، فلا نكتب سيناريو تكلفة إنتاجه مليون جنيه؟! ولكن أن تحكي فيلماً مميزاً بميزانية بسيطة، فلا تعارض بين الميزانية الصغيرة وجودة الفيلم. أعظم الأفلام التي لاقت ترحيباً وحصدت جوائز من مهرجانات عالمية كانت ميزانيتها صغيرة، ولنا في الفيلم الإيراني والسوادني نموذجاً، فبدون إضاءة أو ديكور وممثلين أحياناً، يصنعون أفلاماً ساحرة.

- مؤخراً.. نتابع مشاركة الممثلين والنجوم في الأفلام القصيرة.. هل تراها تدعم التجربة؟

صحيح هناك ظاهرة الهوس بالنجوم، ولكن أحياناً تسبب نتائج عكسية للفيلم، لأن بعض المخرجين يهتمون بمشاركة النجوم ولكن دون التركيز هل الأدوار والشخصيات مناسبة لهم أم لا؟ ومن ثم يصبح لا فائدة من وجود النجم، الذي ربما يدعم الفيلم في عرضه بمهرجانات محلية، ولكن لن يذهب بعيداً عن مصر! فالسينما تظل مجالاً مفتوحاً للتجربة، وهي المساحة الوحيدة التي تساعدني على التجريب كمخرج، فلو اعتمدت على نجوم وممثلين مشهورين فقط "هجرب وأعمل فيلم مختلف إزاي؟"، سواء كان فيلماً قصيراً أو طويلاً، أسعى دائماً لتقديم عمل مختلف، أحكيه بصورة مميزة، سواء بإضاءة وممثلين أو بدونهم، يهمني الدهشة والجدة التي تصيب المشاهد بعد رؤية فيلمي ويقول: "أول مرة أشوف فيلم كده".

- ما هو تقييمك لمشهد صناعة الأفلام القصيرة في عالمنا العربي الآن؟

متفائل جداً سواء بجيلي أو بالأجيال القادمة، وبستمتع بمشاهدة أفلامهم، ومستقبلاً سوف يشكلون موجة جديدة في صناعة الأفلام الروائية الطويلة، وسوف يُقدمون شيئاً مختلفاً، ونجحوا بالفعل في الذهاب بأفلامهم القصيرة كل عامين لمهرجانات عالمية، مثل فيلم "خمستاشر" لسامح علاء، الذي سافر به لمهرجان تورنتو، "حاجة ساقعة" لعمروش.

أعظم الأفلام التي لاقت ترحيباً وحصدت جوائز من مهرجانات عالمية كانت ميزانيتها صغيرة، ولنا في الفيلم الإيراني والسوادني نموذجاً، فبدون إضاءة أو ديكور وممثلين أحياناً، يصنعون أفلاماً ساحرة

- ولكن ألا ترى أن هذا الزخم للأفلام القصيرة "جعجعة بلا طحين" حيث يلحق عدد قليل جداً بالمهرجانات الدولية، بدليل فيلمك الوحيد من مصر، وهناك 3 أفلام من دول عربية فقط تشارك في "كليرمون فيران" هذا العام؟

اتفق أن ليس كل الأفلام تحظى بجودة فنية عالية، ولكن لا بأس من التعلم والتطوير المستمر، فإخراج فيلمك الأول والثاني سيكون أفضل بالضرورة من الثالث، وأتوقع أن تشهد السينما العربية لعام 2020 إنتاجاً أكبر للأفلام القصيرة من العام الماضي الذي كان محصوراً بالأفلام الطويلة، ومن ثم سيحظى الفيلم القصير بمكانة خاصة خلال العامين المقبلين، سواء في مصر أو العالم.

- مهرجان "كليرمون فيران" يحضره 160 ألف مشاهد سنوياً.. هل ترى أن المشاهد العربي أصبحت لديه ثقافة تلقي الأفلام القصيرة؟

جداً، وزادت هذه الثقافة في السنوات الأخيرة بقوة، وأصبحت مشاهدة الأفلام القصيرة تحظى بجماهيرية كبيرة في معظم أرجاء الوطن العربي، بعد أن كان يحضرها الأكاديميون والمتخصصون، وخاصة مع انتشار مهرجانات الأفلام القصيرة والآرت هاوس التي تقدم أفلاماً متنوعة سواء قصيرة أو طويلة.

- بعض المخرجين يعتبرون الفيلم القصير بوابة العبور للفيلم الروائي الطويل.. ما رأيك؟

أختلف معهم، "طول ماهخرج أفلام هحب دايماً أجرب، سواء كانت قصيرة أو طويلة، فالأفلام هي وسيلة للتجريب والمتعة الفنية"، فالفيلم القصير ليس مجرد "سِلم" للفيلم الطويل، خاصة أن ظروف صناعته الآن أسهل كثيراً عما سبق، سواء من صعوبة توفر خام الأفلام للمخرج وكاميرات سينما كبيرة، ولكن الآن بكاميرا ديجتال أو موبايل يمكنك أن تصنع فيلمك القصير بسهولة، وفي النهاية الفيلم الطويل مثل القصير، الاختلاف فقط أن تحكي حكاية في نصف ساعة بدلاً من ساعة ونصف.

- عملت كمساعد مخرج في حوالي ما يزيد عن 35 فيلماً ومسلسلاً تلفزيونياً.. كيف تبلورت حصيلة هذه السنوات في مشروعك الأول وألا ترى إنه تأخر كثيراً؟

أولاً، أنا لم أدرس السينما أكاديمياً، ولكن حضرت ورش صناعة أفلام، ومتحيز جداً لفكرة عمل المخرج كمساعد في البداية، واشتغلتها لمدة 11 عاماً، فهي أكسبتني خبرات لا تعد، فهي المصنع والمدرسة الحقيقية لصناعة وتنفيذ الفيلم، فكيف لمخرج يقف ويعطي أوامر وهو لا يعلم أدق تفصيل في موقع التصوير، مثل كيف تُصنع وتُنفذ اللقطة shot، كيف يوجه الممثلين، وعلاقته بمدير التصوير، فهذه السنوات الطويلة صقلتني كمخرج الآن، وأكسبتني مرونة في كيفية التعامل مع ظروف أي فيلم كان صعباً أو سهلاً، فلم أتأخر ولم تذهب هذه السنوات بلا فائدة . وأعتبر نفسي محظوظاً، فقد عملت مع مدارس فنية مختلفة للمخرجين، مثل محمد أمين، هالة خليل، آيتن أمين، شريف البنداري، أحمد شاكر خضير.

ولكن لا يمكن التعميم بأن المخرج الذي لم يعمل مساعداً في البداية غير محترف أو ضعيف فنياً، فمثلاً يوسف شاهين ذلك المخرج الكبير لم يعمل مساعداً في بداية حياته السينمائية، عكس مروان حامد وعمله مساعد للمخرج شريف عرفة، فهي تختلف من مخرج لآخر حسب مهارته وقدرته على توظيف خبراته كمساعد في تدعيم "شغله" فيما بعد كمخرج.

- أخيراً.. ما هو مشروعك القادم؟

التحضير لفيلمي القصير الثاني والتصوير في أبريل المقبل، وهو دراما اجتماعية تناقش العلاقات الإنسانية، وخاصة العلاقات الزوجية المتدهورة في مجتمعنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard