"لوبيات متنفذة في الإدارة والأحزاب السياسية"... رئيس هيئة مكافحة الفساد التونسية يتحدث لرصيف22

الأحد 19 يناير 202001:03 م

ترهيب وتهديد مباشران وغير مباشرين وتدابير انتقامية شملت الإعفاء من الوظيفة وحجب المستحقات المالية… هي إجراءات تعسفية تعرض لها موظف تونسي في "ديوان مساكن أعوان وزارة التربية" بسبب تبليغه عن شبهات فساد "جدية" في الديوان، وفق تقرير هو الأحدث للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

في التقرير، أوضحت الهيئة أن أعمال البحث والتقصي التي قامت بها أفضت إلى إحالة الموضوع إلى القضاء لثبوت الشبهات، بينما تولت إصدار قرار حماية للمبلّغ يقضي بإرجاعه إلى وظيفته ومنحه مستحقاته المالية.

وبينما ضمن قرار الحماية كذلك عدم اتخاذ تدابير انتقامية ضد الموظف، لاحظت الهيئة أن الإدارة العامة للديوان واصلت التنكيل بالمبلّغ وأعرضت عن تنفيذ القرار، وهذا ما حتّم إحالة الموضوع إلى القضاء.

هيئة مكافحة الفساد

أُحدثت "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" بموجب مرسوم تم تبنيه وإصداره في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2011، ومن مهماتها الكشف عن مَواطن الفساد في القطاعين العام والخاص وتلقي الشكاوى والإشعارات بشأن حالات الفساد والتحقق منها، ثم إحالتها إلى الجهات المعنية، بما في ذلك القضاء.

والتقرير المذكور آنفاً، وهو عن سنة 2018 وصدر في نهاية 2019، هو واحد من تقارير سنوية عن الفساد في تونس تُضمّنها توصياتها إلى السلطات المعنية، وجاء فيه أن 32.9% من ملفات شبهات الفساد الواردة للهيئة تخص وزارات عمومية.

وكانت أعلى نسبة ملفات شبهات فساد من نصيب وزارة الداخلية، إذ بلغت 6.33% من مجمل الملفات، وشملت شبهة استغلال نفوذ من قبل ضابط في الأمن واستعمال سيارة إدارية لمآرب شخصية، وشبهة استغلال عنصر في سلك الحرس الوطني وظيفته للاحتيال والابتزاز من أجل منفعة خاصة.

استغلال نفوذ

تضمنت ملفات وزارة الداخلية كذلك شبهة انخراط مسؤول أمن في توزيع مشروبات كحولية وشبهة فساد في عملية إتلاف سيارات ودراجات نارية تابعة لوزارة الداخلية، بالإضافة إلى شبهة تورط مجموعة من الأمنيين في تهريب مادتي "المعسّل" والتبغ.

كذلك رصد تقرير الهيئة شبهات فساد في قطاع الديوانة (إدارة عامة تابعة لوزارة المالية، مكلفة بمهام ذات طابع جبائي واقتصادي وأمني) من بينها شبهة فساد ضد عميد فيه، تتعلق بعملية تسريح مشبوهة لبضاعة مورّدة في ميناء محافظة سوسة.

وسجلت الهيئة أيضاً في هذا القطاع شبهات فساد في مستودع حر تحت الرقابة الديوانية في منزل بورقيبة ضد شخصيات متنفذة، من بينها وزير في نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي بن علي وصهر بن علي، لاحتيالها على شركة إيطالية والاستيلاء على بضاعتها المودعة تحت القيد الديواني وحرمانها من مستحقاتها المالية.

وأتت وزارة الفلاحة (الزراعة) في المرتبة الثانية بنسبة 6,25% من الملفات الواردة على الهيئة، والتي تتعلق بشبهة تعطيل المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية في محافظة توزر تنفيذ صفقة تابعة لشركة فسفاط قفصة من دون أسباب موجبة.

كذلك شملت الملفات شبهة استغلال نفوذ واختلاس أموال عمومية وتزوير فواتير وهمية في المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية في محافظة قبلي، وشبهة تعمّد ديوان الحبوب قبول وتخزين حبوب تحتوي على حشرة السوس الحي في مجموعة من خزانات الديوان.

الاستيلاء على أموال عمومية

أما وزارة التربية فجاءت في المرتبة السادسة واستحوذت على 4,34% من الملفات الواردة إلى الهيئة، وأبرزها شبهة فساد إداري ومالي نُسبت إلى مدير مدرسة ابتدائية في محافظة باجة بعد الاستيلاء على حواسيب ومواد غذائية وحرمان التلاميذ من حصتهم من الحليب المخصص لهم.

واحتلت وزارة الصحة المرتبة السابعة، وفق تقرير الهيئة لعام 2018، ومن شبهات الفساد فيها انتفاع المدير العام لـ"معهد باستور" بمبالغ مالية دون وجه حق على حساب موازنة المعهد والامتناع عن إرجاعها.

ترهيب وتهديد وتدابير انتقامية شملت الإعفاء من الوظيفة وحجب المستحقات المالية، هي  إجراءات تعسفية تعرض لها موظف تونسي بسبب تبليغه عن شبهات فساد... رئيس هيئة مكافحة الفساد في تونس يفتح ملفات الفساد في حديث لرصيف22

ومن ملفات وزارة الصحة أيضاً، شبهة تجاوزات ومخالفات في مؤسسة صحية خاصة بمحافظة قفصة، وإهمال في الوقاية الطبية اللازمة تسبب في انتشار مرض التهاب الكبد الفيروسي صنف "ج" وغياب التدخل الطبي.

وكان للقطاع الخاص نصيب من ملفات شبهات فساد متعلقة به تلقتها الهيئة، أبرزها شبهة تقديم رشوة إلى أشخاص نافذين للحصول على وكالة حصرية من "المجمع الكيميائي التونسي" لمصلحة شركة فلاحية أجنبية، وشبهة تعطيل لجنة الأشغال في بلدية بنزرت ورئيسها لإنجاز مركّب سياحي متكامل.

صلاحيات مهمة

منذ إنشائها عام 2011، تحاول هيئة مكافحة الفساد في تونس إعطاء أهمية بالغة للجانب الوقائي والإصلاحي، وفقاً لمقاربة تشاركية "إيماناً منها بأن مكافحة الفساد لا تتم عبر محاسبة الفاسدين فحسب وإنما عبر تفكيك منظومة الفساد التي ورثها الشعب التونسي والتي تتيح الفساد والإفلات من العقاب"، وفق تصريح رئيس الهيئة العميد شوقي الطبيب لرصيف22.

تعمل الهيئة على محاربة السلوكيات الاجتماعية المعروفة لدى نسبة كبيرة من التونسيين، ومنها الوساطة والرشوة، وهي سلوكيات يؤكد الطبيب أن القانون منح الهيئة صلاحيات مهمة لا تتعلق فقط بالجانب الزجري لها، عبر تقصي ملفات وإحالتها على القضاء، وإنما أيضاً بالجانب الوقائي المتعلق بالتوعية وتنسيق الجهود الوطنية وتحفيز دور المواطن.

واجب قانوني

رداً على سؤال رصيف22 عن جدوى تقارير وتوصيات الهيئة السنوية في مكافحة الفساد في تونس، يوضح الطبيب أن إعداد التقارير وإصدارها هما "قبل كل شيء واجب الهيئة القانوني، إذ ليس بالإمكان مقاومة الفساد من دون تحليله والإشارة إلى مواطن الخلل ومن دون طرح مقترحات مع تبيان ما قامت به الهيئة لتقديم أنشطتها وتوصياتها ومقترحاتها".

ويضيف أن إصدار التقارير السنوية يُسهّل على كل الأطراف تقييم عمل الهيئة في إطار من الشفافية وإتاحة المعلومة للجميع حتى لا تُتهم مستقبلاً بالتقصير.

ماذا حققت الهيئة؟

يشير المتحدث إلى أن الهيئة حققت عدة إنجازات على غرار تلقيها خلال السنوات الثلاث الأخيرة نحو تسعة آلاف عريضة بشأن ملفات فساد وهو عدد لم يتجاوز عام 2015 الـ20 شكوى.

كما باتت الهيئة تحيل نحو 300 ملف فساد سنوياً على القضاء، مقارنة بـ32 ملفاً خلال أعوام 2012 و2013 و2014، إضافة إلى افتتاح مكاتب جهوية لها - لم تكن موجودة من قبل - في جميع مناطق البلاد.

يقول الطبيب: "ساهمت الهيئة في تحسين الترسانة التشريعية ذات العلاقة من خلال إصدار قوانين حماية المبلغين والتصريح بالمكاسب والنفاذ إلى المعلومة، ومن خلال شراكتها مع المجتمع المدني".

ويضيف: "بإمكاننا تحقيق الأفضل، ولكن الدليل على المساهمة المهمة للهيئة في مكافحة الفساد هو أن ترتيب تونس بدأ منذ عام 2016 يتحسن على مستوى الشفافية الدولية ومؤشر مدركات الفساد، بينما كنا قبل هذا التاريخ في حالة تدهور".

لوبيات متنفذة

في المقابل، تصطدم الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد خلال تقصيها عن ملفات شبهات فساد بما وصفه الطبيب بـ"اللوبيات المتنفذة الموجودة في الإدارة وفي الأحزاب السياسية"، قائلاً: "كل مَن يحكم ولا يحب مقاومة الفساد في تونس أو في دول أخرى، فهو يريد أن يحكم من دون مراقبة هيئة تكافح الفساد أو حتى الإعلام".

"الفساد لا يقتصر على محاسبة أشخاص والزج بهم في السجون فحسب، لأنه سيأتي بعدهم أشخاص فاسدون يستفيدون من المنظومة الفاسدة التي لم تتفكك"... رئيس هيئة مكافحة الفساد في تونس يتحدث عن لوبيات السياسة

ويشدد رئيس الهيئة على ضرورة "توخي اليقظة الدائمة تجاه هذه اللوبيات لأنها غير ظاهرة ومحددة ويتواصل بعضها مع بعض كرجال الأعمال والإدارة العميقة التي تمسك بالصفقات العمومية وتعرقل الهيئة بطريقة تعجز عن رصد المسؤولين عنها".

فهم خاطئ

تعاني الهيئة، وفق رئيسها، من فهم خاطئ يبديه التونسيون والنخب حيال مكافحة الفساد التي يرون أنها تتلخص في إيقاف الفاسدين ومحاسبتهم، بينما تعني مقاومة الفساد محاربة المنظومة بأكملها ومحاسبتها وتفكيكها.

"الفساد لا يقتصر على محاسبة أشخاص والزج بهم في السجون فحسب، لأنه سيأتي بعدهم أشخاص فاسدون يستفيدون من المنظومة الفاسدة التي لم تتفكك، والأمثلة عديدة تتجلى في الفساد من خلال البيروقراطية في الإدارة ومن خلال قانون تنظيم الانتدابات في الوظيفة العمومية وقانون تنظيم الصفقات"، وفق الطبيب.

الإرادة السياسية

في جانب آخر، عبّر رئيس الهيئة عن عدم رضاه عن التفاعل مع تقارير الهيئة، إذ تُكرّر تضمين 60% من توصياتها كل عام في تقاريرها السنوية لأنها لم تؤخذ بعين الاعتبار.

ويلفت إلى وجود ما سمّاها بـ"إرادات سياسية مختلفة"، إذ "هناك طرف يتفاعل مع الهيئة ويوقع اتفاقية لمكافحة الفساد ويحرص على إتمام الاجتماعات بصفة دورية والعمل بتوصيات الهيئة"، وفي المقابل، هناك طرف ثان لا يتفاعل ويكتفي مثلاً بتوقيع الاتفاقية ثم يضعها "لوحة في مكتبه من دون الحرص على تطبيقها"، فيما نجد طرفاً ثالثاً يمتلك الرغبة في التفاعل الإيجابي لكنه يصطدم برفض مَن هو أعلى منه سلطةً لتعارض ذلك مع مصالحه.

وعن تفاعل السلطة القضائية مع جهود الهيئة في مكافحة الفساد، يرى رئيس الهيئة أنه تحسن، لكنه "يبقى دائماً تفاعلاً دون المستوى، إذ ضبطت الهيئة ما يقارب الـ20% من الملفات التي يتم فصلها قضائياً وتُعد أقل بكثير من المأمول".

حماية المبلّغين

أصدرت الهيئة وفق تقريرها لعام 2018، 67 قرار حماية لمبلّغين عن ملفات شبهات فساد، كما أحالت 16 ملفاً على القضاء بسبب ما تعرض له مبلّغون من تنكيل.

وكان قد صدر عام 2017 قانون أساسي يتعلق بالإبلاغ عن الفاسدين وحماية المبلّغين يهدف إلى ضبط صيغ وإجراءات الإبلاغ عن الفساد وآليات حماية المبلّغين.

في هذا السياق، لفت الطبيب إلى أن الهيئة تتحمل مسؤولياتها وتطبق القانون وتحمي المبلّغين عن الفساد رغم محدودية إمكاناتها، غير أنها اصطدمت ببعض الإشكاليات على غرار عدم إصدار الأوامر التطبيقية المتعلقة بهذا القانون، إضافة إلى العقليات التي تعتبر إلى الآن المبلّغ "قوّاداً" وتتكتّل ضده.

ومن الإشكاليات أيضاً، عدم فهم البعض لقانون حماية المبلّغين وشروطه التي تقضي لزاماً بأن يكون طالب الحماية قد بلّغ ثم تمّ التنكيل به مع وجود علاقة سببية بين عمليتي التبليغ والتنكيل.

"كافية إلى حد ما"

تصدر الهيئة قرار حماية ملزماً يخضع لرقابة المحكمة الإدارية يتم بموجبه إبطال أعمال التنكيل التي جرى اتخاذها ضد المبلّغ، وتسعى بذلك إلى توفير الحماية بقدر الإمكان نظراً لتشعب هذا الملف، بحسب الطبيب.

ومن أشكال الحماية التي توفّرها الهيئة للمبلّغ عن الفساد، تأمين الحماية الأمنية له بالتنسيق مع وزارة الداخلية وتوفير الدعم النفسي.

ويصف الطبيب الحماية التي تقدمها الهيئة للمبلّغ بـ"الكافية إلى حد ما" نظراً إلى أعداد الأشخاص الطالبين لها والذين تجاوزوا بصورة عامة 700 مطلب حماية، قدمت منها الهيئة قرابة 200.

في المقابل، لم تتفاعل بعض المؤسسات مع قرار الحماية الصادر عن الهيئة، من بينها على سبيل المثال "المركز الوطني البيداغوجي" الذي استمر في التنكيل بالموظفة المبلّغة عن شبهة الفساد في المركز بحرمانها من المستحقات المالية، وهذا ما دفع الهيئة إلى إحالة الملف إلى القضاء.

يختم رئيس الهيئة كلامه مؤكداً على المثل التونسي القائل: "الدوام (الثبات) ينقب الرخام" الذي ترفعه الهيئة شعاراً لها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard