حاربوا العلوم العقلية والمقاهي والقهوة والتبغ... جماعة "قاضي زاده" العثمانية

السبت 1 فبراير 202007:21 م

في القرنين الـ16 والـ17، ظهرت جماعة سلفية إسلامية عُرفت باسم قاضي زاده، نسبةً إلى مؤسسها قاضي زاده محمد أفندي، وتبنّت العنف وسيلة لمحاربة ما اعتبرته انحرافاً عقائدياً واجتماعياً في المجتمع العثماني، خصوصاً في العاصمة إسطنبول.

تداخَل الفكري مع المادي في دعوة الجماعة التي تشكلت بشكل أساسي من رجال دين مُبعَدين عن المناصب الدينية العليا إلى العنف، وخاضت صراعاً على النفوذ مع رجال الدين الصوفيين، أصحاب السلطة والوظائف.

وكما بدأت الجماعة بالعنف انتهت به أيضاً. بين البداية والنهاية، مرّت علاقتها مع السلطة العثمانية بأطوار متباينة، فأحياناً كانت تشهد تقارباً وأحياناً أخرى تباعداً، إلى أن قضت السلطة نهائياً عليها عندما أصبحت عبئاً عليها.

لكن ميراثها الحركي لم يمت، وظهر بعد فترة في صحراء نجد على يد محمد بن عبد الوهاب.

محمد بن عبد الوهاب

البِركوي... مرحلة التنظير

ارتبطت الدولة العثمانية منذ نشأتها بالطرق الصوفية التي دعمت أهدافها التوسعية، وتولت الجهاز الثقافي والديني فيها طوال قرون. وكان رجال الدين في المراكز العثمانية التركية ينقسمون بشكل عام إلى قسمين: الأحناف الصوفيين، والأحناف السلفيين.

وبينما سيطر الصوفيون على المؤسسة الدينية، نال السلفيون نصيباً أقل بكثير من الوظائف، ونتج عن ذلك صراع بين الطرفين على السلطة أثّر على الصراع العقائدي في تاريخ الإسلام، حسبما يقول الباحث التاريخي خالد أبو هريرة لرصيف22.

تمثل الصراع العقائدي بين الطرفين في انتقاد وجهة النظر السلفية لقناعات الصوفيين وممارساتهم مثل التبرك بالأولياء، وطقوس الرقص والدوران التعبدية، والموسيقى والغناء، والتكايا، وتبجيل شخصيات مثل محي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهما.

وكان الفكر السلفي يوجّه سهام نقده للعديد من مظاهر الحياة الاجتماعية مثل المقاهي والتدخين والخمور وأوضاع المسيحيين وبناء الكنائس... ولذلك، كانت الصوفية بشكل عام أنسب للمجتمع العثماني المتنوع عرقياً ودينياً وثقافياً.

في تلك الظروف، ظهر رجل دين تركي اسمه محمد بين بير علي بن إسكندر، عُرف بـ"الشيخ البِركوي". اطّلع على مؤلفات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية وتأثر بدعوتهما، واتخذ طريق التدريس والتأليف لنشر أفكاره بين تلاميذه تجنباً للصدام مع الصوفيين، أصحاب النفوذ.

يقول خالد أبو هريرة لرصيف22 إن البِركوي كان أوّل مَن قدّم طرحاً عثمانياً لمسألة النهي عن المنكر، بعد أن كانت النخب العثمانية تتجاهلها، تجنباً لاستغلالها للثورة على السلطة، خصوصاً أنها كانت أكثر انفتاحاً من السلطات الإسلامية التي سبقتها.

جاء طرح البِركوي في كتابين أساسيين هما "رسالة البركوي" المعروفة باسم "وصية نامة" وهي رسالة في الاعتقاد، و"الطريقة المحمدية والسيرة الأحمدية"، وهو الأهم ويُعَدّ بمثابة طريق جديد للإيمان إذ تطرّق إلى جوانب الاعتقاد والأقوال والأخلاق والأفعال وفق المدرسة السلفية، وهو الكتاب الذي سيتحول لاحقاً إلى "مانيفستو" حركة قاضي زاده.

يوضح أبو هريرة أن هذا الكتاب ظل في إطار تنظيري حتى وفاة صاحبه، ولم يُنتج فعلاً حركياً إلا على يد خطيب جامع آيا صوفيا "قاضي زاده محمد أفندي" (ت. 1635) الذي تشبّع بآراء البركوي حول قضية النهي عن المنكر، وأسس حركة انضم إليها خطباء المساجد السلفيين، وعوام، وجزء من الفرق العسكرية ذات الطموحات السياسية في إسطنبول.

قاضي زاده... مرحلة التأسيس

تلقى قاضي زاده تعليمه على يد شيخ يُدعى علاء الدين، أحد تلاميذ البِركوي، واطلع على مؤلفات ابن تيمية وابن القيم، ونقل عنهما، وورث عن البركوي محاربة العلوم العقلية.

الداعية الذي عاش في إسطنبول وعمل بها واعظاً، كان قد انضم في بداية حياته، ولفترة قصيرة إلى الطريقة الخلوتية، هي طريقة صوفية سنّية تنسب إلى محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي، المتوفى في مصر، وهو من أئمة الصوفية في خراسان، في القرن العاشر الهجري. والخلوتي، نسبة إلى الخلوة الصوفية، كان من أتباع الطريقة السهروردية، واستقل عنها.

تولى قاضي زاده الخطابة في أهم مساجد إسطنبول، وبدأ في نشر منهجه السلفي بين الوعاظ والعامة، وحشد حوله كثيرين، ووضع مؤلفات مهمة شكّلت منهج الجماعة، بجانب كتب البِركوي، ومنها: "إرشاد العقول المستقيمة إلى الأصول القويمة بإبطال البدعة السقيمة"، "قامعة البدعة، ناصرة السنّة، دامغة البدعة"، و"نصر الأصحاب وقهر السبَّاب" وغيرها.

عاش الرجل الذي سيصير اسماً مؤثراً في السلطنة في فترة شهدت الأخيرة فيها اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة تمثلت في صراع الخصيان والحريم على السلطة، وتولي سلاطين صغار السنّ الحكم، وتلاعب الحريم بالسلاطين.

وزاد من الاضطرابات عدم انضباط عناصر القوة الإنكشارية، أهم قوة عسكرية في السلطنة، وتدخّلها في الصراع على السلطة، إذ عزل الإنكشاريون السلطان مصطفى الأول وولوا مكانه عثمان الثاني ثم قتلوه عام 1623 بعدما حاول التخلص من نفوذهم بإقامة جيش جديد من العرب، وتولى بعده مراد الرابع الحكم وعمره 11 عاماً فقط، وسيطرت والدته والإنكشاريون على الحكم لمدة 10 أعوام إلى أن تخلص مراد من سطوتهم.

في ذلك الجو، أطلق قاضي زاده دعوته، في ظل انشغال السلطة عن مراقبته. وكانت معالم الجماعة قد تشكّلت بين عامي 1620 و1630، وأصبحت قوة هامة في مدينة إسطنبول، وصار لها خصائص تميّز أعضاءها في الشكل والملبس، وسجل حضورها عدد من الرحالة منهم أوليا جلبي في كتابه "سياحتنامة"، كما ذكر خالد أبو هريرة.

وقد ميّز أعضاء الجماعة أنفسهم بارتداء الجلاليب القصيرة، وبتكحيل أعينهم، إضافة إلى تسلحهم بهراوات وسكاكين صغيرة، بحسب أبو هريرة. وأطلقوا على أنفسهم اسم "الفقهاء" لكن خصومهم أطلقوا عليهم لقب "قاضي زاده ليلَر" (أتباع قاضي زاده)  للتقليل من شأنهم، وشاع المصطلح الأخير حتى صار مقبولاً في الأوساط العلمية سواء السلفية أو غيرها، بجانب مصطلح "قاضيزادية" أو "قاضي زاده".

في القرنين الـ16 والـ17، ظهرت جماعة سلفية إسلامية عُرفت باسم قاضي زاده، نسبةً إلى مؤسسها قاضي زاده محمد أفندي، وتبنّت العنف وسيلة لمحاربة ما اعتبرته انحرافاً عقائدياً واجتماعياً في المجتمع العثماني، خصوصاً في العاصمة إسطنبول

يبيّن الباحث التركي أحمد يشار أوجاق، في كتابه "الدعوة إلى تصفية الدين/ حركة قاضي زاده في الإمبراطورية العثمانية – القرن 17"، أن قاضي زاده كان رجلاً بارعاً في الحيلة، حريصاً على موقعه، فبينما كانت الدولة تمر بتدهور شديد كان يستثمر ذلك في إظهار نفسه حامياً للشريعة، فتجمع حوله المتعصبون، وظنوا في كلامه الخلاص.

استغلت الجماعة الفوضى السياسية وهاجمت تكايا الخلوتية وشيخها عبد المجيد سيواسي. كما أنزل عناصرها جام غضبهم على مرتادي المقاهي، وشاربي التبغ والقهوة، يروي أبو هريرة.

مرحلة الوفاق مع السلطة

تولى مراد الرابع السلطة عام 1623، وعمره 11 عاماً، وتولت والدته "كوسم" الوصاية عليه، وتحكمت في مقاليد الحكم، وتسببت بمشاكل خطيرة. عندما بلغ مراد من العمر 20 عاماً تمكن من إبعاد والدته، وكان عليه مواجهة القوى المتنازعة لاستعادة سيطرته على السلطة، فبحث عن حلفاء من خارج المنظومة، ووجد ضالته في جماعة قاضي زاده.

قرّب السلطان إليه قاضي زاده، وجعله بين كبار مستشاريه، ما أكسبه مكانة كبيرة في البلاط، حتى أنه في بعض الأحيان، لعب دور الوسيط بين السلطان وخصومه، مثلما حدث أثناء تمرد فرسان السباهية في الأناضول عام 1632.

فرسان السباهية

والسباهية هي فرقة الفرسان الأتراك الذين مُنحوا إقطاعاً زراعياً مقابل الخدمة في الجيش العثماني، وتعرض هؤلاء للتمييز من قبل خصومهم الإنكشاريين، الطبقة العسكرية المنافسة لهم، إذ تعدوا على امتيازاتهم مراراً، وكثيراً ما صادرت السلطة أراضي السباهية حينما كانت تحتاج إلى المال.

في الوقت نفسه، حصد رجال قاضي زاده المناصب الرئيسية في أكبر جوامع العاصمة وأهمها، ما يُعَدّ الانتصار الأول من نوعه للأحناف السلفيين، كما ذكر خالد أبو هريرة.

كانت الفوضى التي يتسبب بها الإنكشاريون بسبب اشتغالهم بالتجارة، وعدم تلبيتهم للواجب العسكري، وفرض الأتاوات على تجار وسكان إسطنبول، العقبة الكبرى أمام السلطان مراد الرابع. أمام ذلك، استغل الغطاء الشرعي من قاضي زاده، وأصدر عدة قرارات بهدف استعادته للسيطرة على إسطنبول وبث الرعب في قلوب منافسيه.

مراد الرابع

وكان المستهدف من قرارات السلطان في الأساس هم الإنكشاريون الذين كانوا يمتلكون ثكنات وأحياء كاملة في إسطنبول، وسعى السلطان إلى تحجيمهم بجانب سعيه إلى الحد من اجتماعات التجار وأبناء الفئات الشعبية التي قد تتسبب بمتاعب له، عن طريق تحريم الدخان والقهوة التي تقدمها المقاهي، والتي كانت أماكن للتجمع والتشاور وإبداء الآراء المنتقدة لسياسات السلطة ويرتاعدها أعضاء الفئات الثلاث المذكورة

يرى البعض أن هناك اتصالاً بينهم وبين الحركة الوهابية لما في دعوتيهما من تشابه... جماعة قاضي زاده العثمانية التي شكلت جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السلطنة العثمانية وحاربت المتصوفين والعلوم العقلية

انتشرت جماعة قاضي زاده في الشوارع، مسلحةً بالعصى والسكاكين القصيرة، لتعمل بمثابة جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعمها السلطان بالقضاء على رؤوس التمرد الإنكشاري، وبذلك تمكّن من القضاء على خصومه نسبياً، والسيطرة على العاصمة.

المعارضة الصوفية

لم يستسلم الصوفيون للعنف المُمارَس عليهم من قبل قاضي زاده، وتصدى أحد كبار مشايخ الطريقة الخلوتية، عبد المجيد أفندي السيواسي له، وحدثت بينهما مناظرات عديدة، وكان السيواسي قريباً من السلطان مراد هو الآخر.

يرى الباحث أوجاق أن الجدال بينهما لم يجلب خيراً على الدولة، فقد انغمسا في مسائل ليست مهمة مثل إيمان والدي الرسول، وحياة الخضر، وقراءة القرآن بأجر وغير ذلك.

لجأ قاضي زاده إلى إثارة المتعصبين ضد خصومه بخطبه القوية، ويحلل أوجاق سياساته بالقول إنه لم يكن مخلصاً في دعوته، وغلب طلب الجاه عليه، مشيراً إلى القصور النظري في فكر الجماعة في مسائل الاعتقاد، واكتفائها بمعاداة الصوفية أكثر من تقديم رؤية لإصلاح المجتمع.

بوفاة قاضي زاده عام 1639 ثم السيواسي عام 1643 انتهى الجدال الرئيسي، إلا أنه انتقل إلى عداء بين الصوفية وأتباع قاضي زاده، وانتقل إلى المدن الكبرى مثل القاهرة، ودمشق، ومكة، وغيرها، إذ ظلت الجماعة حاضرة وتولى قيادتها محمد بن أحمد الشامي الشهير بالأسطواني (ت. 1661)، وهو رجل تعود أصوله إلى دمشق، وتدرج في المناصب الدينية، وأصبح واعظاً لحرس السلطان الخاص (البستانجية)، ثم واعظاً للسلطان الشاب محمد الرابع، وعمل على استثمار تلك المكانة في خدمة جماعته.

ذروة الإرهاب القاضيزادي

بوفاة مراد الرابع، عام 1640، تولى الطفل محمد الرابع عرش السلطنة. دخلت البلاد مرحلة اضطرابات جديدة فانسحب الجيش الإنكشاري من معركة كانديا، عاصمة جزيرة كريت، ونشبت ثورة في الأناضول لفترة وجيزة، وتوالى تعيين وعزل الصدور العظام، وعادت القوى القديمة (الحريم، والخصيان) للظهور، ووقع صراع بين السلطانة "كوسم"، جدة السلطان الجديد، والسلطانة "طرخانة"، والدته، انتهى بمقتل الأولى، ما أدى إلى تراجع نشاط جماعة قاضي زاده لمدة 15 عاماً.

محمد الرابع

بمقتل كوسم ضعف نفوذ الإنكشاريين الذين دعمتهم، ووجد أعداؤهم في جماعة قاضي زاده وسيلةً لتصدر المشهد. وللعداء بين الإنكشاريين وقاضي زاده جانب عقائدي فالإنكشاريون عقيدتهم صوفية بكتاشية، وقاضي زاده يعادون الصوفية.

وجدوا في صراعات الفرق العسكرية ومؤامرات الحريم في القصر بيئة خصبة لنموّهم وتعزيز مكانتهم... جماعة قاضي زاده العثمانية التي شكلت جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السلطنة العثمانية وحاربت المتصوفين والعلوم العقلية

انضمت فئات من التجار والحرفيين ممَّن تضرروا من سيطرة الإنكشاريين على النشاط الاقتصادي إلى قاضي زاده، كما انضمت إليهم فرقة حرس القصور السلطانية (البستانجية)، التي تضررت امتيازاتها بسيطرة الإنكشارية، في إطار الصراع بين الفرق العسكرية، يقول خالد أبو هريرة، بجانب تأثير الإسطواني عليهم.

هذه العوامل الجديدة منحت الجماعة زخماً غير مسبوق، ومكنتها من دفع الأعمال الغوغائية ضد التكايا والكنائس والحانات والمقاهي في إسطنبول إلى أقصى حد.

وبلغت من القوة حدّ أن مال إليها بعض الصدور العظام أنفسهم خوفاً من شعبيتها الكبيرة. ومثال على ذلك الصدر الأعظم ملك أحمد باشا (1650 - 1651) الذي أمر بإغلاق إحدى تكايا الخلوتية.

ملك أحمد باشا

وفي استعراض للقوة، أضاف القاضيزاديون ابتداءً من العام 1653 قداسة على كتاب "الطريقة"، وحرّموا أية محاولة لنقده من خصومهم، يتابع أبو هريرة.

تحوّلات في موقف السلطة

للخلاص من الاضطرابات السياسية، اتفق القصر على تعيين رجل الدولة القوي محمد باشا كوبرلو صدراً أعظم عام 1656. بدأ كوبرلو باشا حياته في خدمة الدولة العثمانية حين جُند وفقاً لنظام الدوشرمة (جمع أطفال مسيحيين أوروبيين) في الجيش الإنكشاري، وهو ابن لأسرة ألبانية مسيحية، وتم إلحاقه بمدرسة أندرون لتنشئته كموظف عثماني في القصر، وتدرج في المناصب والرتب الإدارية والعسكرية حتى شغل منصب والي إسطنبول، قبل أن يُعيّن صدراً أعظم.

يقول خالد أبو هريرة لرصيف22: كما كانت بداية الحركة أثناء تلك المرحلة عنيفة ودموية، فإن نهايتها لن تختلف عن ذلك كثيراً. فبعد تولي كوبرلو الصدارة العظمى بدأ في تنفيذ برنامج إصلاحي واسع المدى سياسياً وعسكرياً، واعتبر أن عودة الانضباط إلى العاصمة تستلزم التخلص من القاضيزاديين الذين أصبحوا عبئاً على المدينة.

استغل كوبرلو تجمع أتباع الجماعة بسلاحهم بقيادة الأسطواني بنية الهجوم الشامل على التكايا، واستتابة الصوفيين، ثم استصدر فتاوى من العلماء المنافسين بقتلهم، وهاجم تجمعهم وشردهم، وقبض على قادتهم ونفاهم إلى قبرص، ثم لاحقاً صدر قرار بعودة الأسطواني من المنفي لكن إلى مسقط رأسه في دمشق.

ولمّا حاول أتباع الحركة الرد على نفي قادتهم بالمشاركة في ثورة أباظة حسن باشا في الأناضول، انتهى الأمر بكثيرين منهم فوق أعواد المشانق مع الباشا الثائر نفسه، يضيف أبو هريرة.

وكان حسن باشا والياً على حلب، وثار مستغلاً صغر سن السلطان، ورفضاً لتعيين كوبرلو باشا في منصب الصدارة العظمى، وطمح إلى توسيع ولايته، في أحد تمرّدات الولاة التي كانت شائعة في السلطنة، بهدف تحسين امتيازاتهم.

يرى الباحث محمد داود كوري، في كتابه "دعوة جماعة قاضي زاده الإصلاحية في الدولة العثمانية"، أن موقف كوبرلو كان سياسياً فقط، فقد نفّذ أحكام إعدام بحق قادة صوفيين بينما اكتفى بنفي قادة الجماعة، كما حرّم طقوس الرقص الصوفية.

بعد وفاة كوبرلو، تولى ابنه أحمد باشا الصدارة العظمى، وظهر قائد جديد لجماعة قاضي زاده هو محمد أفندي الواني (ت. 1685). ربطت علاقة قوية بين الرجلين، وبتحالفهما عادت الجماعة إلى سابق عهدها، ودعمتها السلطة بإصدار قرارات ضد التكايا والصوفية، ونجحت في إدخال تعديلات مهمة على قوانين تمليك الأراضي والنظام الضريبي في المنظومة القانونية العثمانية (قانونامة) إذ صارت الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً لتلك القوانين بعد أن كانت أقرب إلى الروح العلمانية، يقول خالد أبو هريرة.

وبعد وفاة أحمد باشا، تولى قره مصطفى باشا الصدارة العظمى. وبتشجيع من الواني، قرر غزو فيينا عام 1683، وهي المعركة التي انتهت بهزيمة ساحقة للعثمانيين، فعاقب السلطان قره باشا بالقتل، ونُفي الواني إلى بورصة، واستغل الإنكشاريون الهزيمة للقضاء على الجماعة، وبذلك انتهى عهدها في إسطنبول لكنه لم ينتهِ في دمشق التي كانت الدعوة قد انتقلت إليها مع استقرار الأسطواني فيها.

غزو فيينا عام 1683

قاضي زاده وابن عبد الوهاب

بيئة دمشق السلفية كانت أقرب إلى روح الحركة، على عكس بيئة القاهرة التي فشلت في النمو فيها. في دمشق، وجد الأسطواني أتباعاً له، ونجح ابنه مصطفى في تولي إمامة الجامع الأموي.

اشتبكت الجماعة مع صوفية دمشق، وتولى العالم الصوفي عبد الغني النابلسي (ت. 1731) الرد عليهم. وظلت أفكار الجماعة حية بين مشايخ دمشق.

وتتلمذ محمد بن عبد الوهاب المولود عام 1703 على شيوخ درسوا على أتباع لقاضي زاده، ومن هؤلاء: الشيخ علي أفندي الداغستاني، والشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي، والشيخ عبد اللطيف الإحسائي، والشيخ محمد السِّندي الذي تبني أفكار قاضي زاده في الدعوة لمحاربة ما أسماه "بدع الصوفية"، وبالتالي تأثر بذلك النهج.

يرى الباحث خالد أبو هريرة أن هناك اتصالاً بين القاضيزادية والوهابية وأوجه شبه تلفت الانتباه. وربما كان تأثير الأولى في الثانية لا يحمل صفة المباشرة، لأن القاضيزادية في النهاية ليس لديها آثار تنظيرية خاصة، فقد اعتمدت على عدة كتب لابن تيمية، واقتصر دورها على تطبيق كلامه في محاربة مظاهر تعظيم القبور، ومحاربة الانفتاح الاجتماعي.

بحسب أبو هريرة، تتشابه الجماعتان في الأطر الإيديولوجية العامة، والخصوم المستهدفين، والسلوك البراغماتي، وكلها تعتبر نقاط تلاقٍ بينهما. ولكن في الوقت نفسه، هناك خلافات بينهما أيضاً أهمها موقف الوهابيين المعادي للدولة العثمانية، على عكس القاضي زاديين الذين أخلصوا لها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard